كيف نتحاور إذا كنا جميعاً نتحدث ولا يوجد من يستمع؟ في هذا السؤال كتبت الصديقة العزيزة، سعدية المفرح، مقالاً بعنوان «كيف خسرنا فن الاختلاف؟»، تقول فيه إنه في حين أن وسائل التواصل قد «منحت الجميع حق الكلام، وهو حق جميل وعادل، لكنها في المقابل جعلت الكثيرين يفقدون فضيلة الاستماع»، وهو ما نشهده من حيث تحول ساحات التواصل إلى ساحات نزاع، ساحات تُرمى فيها التهم جزافاً، وتُقرأ فيها النوايا اعتباطاً، وتثور فيها الغضبات تباعاً دون الوصول إلى نتيجة أو فائدة. طبعاً، أنا هنا أتكلم عن الساحات «الحميدة»، ذلك أن هناك ساحات خبيثة ليس فيها تهم ونزاعات وقراءات نوايا فقط، ولكنها موبوءة كذلك بالسب والقذف، بالكراهية والعنصرية والعنف، بالفحوى البذيئة الخارجة بكل ما للكلمة من معنى، فهل نحن البشر معنيون ومستحقون فعلاً لحق الكلام المطلق، هذا ولو كان استحقاقه عدلاً ومساواة؟
لو أنني أكتب هذا المقال منذ عشر سنوات، لما أخذت لحظة تفكير في الواقع. كنت لأخبركم أنه إذا كان السكوت من فضة فالكلام من ذهب، وأن ضرر الكلمة المكتومة يفوق منفعة آلاف الكلمات المطلقة مهما ساء ضرر المكتوم ومهما ارتفعت فائدة المسموح. أن تكتم كلمة فكأنك كتمت أنفاس الناس جميعاً، وأن تمنع رأياً فكأنك قتلت المبدأ في عقر داره وهددت البشرية كلها فيما يقيمها ويميزها: حرية الرأي والفكرة. إلا أنني اليوم ومع مرور الزمن ومتابعة وسائل التواصل والتعرض لأبشع جوانبه، بدأت أسائل وأتساءل: ترى، هل كلنا مستحقون فعلاً لمنصة وميكروفون؟ هل كلنا فاعلون حين نطلق آراءنا؟ وهل كل كلمة سيكون ضرر منعها أكبر من ضرر إطلاقها مثلما كنت دوماً أعتقد وأصدق؟
تقول المفرح إن «المفارقة أن هذه المساحات التي ولدت لتقريب البشر، صنعت بينهم مسافات جديدة. لم تعد الخلافات تدار بين أفراد يتبادلون الحجج، إنما بين هويات مغلقة، يحمل كل طرف تصوراً جاهزاً عن الطرف الآخر قبل أن يقرأ كلماته». ولطالما استشعرتُ هيمنة هذه الهويات على آرائي، وهو شعور يطال كل النساء وبصورة أكبر من الرجال في تصوري، ذلك أن الأنثوية، مبدئياً، تجعل إطلاق الرأي عموماً، وبعض الآراء على وجه التحديد، مذهباً من مذاهب الجرأة غير المحمودة، التي لا تراعي قيماً ولا تقاليد. ومن بعد الهوية الأنثوية، تتجلى الهويات الأخرى: العرق، الطائفة، الامتداد الأصولي، الطبقة الاجتماعية.. لتجعلني، كما أي آخر ينتمي لأقليات جنسية أو عرقية أو دينية، في مرمى السهام قبل حتى أن يعلق لوح النقاش الذي ترتسم عليه الأهداف.
في ذلك أتذكر من خلال تجربتي الشخصية، العديد من التعليقات المضحكة والمؤلمة في آن، على منصة «إكس» التي وصلتني ذات زمن في عارض نقاش موضوعات معينة. فحين كنت أناقش موضوع المشاركة أو المقاطعة الانتخابية في الكويت على سبيل المثال، وذلك قبل سنوات عدة، ساد تعليق «اسكتي يا العجوز» وهي الجملة التي يكررها الرجال كثيراً في عارض ردهم على صاحبات الرأي «غير المستحب». وفي حادثة طريفة أخرى، أتصور أن الحديث كان إبانها عن السياسة العراقية، وكان ذلك منذ سنوات عديدة كذلك، بادرني أحد المعلقين بقول ما معناه أن نعرف أصلك، لقد أتيت إلى هذه الديرة بلنج (أي بمركب). وبلا شك، في خضم أي تناول لموضوع العداء الإيراني على دول الخليج، تسبق الأحكام الكلام، ليكون الشك في كل رأي هو سيد الموقف، ولأطالَب أحياناً علانية وبشكل مباشر إثبات ولائي وانتمائي، ليس عبر نقد الموقف الإيراني ولا حتى ذمه، ولكن عبر الشتم المباشر والعنيف. وبالتأكيد، لا يمكن إغفال أن أي تحرك كتابي نسوي عبر وسائل التواصل يقابله شتم ذكوري سيكوباتي لا علاقة له بالموضوع محل النقاش مطلقاً، قدح وذم يتناولان الشكل والعمر وبالطبع الشرف، المادة الأقوى والأكثر تأثيراً حين يكون الهدف المقابل هو امرأة.
