برك سليمان… عبقرية هندسية تحفظ ذاكرة الماء في فلسطين



إسماعيل عبدالهادي

على بعد نحو ثلاثة كيلومترات إلى الجنوب الغربي من مدينة بيت لحم وبين تلال بلدة أرطاس، تقف برك سليمان شامخة منذ أكثر من ألفي عام، شاهدة على واحدة من أعظم المنظومات المائية التي عرفها الشرق القديم، لم تكن هذه البرك مجرد خزانات للمياه، بل مثلت شريان الحياة الذي غذى القدس وبيت لحم والمناطق المحيطة بالمياه، وذلك عبر شبكة هندسية معقدة، اعتمدت على الانحدار الطبيعي للأرض، بدون الحاجة إلى أي وسائل ضخ أو تقنيات ميكانيكية.
يرتبط اسم برك سليمان في الذاكرة الشعبية بالنبي سليمان عليه السلام، الذي اشتهر في التراث بالحكمة والعمران، إلا أن الدراسات الأثرية لا تقدم دليلا مباشرا على أن البرك شيدت في عهده، بل تشير إلى أن المرحلة الأولى من إنشائها تعود إلى العصر الهلنستي وأواخر القرن الأول قبل الميلاد، بينما شهدت البرك عمليات توسعة وترميم خلال العصور الرومانية والمملوكية والعثمانية، ويذهب عدد من الباحثين إلى أن التسمية الحالية قد تكون ارتبطت أيضا بالسلطان العثماني سليمان القانوني، الذي أولى شبكة المياه اهتماما كبيرا وأمر بترميمها في القرن السادس عشر.
وتتكون برك سليمان من ثلاث برك ضخمة متدرجة في الارتفاع، بحيث تنتقل المياه من البركة العليا إلى الوسطى ثم إلى السفلى بصورة طبيعية، وقد بنيت أجزاء كبيرة منها داخل الصخور الصلبة، بينما شيدت جدرانها الضخمة بالحجارة المنحوتة بعناية فائقة، في إنجاز هندسي يعكس مستوى متقدما من المعرفة بالبناء والهيدرولوجيا، حيث أن المياه تتجمع من الينابيع الطبيعية والأمطار، ثم تنقل عبر قنوات حجرية وفخارية تمتد لمسافة تقارب 22 كيلومترا وصولا إلى القدس، مستفيدة من فروق الارتفاع الدقيقة التي حافظت على انسياب المياه بالجاذبية وحدها.
لم تقتصر وظيفة البرك على توفير مياه الشرب، بل لعبت دورا محوريا في استقرار المدن المحيطة ونموها الاقتصادي والعمراني، فقد اعتمدت القدس على مياهها لقرون طويلة، كما استفادت منها بيت لحم وحصن هيرودس المعروف اليوم بجبل الفرديس، وخلال العصر المملوكي، خضعت البرك والقنوات لعمليات ترميم واسعة، ثم جاء العثمانيون ليواصلوا صيانتها ويطوروا شبكة توزيع المياه، كما فرضت الدولة العثمانية حماية خاصة للقنوات، وألزمت القرى الواقعة على امتدادها بالمحافظة عليها، لما تمثله من مرفق حيوي للدولة والسكان.
وتتعرض برك سليمان منذ سنوات لمحاولات إسرائيلية متكررة للسيطرة عليها، وتحريف الرواية ونسبها إلى إسرائيل، ويندرج ذلك ضمن سياسة السيطرة الإسرائيلية المستمرة على المواقع الأثرية في الضفة الغربية، حيث تستمر اقتحامات المستوطنين والمسؤولين الإسرائيليين لهذه البرك، وإغلاق المنطقة أمام الزوار الفلسطينيين، ووفق وزارة السياحة الفلسطينية، أُنشئ النظام المائي في الجهة العليا من وادي أرطاس ببناء بركتين، وتطور في الفترات الإسلامية ببناء البركة الثالثة الكبيرة في عهد السلطان المملوكي الملك الظاهر خوشقدم عام 1460، ويشكل النظام الذي كان يغذي مدينة القدس على بعد 20كيلومترا شمالا من الفترة الرومانية المبكرة وحتى الفترة الانتدابية، نظاما فريدا من نوعه، نظرا للمسافة الطويلة التي كانت تسير فيها المياه سواء الواردة إلى البرك أو الخارجة منها باتجاه القدس، حيث بلغت المسافة حوالي 44 كيلومتراً، وفي 25 مايو/أيار الماضي، دانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية اقتحام وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش برك سليمان، وتهديده بضمها لإسرائيل، مؤكدة أنها أوقاف إسلامية خالصة، ومسجلة تاريخيا وقانونيا لوزارة الأوقاف الفلسطينية.
إلى جوار البرك، تنتصب قلعة تاريخية تعرف باسم قلعة مراد، أنشئت في أوائل القرن السابع عشر لحماية البرك والقناة المائية، إضافة إلى تأمين الطريق التجاري الواصل بين القدس والخليل، وتحولت القلعة مع مرور الزمن إلى معلم أثري يحتضن اليوم متحفا يعرض آلاف السنين من تاريخ المنطقة، ويستقبل الزوار والباحثين والمهتمين بالتراث الفلسطيني. وما يثير إعجاب المهندسين حتى اليوم، هو الدقة المتناهية في تصميم البرك والقنوات، فقد راعى البناؤون القدماء فروق الارتفاع بمقادير بسيطة للغاية، تكفل استمرار تدفق المياه لمسافات طويلة دون انقطاع، كما استخدمت أنفاق وقنوات ملتوية لتجاوز التضاريس الجبلية، وهو ما جعل طول القناة الفعلي يزيد كثيرا على المسافة المستقيمة بين البرك والقدس، ويعد هذا النظام من أبرز الأمثلة على هندسة المياه في العالم القديم، ويقارن في أهميته بعدد من أشهر المشاريع المائية التاريخية في حوض البحر المتوسط.
ولا تقتصر قيمة برك سليمان على كونها منشأة مائية، بل تمثل جزءا من الهوية الثقافية والتراثية الفلسطينية، وتظهر المستوى المتقدم الذي بلغته تقنيات إدارة المياه في العصور القديمة، كما أنها تعد سجلا حيا للتاريخ العمراني والهندسي في المنطقة، ولا تزال الجهود مستمرة للحفاظ عليها وصيانتها، باعتبارها من أهم المعالم الأثرية في فلسطين. وشهدت البرك خلال القرن العشرين تراجعا في دورها بعد إدخال شبكات المياه الحديثة، كما تعرضت لفترات من الإهمال، أبرزها بعد تجفيفها في أواخر التسعينيات، الأمر الذي أثر في البيئة المحيطة بها، لكن جهود الترميم وإعادة التأهيل، أعادت الحياة إلى الموقع، ليصبح مقصدا سياحيا وثقافيا ومكانا لإقامة الفعاليات والأنشطة التراثية، مع استمرار المطالبة بحماية الموقع من الأخطار التي تهدد طابعها التاريخي، فهي شاهد على تعاقب الحضارات، من الهلنستية والرومانية إلى المملوكية والعثمانية، دون أن تفقد مكانتها بوصفها رمزا للإبداع الهندسي والتراث الحضاري. واليوم، يقف الزائر أمام هذه البرك الضخمة ليدرك أن الحضارات لا تقاس بما شيدته من قصور فحسب، بل بما تركته من مشاريع خدمة الإنسان لقرون طويلة، وبين حجارتها العتيقة ومياهها الهادئة، تظل برك سليمان صفحة مفتوحة من تاريخ فلسطين، تروي للأجيال قصة الماء الذي صنع الحضارة، والهندسة التي سبقت زمانها، والإرث الذي لا يزال يقاوم عوامل الزمن والتغير.
في سياق ذلك يقول أستاذ التاريخ المعاصر الدكتور عبد القادر حماد، تعد برك سليمان من أبرز المعالم التاريخية والهندسية في فلسطين، وتقع جنوب غرب مدينة بيت لحم بالقرب من قرية أرطاس، وقد اشتهرت عبر التاريخ بوصفها جزءا من نظام مائي متطور كان يزود القدس وبيت لحم والمناطق المجاورة بالمياه، ما جعلها شاهدا على التطور الهندسي والحضاري الذي عرفته المنطقة منذ أكثر من ألفي عام.
وأضاف لـ«القدس العربي»، أن قيمة برك سليمان لا تقتصر على كونها منشأة مائية، بل تمثل جزءا من الهوية الثقافية والتراثية الفلسطينية، وتظهر المستوى المتقدم الذي بلغته تقنيات إدارة المياه في العصور القديمة، كما أنها تعد سجلا حيا للتاريخ العمراني والهندسي في المنطقة، ولا تزال الجهود مستمرة للحفاظ عليها وصيانتها باعتبارها من أهم المعالم الأثرية في فلسطين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *