برك سليمان في بيت لحم في مواجهة الاستيطان والتهويد


الضفة الغربية – «القدس العربي»: أعادت الاقتحامات المتكررة التي ينفذها مستوطنون إسرائيليون في منطقة برك سليمان الأثرية جنوب مدينة بيت لحم، إلى جانب تصريحات أطلقها وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش خلال زيارته للموقع، المخاوف الفلسطينية من مخطط يستهدف فرض السيطرة الإسرائيلية على أحد أبرز المعالم التاريخية والسياحية في الضفة الغربية.
ويأتي هذا في إطار سياسة يراها مختصون جزءاً من مشروع أوسع لتوظيف المواقع الأثرية الفلسطينية لخدمة التوسع الاستيطاني وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وتقع برك سليمان بين بلدتي الخضر وأرطاس جنوب بيت لحم، وعلى مقربة مباشرة من مستوطنة «إفرات» ومجمع مستوطنات «غوش عتصيون»، ما جعلها خلال السنوات الأخيرة في قلب الاستهداف والاستيطان.
ويتكون الموقع من ثلاث برك مائية تاريخية ضخمة ارتبطت عبر قرون طويلة بمنظومة نقل المياه إلى القدس وبيت لحم، فيما تحيط بها عشرات المواقع الأثرية والمسارات التاريخية التي تعود إلى فترات كنعانية ورومانية وإسلامية وعثمانية.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة اقتحامات المستوطنين للمنطقة بحماية قوات الاحتلال، فيما رافقت تلك الاقتحامات دعوات إسرائيلية متزايدة لإخضاع الموقع لسيطرة إسرائيلية مباشرة، وأثار ظهور سموتريتش في الموقع وما تبعه من تصريحات حول ضرورة تغيير الواقع القائم في المنطقة موجة استنكار فلسطينية واسعة، وسط تحذيرات من أن برك سليمان باتت هدفاً مباشراً للمشروع الاستيطاني المحيط.
ويرى الباحث في شؤون الاستيطان حسن بريجية أن ما يجري في برك سليمان يتجاوز مجرد اقتحامات متفرقة، ويدخل في إطار ما وصفه بسياسة «الاستيطان السياحي»، التي تستهدف المواقع الأثرية الفلسطينية وتحولها إلى أدوات لتعزيز السيطرة الاستيطانية على الأرض.
وقال بريجية لـ»القدس العربي» إن الاحتلال يحاول السيطرة على برك سليمان عبر بوابة الآثار والسياحة، رغم أن الموقع يتمتع بوضع قانوني واضح باعتباره منطقة أثرية محمية وفق الاتفاقيات الدولية. وأضاف أن البرك تمثل إرثاً حضارياً تعاقبت عليه الحضارات الكنعانية والرومانية والإسلامية والعثمانية، ما يجعلها جزءاً أصيلاً من الذاكرة التاريخية الفلسطينية.
وأوضح أن اتفاقيات لاهاي وجنيف تلزم قوة الاحتلال بالحفاظ على المواقع الأثرية الواقعة تحت الاحتلال لا الاستيلاء عليها أو تغيير طابعها، مشيراً إلى أن المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لا تمنح الاحتلال أي حق في استملاك الأراضي أو ضمها.
وأضاف بريجية أن القضية لم تعد قضية أثرية فقط، بل أصبحت قضية وطنية مرتبطة بحماية الذاكرة الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني في المنطقة، داعياً إلى تشكيل لجنة وطنية تضم الجهات الرسمية والمؤسسات الأهلية والحقوقية لمتابعة الانتهاكات التي يتعرض لها الموقع والدفاع عنه قانونياً وسياسياً.
وحذر من أن أهمية برك سليمان بالنسبة للمشروع الاستيطاني لا ترتبط بقيمتها التاريخية فقط، وإنما بموقعها الجغرافي أيضاً، إذ تقع في منطقة تشكل حلقة وصل بين عدد من المستوطنات المقامة جنوب بيت لحم، وهو ما يجعلها ذات أهمية خاصة بالنسبة للمخططات الاحتلالية التي تهدف إلى تعزيز التواصل الجغرافي بين الكتل الاستيطانية المحيطة.
من جهته، يؤكد رئيس مجلس قروي أرطاس خالد ربايعة أن برك سليمان تمثل أحد أهم المواقع التاريخية والسياحية في محافظة بيت لحم، كما تشكل المتنفس الطبيعي الأبرز لسكان المنطقة.
ويقول لـ»القدس العربي» إن الموقع يضم منظومة أثرية متكاملة تشمل البرك التاريخية وقنوات المياه والمعالم المرتبطة بها، فضلاً عن مرافق سياحية وثقافية جعلت منه وجهة للزوار الفلسطينيين من مختلف المحافظات.
ويضيف أن المنطقة تمتلك إمكانات كبيرة في مجال السياحة والاقتصاد المحلي، وأن أي اعتداء عليها لا يستهدف موقعاً أثرياً فحسب، بل يستهدف مورداً تنموياً وسياحياً مهماً لأهالي المنطقة.
وحول الاقتحامات المتكررة، أشار ربايعة إلى أن المستوطنين باتوا ينفذون اقتحامات شبه يومية للمنطقة، وسط محاولات لفرض واقع جديد على الأرض وتغيير هويتها التاريخية الفلسطينية، وقال إن هذه الممارسات تمثل خطراً حقيقياً على الموقع وعلى حق الفلسطينيين في الوصول إليه والاستفادة منه.
ودعا إلى تحرك متكامل على المستويات القانونية والسياسية والإعلامية، مؤكداً الحاجة إلى تدخل المؤسسات الدولية والعمل على إدراج الموقع ضمن قوائم الحماية والتراث العالمي، بما يضمن حمايته من محاولات السيطرة والتهويد.
ورغم هذه التهديدات، شهدت برك سليمان خلال أيام عيد الأضحى المبارك حضوراً فلسطينياً واسعاً، حيث توافدت مئات العائلات والزوار إلى المنطقة في مشهد رأى فيه كثيرون رسالة واضحة تؤكد التمسك بالمكان ورفض محاولات السيطرة عليه.
وحسب ربايعة، فإن الحضور الشعبي في الموقع لا يقتصر على الأعياد والمناسبات، بل يمثل حالة دائمة على مدار العام، خاصة خلال عطلات نهاية الأسبوع، حيث تتحول البرك ومحيطها إلى وجهة للعائلات والرحلات المدرسية والزوار، ويقول إن الوجود الفلسطيني المستمر في المنطقة يشكل أحد أهم عناصر حمايتها، مضيفاً أن الحضور الشعبي هو خط الدفاع الأول عن الموقع، لأنه يؤكد عملياً أن هذه الأرض جزء من الحياة اليومية للفلسطينيين.
وفي مقابلة مع «القدس العربي»، أكد مدير مركز أرطاس للتراث الشعبي، فادي سند، أن استهداف برك سليمان يأتي ضمن سياق أوسع يطال عدداً من المواقع التاريخية المحيطة ببلدة أرطاس، وأوضح أن مركز أرطاس للتراث الشعبي، الذي تأسس عام 1993، عمل على مدار عقود على توثيق تاريخ المنطقة وتنظيم مسارات ثقافية وسياحية تربط برك سليمان بأرطاس وجبل الفرديس، بهدف الحفاظ على الهوية التاريخية الفلسطينية وتعزيز ارتباط المجتمع المحلي بهذه المواقع.
وأشار إلى أن المنطقة تضم عدداً من المواقع التي تعرضت خلال السنوات الماضية لمحاولات استيلاء أو تقييد وصول الفلسطينيين إليها، من بينها مدينة إيتام الكنعانية، ونفق قناة السبيل التاريخي، وعين القسيس، إلى جانب مناطق أثرية أخرى باتت محاطة بالتوسع الاستيطاني.
وقال سند إن اقتحامات المستوطنين لبرك سليمان ليست جديدة، بل تتكرر منذ سنوات، إلا أن ما يجري حالياً يعكس محاولة أكثر وضوحاً لفرض السيطرة على الموقع وربطه بالمشروع الاستيطاني المحيط.
وأضاف أن المخاوف لا تتعلق فقط بالسيطرة على الأرض، بل تمتد إلى إدارة الموقع وروايته التاريخية ومستقبله الثقافي، محذراً من محاولات فرض واقع مشابه لما حدث في مواقع أخرى خضعت لإجراءات إسرائيلية انتهت بفرض قيود على الوجود الفلسطيني فيها.
وأشار إلى أن هناك مخاوف متزايدة من الوصول إلى مرحلة يتم فيها فرض تقسيم زماني ومكاني للموقع، بما يحد من وصول الفلسطينيين إليه ويمنح المستوطنين حضوراً دائماً فيه تحت ذرائع دينية أو أثرية.
وأكد سند أن برك سليمان ليست مجرد موقع أثري جامد، بل فضاء حي يرتبط بالناس والطبيعة والحياة اليومية، وهو ما يفسر استمرار تدفق الزوار إليه رغم الظروف السياسية والأمنية المحيطة، وقال: «الناس موجودة في برك سليمان قبل العيد وبعده، صحيح أن عيد الأضحى شهد حضوراً لافتاً، لكن الموقع يشهد حركة دائمة للزوار، خاصة أيام الجمعة والسبت، هذا المكان جزء من الذاكرة الجمعية للفلسطينيين».
ورأى أن الحضور الواسع للعائلات الفلسطينية خلال عيد الأضحى حمل رسالة وطنية بقدر ما كان نشاطاً اجتماعياً وسياحياً، إذ جاء في وقت تصاعدت فيه الاقتحامات والتصريحات الإسرائيلية المتعلقة بالموقع، وأضاف أن الحضور الشعبي في المناطق التاريخية والأثرية يشكل أحد أشكال حماية التراث والدفاع عن الرواية الفلسطينية، داعياً المؤسسات الثقافية والتعليمية والشبابية إلى تكثيف أنشطتها في المنطقة وتنظيم مزيد من الفعاليات والمسارات السياحية فيها.
وفي ظل تصاعد الاقتحامات والتصريحات الإسرائيلية، تتزايد الدعوات الفلسطينية إلى تحرك رسمي ودولي أوسع لحماية برك سليمان، سواء عبر المؤسسات الدولية المعنية بالتراث والثقافة أو من خلال تعزيز الوجود الفلسطيني فيها.
كما يدعو الفلسطينيون إلى ضرورة تسجيل الموقع على قائمة التراث العالمي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، باعتبار أن هذا التصنيف يشكل خطوة أساسية في حماية الموقع من أي محاولات تغيير أو استهداف، ويعزز من حضوره كمعلم تاريخي فلسطيني ذي قيمة حضارية وإنسانية ممتدة عبر العصور، بما يضمن صون هويته الأصلية ومنع أي محاولات لفرض وقائع جديدة عليه.
وبينما يواصل المستوطنون محاولاتهم لفرض وقائع جديدة على الأرض، يتمسك أهالي أرطاس وبيت لحم ببرك سليمان باعتبارها جزءاً أصيلاً من تاريخهم وهويتهم الوطنية، وفضاءً حياً لا ينفصل عن الذاكرة الجماعية الفلسطينية، فبالنسبة لهم، لا تمثل البرك مجرد معلم أثري أو مقصد سياحي، بل شاهداً حياً على استمرار الوجود الفلسطيني في المكان، ورسالة صمود متــــجددة في مواجــهة محاولات طمس الهوية أو تغيير مــــعالمها، بما يؤكد أن بقاء المكان مرتبط ببقاء أهله وحضورهم فيه.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *