النقد بين التشكيل الأيقوني وبلاغة السؤال


في كتابه «قبيلة من الأنهار- الذات، الآخر، النص» يشعرنا الشاعر والناقد علي جعفر العلّاق أن اختيار الكتّاب والمبدعين به نوع من القصدية، لأن هناك نوعا من الانتساب إليهم بشكل أو بآخر، وأن هناك دائرة كبرى تجمعهم، وإطارا زمنيا وسياسيا يؤثر بشكل قوي في نزوعهم واختيارهم. فحضور الذات في الكتاب واضح وجلي، والكتابة عن هؤلاء كتابة عن الذات، أو عن جزء أو تاريخ تحاول استعادته أو الإمساك به، وذلك من خلال معاينة ومقاربة بعض منجزهم الكتابي.
الكتابة هنا – وإن كانت احتفاء بهم – احتفاء بالذات في خصوصيتها وخصوصية تجربتها، وخصوصية تكوينها، وفي استعادتها مواجهة أو هروبا بالبلاغة أو المجاز. ففي كثير من الأحيان يستخدم العلّاق المجاز، لا ليقرّب المعنى من القارئ، وإنما ليفتح للقارئ أفقا للحركة، ويؤسس بداية للتماهي الحر من الآخر أو النص، لأن كتابته توجّه نحو الضوء بدون سطوّة أو عنف. البلاغة أو اللغة المجازية المحلّقة في الكتاب، تغلّف- ولا أقول تغيّب- الحقيقة أو الحكم الموضوعي، وتجعله منسربا أو متماوجا في غلالة شفيفة، يتحرّك في إطارها القارئ.
في الكتاب نقد ملتبس بشذرات السيرة، أو سيرة – أو على الأصح أجزاء منها – تستدعي بالضرورة بعضا من النقد أو الحكم النقدي الخاص. فالسيرة والنقد يلتقيان ويتوحدان ويكشفان عن نزوع نحو التساوي والتوازي بين الكاتب والمكتوب عنهم، أو من ارتبطت سيرته بسيرتهم، لأن الإصغاء أو الإنصات إلى بعض مواقفه يوجّهان نحو تمثله لتوجهات بعضهم ونزوعهم، مثل الترفع عن الرد، وتشابه ذلك الرد مع موقف شاعر له سطوته في سياق الحداثة الشعرية، في إهمال الردّ على الآخرين، وكأن ذلك الرد يجذّره- أو يجذّرهما- في موقع المدافع عن الذات.
تكشف المقالات عن الخيارات الفنية للعلّاق في إعلان الانتساب إلى مساحة زمنية قلقة تتباين وتتجاوب، وتوجّه في ظل ذلك نحو أسس التقديم والتأخير والتراتب بين الشعراء. ففي الكتاب تمجيد لفصيل من الشعراء والمبدعين بشكل غير ظاهر. والكاتب في كل ذلك يشدّنا نحو تمجيد الذات وأسئلتها، ومكنوناتها الداخلية التي تلمس عصب الوجود. ففي مجمل نقداته هناك احتفاء بالإنسان وإحباطاته وهزائمه، ومعاينة للصهيل الفردي في أفق يعاني الوحدة والدائرة المغلقة المقبضة.
الحكم النقدي في ذلك الكتاب – ربما لكونه مشدودا إلى الأفق الشعري – يأتي مقتصدا وإن كان نافذا، بسيطا وإن كان دالا، ومع قيمة هذا الحكم ومشروعيته، يبدو في بعض الأحيان وكأنه باب للتغييب والبعد عن المواجهة. فالاقتصاد نوع من البلاغة التي تخفي في طيّاتها نوعا من الانحياز، وتبعد بشكل قد يكون متعمّدا ما نريد قوله بشكل مباشر، وترسله إلى زوايا الغياب والنسيان. وفي تمرير هذا الحكم نجد أن هناك أساليب عديدة، كأن تعرضه- وهذا جزء من بلاغة الإفضاء بالحكم- في هيئة تساؤل يكشف على نحو غير مباشر عن الحكم أو الحقيقة المتوارية.
حين يكون الناقد شاعرا يجب علينا ألا نتعامل مع ما يكتبه بمنظار البحث الأدبي ومناهجه وإجراءاته، وإنما علينا أن نعاين محاولاته القادرة على النفاذ إلى النص الشعري أو الأدبي، حتى لو جاءت في صيغة أحكام لا تستند في الغالب إلى مرشدات نصية كاشفة، بل تستند إلى المتراكم الفردي من القراءات والثقافة، ومن قدرة الفن على معاقرة النتيجة والوصول إليها بدون مخطط سابق أو إجراءات، فمنطلقات الفن- أو الشاعرية- كاشفة، وتخلق كوّة ضوء لها قدرة على الوصول البارق إلى الأشياء، لأنها تفعّل أسانيدها بشكل غير معلن، وغالبا ما يصل الشعراء الحقيقيون في مقارباتهم للأعمال الأدبية إلى نتائج لا يصل إليها النقاد الباحثون إلا بعد جهد كبير.

