حسب ميليباند، سيكون الحظر جزءًا من نظام عقوبات «شامل»، قد يمتد إلى شركات وأفراد يقدمون خدمات للبناء الاستيطاني. كما أن بريطانيا ستمنع الإعلان داخل أراضيها عن بيع عقارات في المستوطنات.
لندن ـ «القدس العربي»:بالنسبة لكثير من الفلسطينيين والعرب، ومعهم أيضًا شريحة من المرتبطين بفلسطين في العالم، فإن أصل المشكلة عندما يتعلق الأمر بهذه البلاد التي نُكبت بالاحتلال والاستيطان منذ نحو قرن وأكثر هو التاج البريطاني.
فوعد بلفور لا يزال حاضرًا في السردية الفلسطينية كلما تعلق الأمر بموقف حكومة صاحب الجلالة من أي تطور في الأرض المحتلة.
والوعد الذي «تعاطف» مع مشروع إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، مع حرصه على التوصية بعدم الانتقاص «من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين»، صدر عن قوة ستصبح فيما بعد دولة الانتداب التي ستسهّل المسار الذي أفضى إلى مأساة الشعب الفلسطيني المستمرة، وإنكار وجوده.
لذا، عندما تصدر حكومة آندي بيرنام قرارًا بفرض قيود على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، بعد نحو عام على اعترافها النظري بدولة فلسطين، فضلًا عن وصفها استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967 بغير القانوني، (من دون تجريمه)، فإنها من دون شك خطوة مهمة كما يراها مؤيدون كثر لفلسطين في المملكة المتحدة.
فهل هي نقطة تحول بريطانية فعلًا؟
خلال الأسبوع المنصرم، أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند هذا التغيير في سياسة حكومة حزب العمال تجاه الاحتلال والمستوطنات الإسرائيلية، بعد ضغوط مزمنة من داخل حزبه وخارجه.
وتمثل العنصر الأبرز في إعلانه، بحظر سيفرض على استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وحسب ميليباند، سيكون الحظر جزءًا من نظام عقوبات «شامل»، قد يمتد إلى شركات وأفراد يقدمون خدمات للبناء الاستيطاني. كما أن بريطانيا ستمنع الإعلان داخل أراضيها عن بيع عقارات في المستوطنات.
ويشمل إعلان ميليباند وقرارات الحكومة كذلك عنصرًا أكثر أهمية، فقد صرحت الحكومة بأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وأن هذا الاستنتاج يجب ألا يبقى موقفًا دبلوماسيًا مجردًا، بل ينبغي أن ينعكس على «العلاقات الاقتصادية» مع الأراضي المحتلة.
ووعد ميليباند، بألا تستهدف العقوبات التجارة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر، أي حدود هدنة عام 1948، كما أعلن رفضه حركة المقاطعة.
وفي اليوم نفسه، وفي خطوة منسقة، صدر بيان مشترك عن 12 دولة، وزعته الحكومة البريطانية، شمل إضافة إلى المملكة المتحدة كلًا من كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد.
أدانت هذه الدول التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين وحذرت من تقويض حل الدولتين، فضلًا عن إعلان عزمها على فرض أو دعم قيود على تجارة سلع المستوطنات.
وتعهدت بريطانيا وفرنسا وكندا في بيان آخر صادر عن زعمائها بإجراءات وطنية، وطالبت إسرائيل بوقف الاستيطان ومحاسبة المسؤولين عن العنف.
وكان الحافز الأكبر لهذه الدول لتنسيق قراراتها مشروع «E1» الاستيطاني الذي أعلنت عنه حكومة بنيامين نتنياهو، وعدته بريطانيا تهديدًا مباشرًا لإمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، في إشارة إلى الفصل بين الضفة الغربية والقدس الشرقية الخاضعة أيضًا للاحتلال، والتي ضمتها إسرائيل عام 1980، خلافا للقانون الدولي.
وإذا كانت بريطانيا اتخذت هذه القرارات، فهي لم تكن السباقة إليها. بل سبقتها دول أوروبية، أبرزها إسبانيا وأيرلندا، بإجراءات تحظر أو تقيد استيراد سلع المستوطنات، بينما شرعت هولندا والنرويج وبلجيكا في إجراءات وطنية مماثلة بدرجات مختلفة.
مع ذلك فإن بريطانيا تشدّدت فيما يتعلق بنوعية ونطاق هذه القيود، والسعي إلى بناء إطار قانوني يجعل المشاركة الاقتصادية في التوسع الاستيطاني برمته هدفًا للعقوبات.
فميليباند قال إن النظام المقترح لن يتوقف عند السلع، بل سيستهدف أشخاصًا وشركات تقدم التمويل، أو الإنشاءات، أو البنية التحتية، أو الخدمات العقارية للمستوطنات.
وهذه نقطة أثارت قلقًا إسرائيليًا، لأن السلع الآتية من المستوطنات تمثل جزءًا صغيرًا نسبيًا من التجارة مع إسرائيل.
لكن إدراج المؤسسات المالية والمقاولين العقاريين وشركات الخدمات المشاركة في التوسع الاستيطاني قد يدفع شركات كثيرة إلى مراجعة حساباتها.
ونقلت القناة 12 في تقرير عن رجال أعمال ومسؤولين في القطاع الصناعي خشيتهم من أن تكون العقوبات على المستوطنات بداية لمسار أوسع، بسبب صعوبة الفصل الكامل بين اقتصاد المستوطنات وسلاسل الإنتاج والتمويل الإسرائيلية.
مسار طويل للتطبيق
وتحتاج قرارات الحكومة البريطانية الجديدة إلى وقت لتطبيقها.
فقد أعلم ميليباند مجلس العموم البريطاني أن النظام الجديد سيكون جاهزًا خلال ستة إلى تسعة أشهر. وهذا يعني أن بعض القرارات ستكون نافذة من اليوم الأول، لكن الحزمة الأوسع تحتاج إلى وقت، وهو تحديدًا ما أثار حفيظة بعض مؤيدي فلسطين.
وقالت إيلي تشاونز، زعيمة كتلة حزب الخضر في مجلس العموم والمتحدثة باسمه للشؤون الخارجية، – وهي انتقدت هذا التأخير – إن الحظر «خطوة حاسمة ومتأخرة»، لكنه غير كاف، مطالبة بعقوبات أوسع وحظر شامل للأسلحة وإنهاء التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل.
الأمر نفسه أكده بيتر لاري، نائب مدير «حملة التضامن مع فلسطين»، لـ»القدس العربي» هذا الأسبوع، بقوله إن الحكومة تستطيع التحرك سريعًا في ملفات تملك فيها صلاحيات قائمة، مثل وقف تراخيص أسلحة مرتبطة باستمرار الاحتلال وفرض عقوبات على مستوطنين وجهات داعمة لهم، بينما يتطلب حظر الواردات من المستوطنات إنشاء أساس قانوني أشمل يحدد نطاق المنع وآليات تنفيذه.
وتناولت صحيفة «الغارديان»، المسار الذي يمكن أن يأخذه تطبيق القرار والقاعدة القانونية التي يستند إليها.
فالصحيفة تذكّر بأن بريطانيا تملك أصلًا آليات لتمييز منتجات المستوطنات عن السلع الإسرائيلية لأغراض الجمارك ووضع العلامات.
وتنقل عن جيس ستوبر، المديرة القانونية في مركز «غلوبال إيكو للتقاضي»، أن الجمارك البريطانية تميّز منذ سنوات بين منتجات إسرائيل والمستوطنات. والجديد أن الحظر سيغيّر آلية المحاسبة من دفع رسوم إضافية عند اكتشاف المنشأ إلى إعادة البضائع وفرض غرامات وعقوبات محتملة على أطراف سلسلة التوريد، ما يجعل تجارة منتجات المستوطنات أقل جدوى اقتصاديًا، ويضع المسؤولية على المستورد البريطاني.
وأعلنت بريطانيا أيضًا أنها سترفض تراخيص صادرات الأسلحة وغيرها من السلع التي «تساهم ماديًا» في استمرار الاحتلال، وهي خطوة تمتلك فيها الحكومة صلاحية التقدير من دون ان يتحول هذا على تشريع ملزم.
ماذا عن الجمعيات «الخيرية»؟
لكن دعم النشاط الاستيطاني لا يقف عند حدود التجارة، أو السلاح.
توجد مجالات عدة بقيت غامضة في إعلان الحكومة البريطانية، من بينها ملف الجمعيات الخيرية.
ومع أن ميليباند لم يتطرق إليها مباشرة في إعلانه الأخير، فهي جزء من مسار قانوني بدأ بالفعل قبل ذلك بأشهر.
ففي حزيران/يونيو الماضي، قال ميليباند إنه وجّه، بالتعاون مع وزيرة الثقافة، رسالة إلى هيئة الجمعيات الخيرية، طالب فيها بالتحقيق في أدلة تتعلق بجمعيات بريطانية لها صلات بالمستوطنات الإسرائيلية.
وفي 5 آب/أغسطس فتحت الهيئة بالفعل تحقيقًا قانونيًا جماعيًا يبدأ بثماني جمعيات خيرية، ويدقق في حجم الأموال أو الموارد التي صرفتها داخل المستوطنات، والأغراض التي صُرفت من أجلها، وما إذا كان ذلك ينسجم مع الأغراض الخيرية المسجلة لكل مؤسسة.
وهذا المسار ليس جديدًا، بل جاء نتاج مطالبات سابقة بحرمان المؤسسات التي تتعامل مع المستوطنات من صفتها الخيرية.
وكان متحدث باسم هيئة الجمعيات الخيرية قد قال لـ»القدس العربي» في تصريح مكتوب في أيلول/سبتمبر من العام الماضي، وفي معرض الرد على أسئلة بشأن تحويل تبرعات بريطانية إلى مدرسة في مستوطنة سوسيا في الضفة المحتلة، إن عمل جمعية خيرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يشكل في حد ذاته جريمة أو خرقًا لقانون الجمعيات الخيرية، ما دام النشاط متوافقًا مع غرضها الخيري وقانونيًا ويصب في مصلحتها.
والسؤال هو: هل ستغيّر السياسة البريطانية الجديدة المعايير التي تطبقها هيئة تنظيم الجمعيات الخيرية؟
حتى الآن الجواب غير محسوم، لكن ميليباند أكد في حزيران/يونيو ضرورة عدم استخدام العمل الخيري لدعم أو تسهيل انتهاكات القانون الدولي.
غير أن إشارته في إعلانه الأخير إلى «استثناءات دينية ملائمة» من دون تحديد نطاقها قد تفتح باب الاجتهاد أمام استثناء جمعيات لا تزال تستفيد من أموال دافعي الضرائب في بريطانيا وتعمل تحت ستار جمعيات خيرية، لكنها تسهم في المنظومة الاستيطانية بشكل أو بآخر.
وفي تحقيق تلفزيوني بُث أخيرًا، يعطي المؤرخ إيلان بابيه مثالًا على الجمعيات التي تستفيد من حماية قانونية بصفتها جمعية خيرية، وهي الصندوق القومي اليهودي الذي يُقدَّم في بريطانيا كجهة بيئية، بينما يعدّه بابيه أداة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
وبرأي بابيه، فإن السلطات البريطانية تدرك طبيعة بعض الجهات التي تدعم أنشطة إسرائيلية، لكنها تغض الطرف عن مخالفات محتملة تتعلق بالتمويل والدعاية وحتى التجنيد بسبب العلاقة مع إسرائيل.
وكانت تقارير نشرتها الصحافة البريطانية تحدثت عن 32 جمعية بريطانية وتحويلات لا تقل عن 28 مليون جنيه إسترليني إلى جهات أو مشروعات مرتبطة بالمستوطنات.
أما بعد قرارات أيلول/سبتمبر، فربما تصبح المسألة أكثر تعقيدا، لأن النظام الجديد سيستهدف الجهات التي تموّل أو تسهّل التوسع الاستيطاني.
الرد الإسرائيلي
وكان رد حكومة بنيامين نتنياهو عنيفًا، كما توقعت الحكومة البريطانية، حسب تصريحات ميليباند لإذاعة «بي بي سي 4».
فقد بادرت إلى إعلان إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية المحتلة، وهي البعثة التي تؤدي دورًا مركزيًا في العلاقات البريطانية مع الفلسطينيين، إلى جانب إبعاد مسؤولين بريطانيين عن ترتيبات تنسيق مرتبطة بغزة، ووقف دور بريطاني في تدريب قوات أمن السلطة الفلسطينية، ومنع مجموعة من النواب البريطانيين من دخول إسرائيل.
وتخشى إسرائيل أن تكون أضرار الخطوة البريطانية أوسع من الضرر التجاري الفوري. فالأشدّ وقعا هو السابقة التي تمثلها: أن تتبنى بريطانيا، وكذلك فرنسا وكندا ودول أخرى، مبدأ أن التعامل الاقتصادي مع المستوطنات ليس مجرد قضية سياسية، بل مصدر مسؤولية قانونية وعقوبات.
الموقف الأمريكي: رمادي
والمقلق أيضا لحكومة بنيامين نتنياهو هو الموقف الأمريكي.
فواشنطن التزمت شبه حياد تجاه الخطوة البريطانية، وهو ليس معهودا من هذه الإدارة. واكتفى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بالقول إن الولايات المتحدة لن تتبع المسار البريطاني، محذرًا في الوقت نفسه من أن الخطوة قد تكون لها انعكاسات على الجهود الأمريكية المتعلقة بغزة وخطة السلام.
وكشف موقع «أكسيوس» لاحقًا أن رئيس الوزراء بيرنام أخبر الرئيس دونالد ترامب مسبقًا بالتحرك، وأن إدارة ترامب اختارت ألا تعارض المبادرة البريطانية علنًا، كما ذكر أن البيت الأبيض نأى بنفسه عن بعض تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، الذي كان أكثر هجومية وحذر من «تداعيات كبيرة».
أما الفلسطينيون فرحبوا بالقرار. وقال السفير الفلسطيني في لندن الدكتور حسام زملط إن القرار «متأخر جدًا»، لكنه وصفه في الوقت نفسه بأنه «نقطة تحول في العلاقات البريطانية -الفلسطينية»، وقال إن بريطانيا بدأت الانتقال «من الإدانة إلى العواقب، ومن الكلمات إلى الأفعال».
ورحبت «حملة التضامن مع فلسطين» بالقرارات، مع أنها قالت إنها «متأخرة ولا تزال غير كافية»، وطالبت بعقوبات أوسع وحظر كامل للسلاح.
وتصر الحملة على مواصلة الضغط بالتزامن مع مؤتمر مرتقب لحزب العمال في السادس والعشرين من هذا الشهر في ليفربول، حيث ستنظم تظاهرة تدعو إلى تشديد الإجراءات.
ولم تقتصر الضغوط على مؤيدي فلسطين من الجمعيات الأهلية والنواب. فالشهر الماضي دعت رسالة وقّعها 102 من الدبلوماسيين البريطانيين والفرنسيين السابقين إلى محاسبة إسرائيل، وحظر التجارة مع المستوطنات وتعليق التعاون العسكري والتجاري.
وقال أحد موقعي الرسالة، السفير البريطاني السابق نيكولاس هوبتون، لـ»القدس العربي» إن مشروع الاستيطان في منطقة «E1» قد يجعل قيام دولة فلسطينية شبه غير واقعي، ورأى أن الرسالة تعكس شعورًا بأن اللحظة الراهنة حاسمة، وأن الاكتفاء بالمواقف السياسية لم يعد كافيًا.
كما أن الحكومة تستند في قراراتها إلى قاعدة شعبية كبيرة وغير مسبوقة، أظهرتها فاستطلاعات الرأي وآخرها استطلاع حديث لـ»يوغوف»، أظهر أن 52 في المئة يؤيدون قرار حظر واردات المستوطنات مقابل 17 في المئة عارضوه، فيما لم يحدد نحو الثلث موقفًا.
إلا أن في بريطانيا أصوات معارضة لقرارات الحكومة.
ويرى هؤلاء أن حكومة بيرنام تخاطر بعلاقة أمنية ودبلوماسية مهمة مع إسرائيل من أجل خطوة قد يكون أثرها الاقتصادي محدودًا، ويحذرون من أن الفصل الاقتصادي بين المستوطنات وإسرائيل قد يكون أصعب عمليًا مما تقوله الحكومة، وأن القيود يمكن أن تتوسع تدريجيًا.
وعارض المحافظون الإجراءات، ووصفت زعيمتهم كيمي بادينوك العقوبات بأنها سياسة استعراضية تضر بالعلاقات الأمنية مع إسرائيل وتستهدف إرضاء نشطاء حزب العمال.
أما نايجل فراج، زعيم حزب «الإصلاح» اليميني، فرفض نهج حكومة العمال، وبادر إلى الاتصال بوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ليؤكد له أن حكومة يقودها حزبه ستعمل على التراجع عن «الضرر» الذي ألحقته سياسات العمال بالعلاقات البريطانية – الإسرائيلية، في إشارة إلى الإجراءات الجديدة ضد المستوطنات.