ثمة أكثر من دلالة خاصة لافتة في أن يبادر البابا ليو الرابع عشر إلى المشاركة في إحياء اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف الثالث من أيار/ مايو كل عام، وسبق أن اقترحته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في سنة 1991 عبر إعلان ويندهوك التاريخي للصحافيين الأفارقة في ناميبيا.
وإذا كان البابا قد شدد على أهمية الصحافة المستقلة واعتبر أنها ركيزة للمجتمع وللديمقراطية، ورأى في المعلومات مصلحة عامة يجب حمايتها وصيانتها من التلاعب، فإنه استذكر أيضاً التهديدات المتزايدة التي واجهها ويواجهها الصحافيون على امتداد العالم، وشاء تكريم صحافيين قُتلوا أثناء تأدية واجباتهم في قلب مناطق النزاع وساحات الحروب.
من جانبها واصلت دولة الاحتلال الإسرائيلية إحياء هذا اليوم العالمي على طريقتها المألوفة، فتابعت حملات التنكيل واعتقال الصحافيين الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس المحتلة وقطاع غزة، وتستمر في اعتقال 50 منهم، ولم تتوقف منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 عن رفع أرقام ضحايا الصحافة، فتجاوزت 262 شهيداً وأكثر من 500 جريح ومصاب. وكل هذا في إطار منع الصحافة الدولية من تغطية حرب الإبادة الجماعية في القطاع، والاستهتار بالقانون الدولي الذي ينص على الحق في المعلومة والخبر والصورة.
ولعل أخطر المؤشرات على تدهور حرية الصحافة عالمياً، ووقوعها أسيرة هوامش تعبير أضيق وأدنى مقابل قيود أوسع وأشرس، هو التقرير السنوي الذي تصدره منظمة «مراسلون بلا حدود»، واستخلص بأنّ أكثر من نصف دول العالم وأقاليمه باتت تندرج ضمن فئتي «صعب» أو «خطير جداً» بخصوص حرية الصحافة، وهذا للمرة الأولى منذ 25 عاماً. وأما المؤشر السنوي للحريات الصحافية في دول العالم، فلا يؤكد «بيئة جيدة» للصحافة إلا في 7 دول فقط، لا تغطي سوى نسبة 1% من سكان العالم.
وفي عداد المعطيات التي أوضحها المؤشر السنوي، وحملت مغزى سياسياً ومهنياً في آن معاً، أن دولة الاحتلال الإسرائيلي هبطت إلى المرتبة 116 متراجعة 4 درجات عن تصنيف 2025، وهذا عدا عن عشرات الصحافيين الفلسطينيين الذين قُتلوا برصاص جيش الاحتلال ولقي 70 منهم مصرعهم أثناء أداء عملهم خلال التغطيات الميدانية.
ولأنّ معايير قياس الحريات الصحافية تنوعت بين عوامل اقتصادية وقانونية وأمنية وسياسية واجتماعية، فقد كان طبيعياً أن تهبط الولايات المتحدة بدورها 7 درجات إلى المرتبة 64 عالمياً، بتأثير مباشر من رئاستَي دونالد ترامب وصعود التيارات الشعبوية والمحافظة. ولا عجب أن يتوقف المؤشر بصفة خاصة عند سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، فيسجل أن البلد «شهد التحسن الأكبر في حرية الصحافة على امتداد جميع البلدان والمناطق، صاعداً 36 درجة في الترتيب»، رغم «هشاشة» الأوضاع الناجمة عن عدم الاستقرار والضغوط الاقتصادية.
وفي هذه الخلاصة الأخيرة دليل جديد على الارتباط الوثيق بين الحريات الصحافية والأنظمة السياسية على اختلاف تحولاتها.