الجيش السوداني يتصدّى لهجمات “الدعم” من إثيوبيا ويلاحقها في تشاد


الخرطوم – “القدس العربي”: تحدّثت تشاد عن ضربات داخل أراضيها نفذها الجيش السوداني، الذي أعلن إسقاط طائرة مسيرة دخلت من إثيوبيا واستهدفت إقليم النيل الأزرق، وسط تجدد القتال في كاودا جنوب كردفان.

وقال الجيش السوداني، الأحد، إن دفاعاته الجوية أسقطت مسيرة استراتيجية في سماء ولاية النيل الأزرق، موضحاً أنها عبرت الحدود من اتجاه إثيوبيا. وذكرت القوات المسلحة أن عملية الإسقاط تمت جنوب شرقي دندرو، على محور الكرمك.

ويأتي الإعلان في وقت تشهد فيه ولاية النيل الأزرق تصعيداً عسكرياً، خصوصاً في المناطق القريبة من الحدود الإثيوبية.

قال الجيش السوداني، الأحد، إن دفاعاته الجوية أسقطت مسيرة استراتيجية في سماء ولاية النيل الأزرق

وكانت قوات “الدعم السريع” وحلفاؤها قد حققوا خلال أغسطس/ آب، تقدماً في المنطقة، بما في ذلك السيطرة على قيسان، بينما شهدت جبهة الكرمك معارك متواصلة.

ويأتي الهجوم بعد إعلان الجيش في أيار/ مايو الماضي إسقاط مسيرة قال إنها جاءت من اتجاه إثيوبيا قرب الدمازين.

اتهام تشادي

بالتزامن، اتهمت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التشادية، الجيش السوداني بتنفيذ غارات جوية بطائرات ومسيرات داخل الأراضي التشادية في إقليم إنيدي الشرقية.

وقالت الهيئة إن الضربات وقعت مساء الخميس، قرب الحدود بين البلدين، قبل أن تمتد إلى أكثر من 100 كيلومتر داخل الأراضي التشادية.

وأضافت أن طائرات ومسيرات تابعة للجيش السوداني لاحقت وقصفت قافلة مركبات داخل الأراضي التشادية، في إشارة إلى قوة من “الدعم السريع” تراجعت بعد معارك مع الجيش السوداني.

وأكدت السلطات التشادية عدم سقوط ضحايا تشاديين في الهجوم، لكنها أعلنت رفع درجة التأهب لدى قوات الدفاع والأمن، ووصفت الحادث بأنه انتهاك “للسيادة التشادية”.

قتال في كاودا

وفي جنوب كردفان، تجددت المواجهات في كاودا، المعقل الرئيسي للحركة الشعبية ـ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، بين قوات الحركة ومقاتلين من قبيلة الأطورو.

وكان الحلو قد أصدر، الجمعة، أمراً بوقف القتال في كاودا ومنطقة هيبان، بعد مبادرة أعلنها قائد قوات “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو “حميدتي” لوقف الاقتتال بين الحركة والمجموعة المحلية. وأعلنت الحركة التزامها بوقف الأعمال القتالية والسماح بجهود الوساطة الاجتماعية والإنسانية.

لكن الهدنة لم تصمد طويلاً. فقد اتهم قادة من الأطورو الحركة الشعبية ـ شمال، بخرق الاتفاق، وقصف قواتهم بالمدفعية.

وقالت إن قوات الحلو استخدمت خلال الهجوم مدافع هاون وأسلحة مضادة للطائرات، متهمة قوات الحركة بتنفيذ القصف من قاعدة عسكرية في منطقة قريبة من المدينة.

قوات الحلو استخدمت خلال الهجوم مدافع هاون وأسلحة مضادة للطائرات، متهمة قوات الحركة بتنفيذ القصف من قاعدة عسكرية في منطقة قريبة من المدينة

وكانت الحركة الشعبية قد أعلنت الجمعة استعادة السيطرة الكاملة على معقلها في كاودا بعد معارك مع مقاتلي الاطورو، بينما تحدثت مصادر محلية عن استمرار التوتر والاشتباكات في محيط المدينة.

وتعود المواجهات إلى توترات محلية مرتبطة بالأرض والحدود والنفوذ في منطقة جبال النوبة، قبل أن تتطور إلى صدام مسلح بين مقاتلين من الأطورو وقوات الحركة الشعبية ـ شمال.

وتكتسب كاودا أهمية خاصة بالنسبة للحركة الشعبية، إذ تمثل مركزها السياسي والعسكري الرئيسي في جبال النوبة.

اجتماعات في أديس أبابا

على المسار السياسي، اختتمت قوى سودانية “مناهضة للحرب” اجتماعات في أديس أبابا، السبت، لبحث دعوة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى الحوار، ووضع رؤية مشتركة لإنهاء الحرب.

وشاركت في الاجتماعات قوى وتكتلات مدنية وسياسية من بينها تحالف “صمود” بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وحزب المؤتمر الشعبي، وحزب الأمة، وحزب البعث، بالإضافة إلى حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور.

وفي ختام اجتماعاتها في أديس أبابا، أصدرت القوى التي وصفت نفسها بـ”المناهضة للحرب غير المنخرطة في صفوف طرفي النزاع” وثيقة موقف مشتركة بعنوان “عملية السلام التي نريد”، حددت فيها رؤيتها لإنهاء الحرب، وموقفها من دعوة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى ما وصفه بـ”الحوار السوداني ـ السوداني”، إلى جانب مقترحاتها بشأن الوساطات الإقليمية والدولية وشكل العملية السياسية المقبلة.

وقالت القوى، الأحد، إن اجتماعاتها التي انعقدت يومي 22 و23 أغسطس/ آب الحالي في العاصمة الإثيوبية بمشاركة قوى سياسية ومدنية وشبكات نسوية وشبابية وشخصيات عامة، ناقشت تدهور الوضع الإنساني، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات، والتطورات العسكرية والسياسية، إلى جانب مسارات الوساطة الرامية إلى وقف الحرب.

واعتبرت أن السودان يواجه “كارثة إنسانية” متفاقمة نتيجة استمرار القتال، مشيرة إلى اتساع نطاق النزوح واللجوء وتدهور الخدمات الأساسية وانتشار الجوع. ودعت إلى جعل حماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية جزءاً أساسياً من أي عملية سياسية أو تفاوضية.

وأعلنت الوثيقة رفض دعوة البرهان إلى الحوار، إذ قالت القوى الموقعة إن السودان يحتاج إلى عملية سلام متكاملة وليس حواراً سياسياً منفصلاً عن وقف الحرب.

ورأت أن أي عملية سلام جادة يجب أن تبدأ بإجراءات إنسانية ووقف للعدائيات، تليها ترتيبات سياسية وأمنية ووقف دائم لإطلاق النار، ضمن عملية تفاوضية تقوم على الندية وتحت مظلة مستقلة ومتفق عليها.

وبررت القوى رفضها لدعوة البرهان بعدة أسباب، أبرزها أن الحوار، حسب تقديرها، يجري من داخل مناطق خاضعة لسيطرة طرف من أطراف الحرب، الأمر الذي ترى أنه قد يحول السيطرة العسكرية الناتجة عن القتال إلى واقع سياسي دائم.

ذهبت الوثيقة إلى اعتبار دعوة البرهان جزءاً من مسعى لإضفاء شرعية سياسية على استمرار الحكم العسكري، وقالت إن الحوار المقترح لا يوفر، من وجهة نظرها، أساساً كافياً للانتقال إلى نظام مدني ديمقراطي

وقالت إن عقد حوار في مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب، وتحت إشرافه وحمايته، يمكن أن يكرس الانقسام الجغرافي والسياسي الذي أفرزته الحرب، محذرة من أن يتحول الانقسام الميداني إلى تقسيم سياسي للدولة.

وانتقدت ما وصفته بـ”غياب الارتباط بين الحوار ووقف الحرب”، معتبرة أن إطلاق عملية سياسية بينما تستمر العمليات العسكرية والقصف والنزوح والأزمة الإنسانية لن يؤدي إلى إنهاء النزاع.

وذهبت الوثيقة إلى اعتبار دعوة البرهان جزءاً من مسعى لإضفاء شرعية سياسية على استمرار الحكم العسكري، وقالت إن الحوار المقترح لا يوفر، من وجهة نظرها، أساساً كافياً للانتقال إلى نظام مدني ديمقراطي.

وطالبت بإبعاد حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما عن العملية السياسية المقبلة، متهمة القوى المرتبطة بالنظام السابق بالمساهمة في إشعال الحرب والاستفادة من استمرارها.

وأكدت القوى أنها ترفض إعادة إنتاج تجارب الحوار التي شهدها السودان خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، ودعت إلى عدم منح القوى المرتبطة بالنظام السابق دوراً في المرحلة الانتقالية المقبلة.

ثلاثة مسارات

وقدمت الوثيقة تصوراً لعملية السلام يقوم على ثلاثة مسارات متزامنة ومتكاملة: إنساني، وعسكري لوقف إطلاق النار، وسياسي.

ويتمثل المسار الإنساني، وفق الوثيقة، في حماية المدنيين وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات، والسماح بعودة النازحين واللاجئين، وإطلاق سراح المعتقلين، وضمان حرية الحركة والعمل المدني، إلى جانب معالجة الانهيار الذي أصاب قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

أما في مسار وقف إطلاق النار، فتدعو القوى إلى هدنة إنسانية فورية وشاملة تمهد لاتفاق دائم لوقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد.

وفي المسار السياسي، تقترح الوثيقة حواراً سودانياً شاملاً يعالج جذور النزاعات المتراكمة، بدلاً من التركيز على تقاسم السلطة والمناصب بين الأطراف المتحاربة.

وتدعو الوثيقة إلى أن تشمل العملية السياسية قضايا نظام الحكم، وعلاقة الدين بالدولة، والمواطنة المتساوية، وتفكيك بنية نظام البشير، وبناء جيش وطني موحد ومهني، وتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فضلاً عن قضايا النازحين واللاجئين والأراضي وإعادة الإعمار والاقتصاد والتعليم والصحة.

وتقترح مناقشة شكل ومدة الفترة الانتقالية، وصياغة الدستور والنظام الانتخابي، وضمان مشاركة النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة في عملية صنع القرار.

وفيما يتعلق بأطراف العملية السياسية، دعت الوثيقة إلى تمثيل القوى السودانية وفق ما وصفته بـ”الواقع السوداني”، مع استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما.

وتقترح مشاركة ثلاثة مكونات رئيسية بصورة متوازنة: القوى المناهضة للحرب وغير المنحازة إلى أي من طرفيها، والقوى المتحالفة مع القوات المسلحة، والقوى المتحالفة مع قوات الدعم السريع.

لكن الوثيقة تقصر مشاركة القوات المسلحة والدعم السريع على مساري وقف إطلاق النار والعمل الإنساني، معتبرة أن المسار السياسي ينبغي أن يكون شأناً مدنياً بالأساس.

تدعو الوثيقة إلى أن تشمل العملية السياسية قضايا نظام الحكم، وعلاقة الدين بالدولة، والمواطنة المتساوية، وتفكيك بنية نظام البشير، وبناء جيش وطني موحد ومهني

وشددت على تمثيل النساء والشباب والنازحين واللاجئين والسودانيين في الخارج والقوى المجتمعية، بما يمنع هيمنة أي طرف على العملية السياسية.

وتريد القوى أن تنتهي عملية السلام إلى مخرجات محددة، تشمل إعلان مبادئ لإنهاء الحرب، واتفاق سلام نهائيا شاملا، ودستوراً انتقالياً، وتحديد هياكل ومدة وبرنامج المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى آلية لاختيار السلطة المدنية الانتقالية.

وفيما يتعلق بالجهود الدولية، اعتبرت القوى الموقعة أن خريطة طريق الرباعية الصادرة في سبتمبر/ أيلول 2025 تمثل، من وجهة نظرها، مرجعية مناسبة لعملية السلام، خصوصاً تركيزها على وقف الحرب وتحديد مسار زمني للعملية السياسية.

ورحبت بالجهود التي تبذلها الآلية الخماسية، التي تضم الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وإيقاد والجامعة العربية والأمم المتحدة، لكنها اشترطت أن تقوم العملية على “ملكية سودانية” كاملة فيما يتعلق بالمشاركين والأجندة والتوقيت.

ودعت إلى توحيد جهود الوساطة الدولية والإقليمية، بما يشمل الرباعية والخماسية والترويكا، ضمن منبر تفاوضي واحد، محذرة من أن تعدد المبادرات والمسارات يمكن أن يضعف الضغط على أطراف الحرب ويتيح لها استغلال التباينات بين الوسطاء.

وأكدت القوى استعدادها للتعامل مع الآلية الخماسية، شريطة أن تقوم العملية على ربط وقف إطلاق النار بالمسار الإنساني والسياسي، وأن تستبعد القوى المرتبطة بنظام البشير من العملية السياسية.

ودعت كذلك مجلس الأمن والمجتمعين الإقليمي والدولي إلى دعم عملية سلام موحدة تستجيب، حسب تعبيرها، لتطلعات السودانيين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *