بعد نشرها مقالا عن “ارتباطاته الخطيرة في فرنسا والمغرب”.. السياسي سعيد سعدي يقاضي صحيفة جزائرية


الجزائر- “القدس العربي”: أعلن سعيد سعدي، الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في الجزائر، مقاضاة جريدة “الوطن” الناطقة بالفرنسية، بعد نشرها مقالا تحدث عن “ارتباطاته الخطيرة في فرنسا والمغرب”، وذلك أياما قليلة بعد عودته إلى الجزائر، عقب سبع سنوات قضاها في فرنسا.

وقال سعدي في بيان له من مسقط رأسه في أغريب بولاية تيزي وزو، إن القضاء سيكون أمامه الفصل في “طبيعة ومضمون الاتهامات” التي وردت في مساهمة نشرتها الصحيفة يوم 13 أغسطس/آب، معتبرا أن كاتبها شخص مجهول ولا يمكن، حسب قوله، تحديد هويته من خلال أي بحث.

وكتب سعدي أن “الوطن” نشرت “مساهمة” لن يتوسع في مناقشتها، لأن القضاء، بحسبه، هو الجهة التي ستفصل في الاتهامات التي تضمنتها. واتهم ما وصفه بـ”قوى خفية” بالوقوف وراء النص، مستندا في ذلك إلى ما قال إنها “مصادر داخل الجريدة” أبلغته بأن المقال “فُرض” عليها.

واعتبر الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أن الهدف من نشر المقال لم يكن مناقشة أفكاره أو مواقفه، وإنما “التشويش” على النقاش الذي دعا إليه بعد عودته إلى الجزائر، والمتعلق، كما قال، بقضايا عاجلة وحساسة تشغل الجزائريين.

وذهب سعدي في توصيف ما جرى له إلى عقد مقارنة بما تعرض له الكاتب مولود معمري خلال أحداث الربيع الأمازيغي في أبريل/نيسان 1980، حين تعرض لهجوم إعلامي على خلفية مواقفه ونشاطه الثقافي.

وقال إن ما حدث معه اليوم أكثر إثارة للقلق، لأن كاتب المقال المنشور في “الوطن” اختار عدم الكشف عن هويته، بينما كان الصحافي كمال بلقاسم الذي كتب ضد معمري معروفا وموقعا باسمه.

كما انتقد سعدي الصحيفة باعتبارها مؤسسة يفترض أن تدافع عن خط تحريري مستقل، قبل أن يصف النص المنشور بحقه بأنه “شحنة” تفتقر، بحسبه، حتى إلى اللغة الصحافية التي قال إنها كانت حاضرة في الهجوم الذي تعرض له معمري.

وخلص إلى أن القضية تكشف، في تقديره، عن “تدجين متقدم وتراجع مقلق” في الممارسة الصحافية، محذرا من محاولات استخدام الإعلام للتأثير في النقاش السياسي.

واللافت أن “الوطن” ظلت تاريخيا، في نظر قطاع واسع من متابعي المشهد السياسي والإعلامي، قريبة من التيار الديمقراطي والعلماني الذي كان سعيد سعدي أحد أبرز وجوهه، وهو ما جعل نشر مقال بهذه الحدة ضد أحد رموز هذا التيار موضع استغراب لدى أنصاره والمدافعين عنه.

الهجوم على سعدي

وكان المقال الذي أثار غضب سعدي قد حمل عنوانا بالفرنسية يمكن ترجمته إلى “العودة إلى الجزائر، الشبكات الفرنسية والمغربية: الارتباطات الخطيرة لسعيد سعدي”، ووقّعه الكاتب سمير برحال في شكل مساهمة.

وركز المقال على عودة سعدي إلى الجزائر وتوقيتها، وعلى علاقاته ولقاءاته خلال السنوات التي قضاها خارج البلاد، خصوصا مع شخصيات فرنسية ومغربية. وطرح الكاتب تساؤلات حول طبيعة هذه العلاقات وما إذا كانت تتجاوز العلاقات الشخصية والفكرية إلى صلات ذات أبعاد سياسية.

واستند المقال، على وجه الخصوص، إلى صورة ظهر فيها سعدي إلى جانب الكاتب والباحث المغربي والمتحدث السابق باسم القصر الملكي حسن أوريد في مدينة مكناس، مقدما إياها باعتبارها مؤشرا على اتصالات سعدي بدوائر مغربية.

كما استعاد لقاءات له مع شخصيات فرنسية، بينها الكاتب المثير للجدل بيرنار هنري ليفي، إلى جانب فرانسوا بايرو والصحافي أوليفييه جيزبير، وأشار كذلك إلى الروائي بوعلام صنصال.

وطرح المقال تساؤلا حول ما إذا كانت هذه العلاقات مجرد لقاءات عابرة، أم أنها تعكس ارتباطا بشبكات سياسية وإعلامية خارجية، خاصة في ظل التوتر القائم بين الجزائر وكل من فرنسا والمغرب.

كما يعود المقال إلى مواقف قديمة لسعيد سعدي، خصوصا خلال أحداث “الربيع العربي” عام 2011 (نشّط حينها عدة مظاهرات محدودة العدد بالعاصمة)، معتبرا أن قراءته لتلك التحولات كانت قريبة من المقاربات الغربية. وينتقل بعد ذلك إلى نشاطه الحالي، حيث يرى الكاتب أن إعلان سعدي تفرغه للذاكرة والكتابة لا يمنع احتمال وجود رغبة في إعادة التموضع داخل المشهد السياسي الجزائري، خصوصا من خلال التركيز على قضايا الذاكرة والتاريخ الوطني.

ومن هذا المنطلق، يتحدث المقال عن “الذاكرة كسلعة سياسية”، معتبرا أن إعادة قراءة التاريخ الجزائري يمكن أن تكون مشروعة في حد ذاتها، لكن تحويلها إلى وسيلة لإعادة الحضور السياسي قد يجعل الحدود بين العمل الفكري والمشروع السياسي غير واضحة. ويذهب الكاتب إلى التساؤل إن كان انخراط سعدي في النقاش حول الذاكرة نابعا من اهتمامه بالتاريخ الجزائري، أم يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مصالح جهات أو جماعات ضغط خارجية.

ويخلص النص إلى أن عودة سعدي، في ظل ما يصفه بـ”الهجوم” الفرنسي والمغربي على الجزائر، لا يمكن فصلها عن هذه الاتصالات، معتبرا أن لقاء مكناس لا ينبغي النظر إليه باعتباره لقاء عاديا، وأن عودة سعدي نفسها قد تكون وراءها أهداف تتجاوز مجرد استئناف حياته الشخصية والفكرية في بلاده.

وفي مواجهة هذه الاتهامات، برزت عدة ردود فعل من مؤيدي سعدي، ركزت خصوصا على ما اعتبروه أخطاء في التواريخ والوقائع والاقتباسات.

ومن بين أبرز الردود، تعليق ياسين عيسوان، أحد أنصار سعدي، الذي وصف المقال بأنه “هجوم” على الرئيس السابق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، منتقدا نشره باسم كاتب قال إنه مجهول، واعتبر أنه يعيد إنتاج اتهامات سبق أن وجهتها أطراف سياسية إلى سعدي.

وكانت صورة مكناس إحدى النقاط الأساسية في الجدل، إذ قال عيسوان إن الصورة التي استند إليها المقال تعود إلى مارس/آذار 2022، أي قبل أكثر من أربع سنوات من عودة سعدي الأخيرة إلى الجزائر، وبالتالي لا يمكن، في رأيه، تقديمها باعتبارها دليلا على اتصالات حديثة مرتبطة بعودته.

وذهب الكاتب والناشر عمار انقراشن في الاتجاه نفسه، مع تأكيده أن سعدي، مثل أي شخصية سياسية، ليس فوق النقد، لكنه اعتبر أن المقال لا يرقى إلى النقد الصحافي بسبب ما وصفه بأخطاء في التواريخ والاقتباسات وخلط الوقائع.

وناقش الكاتب ما ورد عن علاقة سعدي ببيرنار هنري ليفي، معتبرا أن اللقاءات التي جمعتهما لا تكفي لإثبات وجود “شبكة” سياسية. وقال إن أحد اللقاءين يعود إلى سنة 1998 خلال زيارة ليفي إلى الجزائر، فيما وقع اللقاء الثاني سنة 2008 خلال مهرجان كان، في سياق عرض فيلم.

وبخصوص صورة مكناس، أشار انقراشن إلى أنها تعود إلى مارس/آذار 2022، خلال لقاء ثقافي نظمته جمعية “أسيد” تكريما للمناضل الأمازيغي محمد أعجاع، وأن حسن أوريد كان حاضرا بصفته كاتبا وباحثا وناشطا في القضية الأمازيغية، وليس بصفته مسؤولا رسميا مغربيا.

عودة سعدي

ويأتي هذا السجال بعد فترة قصيرة من عودة سعيد سعدي إلى الجزائر في 31 يوليو/تموز الماضي، عقب سبع سنوات من الإقامة في فرنسا.

وكان هذا السياسي قد غادر الجزائر في مايو/أيار 2019، في أعقاب الحراك الشعبي، واستقر في فرنسا، حيث تفرغ بدرجة كبيرة للكتابة وإعداد مذكراته التي صدرت في خمسة أجزاء، مع استمرار حضوره في النقاش العام من خلال الندوات والمقالات واللقاءات.

ولدى وصوله إلى مطار هواري بومدين، حظي باستقبال عدد من أنصاره الذين رفعوا شعارات مؤيدة له ولـ”الجزائر الحرة الديمقراطية”، قبل أن يتوجه إلى مسقط رأسه في أغريب بولاية تيزي وزو.

وفي أول نشاط له بعد عودته، ركز سعدي على قضايا الذاكرة والتاريخ والهوية والتعدد الثقافي، داعيا إلى “إعادة ضبط شاملة للبرنامج السياسي” وفتح نقاش حول “الجزائر الحقيقية والمتعددة”.

وكان سعدي قد أعلن في 2018 انسحابه من النشاط الحزبي بعد سنوات طويلة على رأس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الذي شارك في تأسيسه سنة 1989، وأصبح أحد أبرز وجوه المعارضة ذات التوجه الديمقراطي والعلماني في الجزائر.

وفي مساره السياسي، ترشح سعدي للانتخابات الرئاسية سنة 1995، وظل من أبرز الأصوات خلال سنوات الأزمة الأمنية في التسعينيات، إذ عُرف بمواقفه الرافضة للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتأييده لقرار توقيف المسار الانتخابي مطلع سنة 1992.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *