نموذج لصاروخ “يلدريم خان” في معرض ساها 2026 الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء. (الأناضول)
لندن- “القدس العربي”:
بعدما أبدعت في الصناعة الحربية للطائرات المسيرة، تفاجئ تركيا العالم بصناعة صاروخ فرط صوتي عابر للقارات لتنضم إلى نادي الدول المصنعة لهذا السلاح والذي لأول مرة يكون ليس ناديا غربيا. ومن شأن هذا الصاروخ أن يحمل معه تأثيرات جيوسياسية غير مرتقبة إذا قررت أنقرة بيعه لدول عربية، وبدون شك ستتعرض لضغوطات أمريكية لعدم تسويقه.
وفي معرض “ساها” بمدينة إسطنبول الخاص بالصناعة الدفاعية والطيران والفضاء، قدمت تركيا الصاروخ “يلدريم خان” ويعني “سيد البرق” وهو متعدد المدى وسرعته ما بين 9 إلى 25 ماخ، أي أكثر من 11 ألف كلم في الساعة إلى قرابة 31 ألف كلم في الساعة. وهو بهذا سيكون ثاني أسرع صاروخ فرط صوتي في العالم بعد الروسي أفنغارد بسرعة 27 ماخ. ومن شأن هذه السرعة أن تجعله يتجاوز معظم أنظمة الدفاع الجوي بما فيها منظومة ثاد الأمريكية.
ورغم تطور الصناعة الحربية التركية خلال العقدين الأخيرين، إلا أن لا أحد كان ينتظر صناعة تركيا صاروخا فرط صوتي بمواصفات مذهلة، وخاصة السرعة والمدى الذي يصله وهو ستة آلاف كلم. وهو بهذا يقترب من مدى الصاروخ الروسي أفنغارد الذي يتجاوز عشرة آلاف كلم، في حين أن الصواريخ الروسية الأخرى التي استعملتها موسكو ضد أوكرانيا لا يتجاوز مداها ألفي كلم مثل صاروخ “كنغال”.
ويبقى السؤال المعلق حول الحمولة التفجيرية التي سيحملها الصاروخ، لأنه لا يمكن استعمال حمولة كلاسيكية في صاروخ متطور مثل هذا. وعمليا، تصنع تركيا أقوى القنابل في العالم مثل قنبلة “غضب” التي تزن طن تقريبا، وتقارب في قوتها التفجيرية نصف القنبلة الأمريكية MOAB التي يتم وصفها بأم القنابل. وعليه، وبما أنها صنعت هذا الصاروخ الفرط صوتي، فهي هندست مسبقا للرأس الحربي المدمج في هذا الصاروخ. وبدون شك، تترقب معظم الدول الإقليمية والكبرى معرفة نوع الرأس الحربي، لأن تركيا لم تكشف عنه بشكل واضح.
وبهذا، تنضم تركيا إلى نادي الدول المصنعة للصواريخ الفرط صوتية، وهي روسيا ثم الصين والولايات المتحدة وإيران وكوريا الشمالية، في حين أن دولا ذات تاريخ عريق في الصناعة الحربية مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا واليابان مازالت تجري التجارب الأولى على صواريخ فرط صوتية، وتحتاج إلى سنوات طويلة. ومن المفارقات أن نادي الدول المصنعة للصواريخ الفرط صوتية ليس غربيا لأول مرة، الأمر الذي يبرز كيف تنتقل صناعة السلاح من الغرب إلى مناطق أخرى.
وكل سلاح نوعي يترتب عنه تغييرات تدريجية وأحيانا تكون مذهلة، وقد نجحت إيران في الوقوف بوجه الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب ضدها بفضل صناعتها الحربية للصواريخ. وأثرت تركيا في أكثر من منطقة في آسيا وإفريقيا بفضل صناعتها للطائرات المسيرة “بيرقدار” التي أظهرت تميزا في الحروب بما فيها استعمالها من طرف القوات الأوكرانية ضد روسيا.
ومن شأن هذا الصاروخ أن يحدث تغييرات جيوسياسية لو قررت تركيا بيعه لعدد من الدول وخاصة في الشرق الأوسط والخليج العربي مثل السعودية وقطر والإمارات وباكستان بل وحتى مصر أو دول مثل المغرب والجزائر. ويتابع العالم كيف تريد الولايات المتحدة وإسرائيل إجبار طهران على التخلي عن صناعة صواريخ بعيدة المدى وأن تكتفي فقط بصواريخ لا تتجاوز ألف كلم، أي لا تصل إلى الكيان. كما أن الولايات المتحدة ضغطت على السعودية حتى لا تشارك ماليا في تمويل مشروع تركيا لصناعة مقاتلة من الجيل الخامس. وبدون شك، ستمارس واشنطن ضغوطات على تركيا لكي لا تبيع هذه الصواريخ لأي دولة.
في الوقت ذاته، فإن نجاح تركيا في صناعة هذه الصواريخ الفرط صوتية يعطيها مكانة عسكرية جديدة في الساحة الدولية، وسيجعل الأوروبيين يفكرون في الاعتماد عليها أكثر في الجيش الأوروبي الذين يعملون على إنشائه، حيث يؤكدون اعتمادهم على كل من كندا وتركيا من خارج القارة.