الجزائر ـ “القدس العربي”: تزامنا مع بدء تنفيذ قرار إرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى النيجر، كثفت الجزائر تحركاتها الدبلوماسية باتجاه دول منطقة الساحل، من خلال جولة لوزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، شملت تشاد والنيجر، حمل فيها رسالتين خطيتين من الرئيس عبد المجيد تبون إلى قائدي البلدين.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات أمنية متسارعة، على خلفية تصاعد الخلاف بين نيامي وانجمينا، والتحركات العسكرية على الحدود الليبية النيجرية، إلى جانب تقارب السلطات النيجيرية مع قوات خليفة حفتر في شرق ليبيا. كما تأتي في ظل تزايد التحديات المرتبطة بأمن الحدود والممرات الصحراوية، وتداخل الملفات الأمنية والسياسية في دول الساحل.
واستهل عطاف جولته بزيارة تشاد، حيث استقبله الثلاثاء من طرف الرئيس محمد إدريس ديبي إتنو، وسلمه رسالة خطية من الرئيس تبون. ووفق ما أورده بيان للرئاسة التشادية، تناول اللقاء واقع علاقات التعاون بين البلدين وآفاق تطويرها، على ضوء اللقاءين الأخيرين بين قيادتيهما، إلى جانب الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل والتحديات التي تقوض الأمن والاستقرار فيها.
وأبدى الرئيس التشادي حرصه على المضي قدما بعلاقات التعاون المشترك إلى آفاق أرحب، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات التنموية لصالح الشعبين.
وقال عطاف، عقب اللقاء، إن المحادثات سمحت بتقييم العلاقات الثنائية، مؤكدا أن التقييم المشترك إيجابي للغاية، كما أشار إلى أن الطرفين ناقشا القضايا المتعلقة بمنطقة الساحل والصحراء، حيث يتقاسمان، حسبه، الرؤى نفسها ويواجهان التحديات ذاتها، لاسيما في مجالات التنمية والأمن والاستقرار.
وفي اليوم الموالي، انتقل عطاف إلى النيجر، حيث استقبله رئيس الجمهورية، الفريق أول عبد الرحمن تشياني، بصفته مبعوثا خاصا للرئيس تبون، وسلمه رسالة خطية تضمنت، وفق بيان وزارة الخارجية، نقل ارتياح الرئيس الجزائري للمستوى الذي بلغته العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتجديد عزمه على مواصلة العمل مع نظيره النيجري لتعزيزها وتمتينها.
وتناول اللقاء أيضا آخر التطورات في منطقة الساحل الصحراوي، إلى جانب المسائل الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وأكد عطاف استعداد الجزائر للعمل مع جميع دول المنطقة من أجل دعم الأمن والاستقرار وتعزيز التنسيق والتعاون المشترك بما يخدم مصالح دول المنطقة وشعوبها.
ولم تكشف السلطات الجزائرية عن مضمون الرسالتين الرئاسيتين، غير أن الجمع بين المحطتين التشادية والنيجرية، في ظرف إقليمي يتسم بتوتر العلاقات بين البلدين، يضع التحرك الدبلوماسي الجزائري في سياق مساعي التواصل مع مختلف العواصم المعنية بالتطورات الأمنية في الساحل، بالتزامن مع تعزيز التعاون المباشر مع نيامي.
قوات جزائرية في النيجر وتوتر مع تشاد
وتأتي الجولة الدبلوماسية بعد قرار الرئيس تبون، في 26 أكتوبر الماضي، إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، بناء على طلب السلطات النيجيرية، لحماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة.
ويرتبط القرار، وفق المعطيات المعلنة، بحماية المنشآت النفطية التي تستغلها شركة سوناطراك في منطقة كفرا بالنيجر، فضلا عن المصالح المرتبطة بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي ينطلق من نيجيريا ويمر عبر النيجر وصولا إلى الجزائر.
وتزامن قرار إرسال وحدات عسكرية جزائرية، مع تصاعد التوتر بين النيجر وتشاد، بعدما اتهمت نيامي جارتها الشرقية بتنفيذ هجوم بواسطة طائرة مسيرة استهدف منطقة إيمي لولو، الواقعة في ممر سلفادور، قرب الحدود مع الجزائر وليبيا.
وقالت السلطات النيجرية إن الهجوم وقع في الساعات الأولى من صباح السبت 24 أكتوبر، وأسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة آخرين وإلحاق أضرار بمركبات. واتهمت المجلس العسكري الحاكم في النيجر تشاد بالوقوف وراء العملية، واعتبرها عملا عدائيا وانتهاكا لسيادة البلاد، كما اتهم فرنسا بتقديم الدعم للهجوم.
وطالبت نيامي بوقف ما وصفتها بالأعمال العدائية والتعويض عن الأضرار، واستدعت السفير التشادي، محملة السلطات في انجمينا المسؤولية عن الحادثة. ولم تكن هذه الاتهامات الأولى من نوعها، إذ سبق للنيجر أن اتهمت تشاد، في سبتمبر الماضي، بالتورط في محاولة لزعزعة استقرار السلطة العسكرية، وهي اتهامات تأتي في سياق توتر إقليمي متصاعد وتباين مواقف العاصمتين من التطورات الأمنية في الساحل.
وتكتسب منطقة الهجوم أهمية إضافية بالنظر إلى موقعها الجغرافي، فهي تقع في نطاق صحراوي بالقرب من الحدود الجزائرية والليبية، وتعد أحد الممرات التي تنشط فيها شبكات التهريب والجماعات المسلحة. كما تتقاطع فيها مسارات الحركة بين جنوب ليبيا وشمال النيجر وشرق تشاد.
وفي تطور آخر يضاف إلى المشهد الأمني في المنطقة، وقعت النيجر بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي مع القيادة العامة التابعة لخليفة حفتر، التي تسيطر على شرق ليبيا، خلال زيارة أجراها رئيس الوزراء النيجري علي الأمين زين إلى بنغازي، الأحد 1 نوفمبر.
وتزامن هذا الاتفاق مع إعلان معسكر حفتر إرسال قوات إلى الحدود الليبية مع النيجر، في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات عسكرية وأمنية متصلة بتطورات الأوضاع في البلدين. ويأتي التقارب مع شرق ليبيا رغم احتفاظ نيامي بعلاقات مع السلطات في طرابلس، حيث سبق أن وقعت وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية الليبية والنيجر مذكرة تفاهم للتعاون العسكري في 16 يونيو الماضي.
وترى قراءات أن التقارب بين النيجر ومعسكر خليفة حفتر لم يكن بعيدا عن أعين الجزائر، التي باتت تربطها علاقات استراتيجية قوية بنيامي، خاصة في المجالين الأمني والعسكري، كما أن تهدئة التوتر بين الطرفين تصب في مصلحة الجزائر، بالنظر إلى أهمية استقرار المثلث الحدودي بين النيجر وليبيا وتشاد بالنسبة لأمنها ومصالحها الاقتصادية والطاقوية.
وتمتد التحركات الجزائرية الأخيرة إلى مالي التي شهدت العلاقات معها تطورات إيجابية، خاصة بعد زيارة الوزير الأول سيفي غريب إلى باماكو قبل أسابيع واستقباله من طرف رئيس السلطة الانتقالية أسيمي غويتا.
ونقل غريب رسالة من الرئيس تبون إلى نظيره المالي، تضمنت تأكيد اهتمام الجزائر بتعزيز الحوار السياسي والعلاقات الثنائية وحسن الجوار. وأعلن غويتا استعداده لزيارة الجزائر، معتبرا أن الزيارة ستكون محطة مفصلية في ترسيخ الديناميكية الجديدة للعلاقات بين البلدين.
كما تناولت المحادثات إعادة تفعيل آليات التعاون المؤسساتي، وعلى رأسها اللجنة الكبرى المشتركة، إلى جانب مشاريع الطريق العابر للصحراء والوصلة المحورية العابرة للصحراء للألياف البصرية.
وتأتي هذه الخطوة بعد أزمة دبلوماسية حادة بين الجزائر وباماكو، تفاقمت عقب إنهاء السلطات المالية العمل باتفاق السلم والمصالحة الموقع سنة 2015 برعاية جزائرية، ثم حادث إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود الجزائرية في أبريل 2025، وما تبعه من إجراءات دبلوماسية متبادلة شملت سحب السفراء وإغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الرحلات من مالي وإليها.