تقول المفرح في مقالها: «أخشى أن الأجيال الجديدة تتعلم هذا النموذج كل يوم. ترى أن الفوز في النقاش يتحقق بالسخرية، أو بالعبارة القاسية، أو بعدد المؤيدين، بينما تغيب عنها متعة التفكير الهادئ، ومتعة الاعتراف أن الطرف الآخر قد يمتلك جزءاً من الحقيقة». ولطالما كتبتُ في السابق تخوفاً، على إثر هذا النهج العنيف، من قالب «البطل الجديد» الذي صنعته وسائل التواصل، الذي هو بطل ليس له أي من صفات النبل والشهامة والأدب التي كانت للبطل «الكلاسيكي» القديم. ورغم تفهمي أن الدنيا تتغير، وتتغير معها معطياتها وأدوات التعامل معها، ورغم إيماني التام بالسخرية والنقد القاسي بل وأحياناً بالعنف الكلامي إلى درجة كأساليب نقاش وتوعية وتعامل مع معضلات الحياة، لكن الخشية تكمن في أن وسائل التواصل، بتمكينها للجميع من منصة رأي مفتوحة تماماً، وبإعادة تعريفها للصوت الذي يستحق الشهرة والاستماع له، وبانجذابها المرضي للصراخ والعنف اللفظي وقبح التعبير والتصوير، أخشى أنها من خلال كل ذلك قد أعادت تشكيل صورة البطل من ذلك الجاد الشهم قوي الشكيمة عفيف اللسان، هذا الذي يفعل أكثر مما يقول، ويسعى بشجاعة وصدق للمواجهة والتغيير، إلى آخر متظاهِر، جبان، شقي الخلق، بذيء اللسان، آخر غيّر القيمة النضالية من تلك التي يضحي من خلالها الإنسان بكل شجاعة براحته وأمنه ليحقق التغيير، لآخر يقذف من أجلها الإنسان بكل جبن الآخرين بسوء الكلام من خلف شاشة زجاجية لا يتجرأ حتى أن يعرف عن اسمه الحقيقي من خلالها. وسائل التواصل غيرت «طبيعة» البطل، وأقنعته أنه كلما قسوت بالكلمات وتجرأت بالشتائم وبالغت بالصراخ، صعد نجمك وعلت شهرتك. وهكذا تشكل البطل الجديد، بطل من زجاج الشاشة التي يتخفى خلفها.
إن مكافحة هذا النهج الجديد لن تكون سهلة مطلقاً، فالبطل الجديد هو بطل لذيذ، مَثَل كلماته تجاه موضوع ما مثل «الشطة» التي توضع على الطعام، والتي تجعل الموضوع ملتهباً والحديث عنه مشوقاً. لكن هذا النهج يحبس المجتمع بأكمله في مكانه، يشغله تماماً باللهب المشتعل في مريئه عن هضم المادة المفيدة لجسده. ومع «الإيقاع السريع، والرغبة في الظهور، وخوارزميات المنصات التي تكافئ المحتوى المثير» على حد تعبير المفرح، سيكون الصراع ليس فقط مع بطل بذيء، ولكن مع آلة ضخمة حادة التروس، تصنع هذا البطل، وتعليه، وتهرس كل من يحاول مقاومته أو محاربة نهجه. لطالما كان تبني حرية الرأي تحدياً كبيراً لنا في مجتمعاتنا العربية المجبولة على السكوت والخوف، ولطالما كان انتهاج لغة الحوار الهادئ سلوكاً عسراً علينا نحن الشعوب المهزومة المضغوطة عميقة الغضب والفقد والأسى، فأن نطالب بالاثنتين -حرية رأي ولغة حوار هادئ- فذلك ما يشكل تحدياً كبيراً.
ورغم هذا كله، رغم الخوف من مستقبل سيمتلئ بأبطال من زجاج، ما زلت أستشعر حرارة الإيمان القديم، ما زال ضوؤه قادراً على أن يزيح عتمة المحيط القاسي، وما زالت الكلمة تتردد في الجوانح: إذا كان السكوت من فضة، فالكلام من ذهب.