الذات والحضور الأيقوني

يتجاوب العنوان الأساسي والعنوان الفرعي لتشكيل هوية موضوعية وفنية للكتاب، حيث تبدو الذات جزءا مهما داخلا في حدود هذه الرؤية وهذه المقاربة. فمن خلال الثالوث الفرعي (الذات/ الآخر/ النص) وتعالقها مع السطر التالي (سيرة من نمط خاص) يقدم الكتاب صورا أو مرايا عديدة للمعرفة، وليس بالضرورة- وإن كان ذلك هو الغالب- وجود تاريخ مشترك أو علاقة شخصية، فالمعرفة هنا ترتبط بصناعة تصوّر أو بورتريه أو إطار كاشف عن الشاعر أو الأديب.
في الكتاب تداخل بين الفني والسيري، وهناك محاولة جادة لصناعة ضفيرة منهما، وهذا يعطي الكتاب تفرّدا لافتا، لأن قراءة أي جانب منهما، تحيل بالضرورة إلى الجانب الآخر، بل يمكن القول – وهذا قد يكون أكثر صحة – أن الجانبين صارا كتلة واحدة، وتشرّب كل منهما الآخر، حتى أصبح التفريق بينهما نوعا من السعي وراء المستحيل، فالحديث عن الشعر أو الفن أو المنجز الكتابي حديث في الوقت ذاته عن الإنسان، فكلاهما يمد الآخر بأشياء ضرورية.
يتداخل غالبا الفني والسيري الحياتي عند الحديث عن الشعراء أو الأدباء، خاصة العراقيين، فالسيري يترك أثره على الرؤية بداية من الهالة التي يمكن أن نصنعها ونحن غير منتبهين إلى أسبابها وإطارات تكوّنها. وفي ذلك تتجلّى قيمة اللقاءات المباشرة والحكايات السيرية، في إعادة النظر في التراتب المصنوع الذي يحتاج حتما إلى مراجعة وإعادة تفكير مستمرّين.
الذات مع كل شاعر أو أديب ليست بعيدة عن النهر أو خارج الإطار، فهي – وإن حاولت أن تتحلّى بكثير من الموضوعية – تظلّ حاضرة بتجاوبها أو نفورها الخفي الذي لا يظهر بسهولة، بل يحتاج إلى الكثير من الإنصات إلى الإشارات الخافتة. فهذه المنطلقات الثلاث- وإن تجبّر واحد في الحضور والهيمنة على العنصرين المهمشين على اختلاف العنصر والمقاربات- تشكّل لحمة العملية النقدية أو زاوية الرؤية، ولا يكفي- في منطق الكتاب وآلية اشتغاله- عنصر واحد في القيام بهذا الأمر، فالعنصر الوحيد منها على أهميته ليس كفيلا بمقاربة جادة أو رؤية واضحة.
تأتي كل المقاربات والكتابات منضوية داخل هذا الإطار الثلاثي، وكل عنصر فيها منفتح على الآخر، ويعضّد من وجود العنصرين الباقيين، ويجعلهما يتجليان على نحو وثيق الصلة به، وهناك إشارات تكشف عن تباينات بين الإنسان والشاعر مثل الإشارة عن رشدي العامل أو عن السيّاب، فغياب أحدهما – الشاعر والإنسان – يستدعي بالضرورة هيمنة للآخر، ومن ثم يصبح التساؤل عن العلاقة بين سلوك الشاعر وسلوك قصيدته أو فنّه مقبولا على نحو ما، لأن يفترض مساحة من التشابه أو التنافر بين الكائن البشري الذي كتب النص، والكائن الشعري الذي يتحرّك في زوايا النص.
لا يستطيع القارئ أن يرصد هذا النزوع الخاص في مقاربة الشخصيات والنصوص بعيدا عن ذات الكاتب التي تأتي منتسبة إلى هذا النهر، فوجودها دال ومهم، لأن الرؤية منوطة بها، وكل التوجهات على اختلافها مشدودة إليها، ومسيّجة بفنيتها وقدرتها. فحضور الذات فيما تتجاوب معه من أنهر الآخرين، ومن مراياهم المختزنة، سواء في المواقف أو التوجهات الإنسانية في مقاربة الحياة أو في المنحى الفني حضور لافت، بل في بعض الأحيان نجد هناك نوعا من التعانق والتطابق في جزئيات ليست قليلة.
إن قراءة ما كتبه العلّاق عن جبرا إبراهيم جبرا تشير إلى تطابق في التوجه في الكتابة النقدية، فكلاهما يعتني بالذات وحضورها، وبالطريقة التي تتجلّى بها الموضوعية من خلالها. وهذا الكتاب يعتبر دليلا على مشروعية هذا الفهم، فالذاتية جزء أساسي، ومن المنطلقات الفاعلة فيه، وربما يكون العنوان كاشفا عن هذا المنحى، فحين يقول عن منهج جبرا النقدي «وكثيرا ما أجد نقده مشوبا بنبرة ذاتية محببة، فهو لا يفصل فعل القراءة وعملية الكتابة عنها. إن خيطا من الضوء يكمن لي دائما هناك، يمتد من ذاته المنفعلة بما تقرأ» ندرك أن هذا التوجّه له قيمته وحضوره الخاص.
حضور الذات كاشف بشكل حاد عن المعرفة، وعن القدرة في التقاط زاوية الرؤية، وعن تكرار الموقعية على مسافات متباعدة، وهذا قد يكون مهما في تغيير الصورة أو المنظور أو طبيعة النظر إليها. فتلقي الشخصيات في هذا الكتاب ومنجزهم خاضع لصيرورة ولزمن، ولوعي الذات المتغير من مرحلة إلى أخرى. وهذا قد يوجّه إلى أن حضور الذات بوصفها عنصرا فاعلا في رؤية الآخر ومقاربة منجزه جعل الكتاب في منحاه الأولي حالة من حالات التعرّف الأولى.
لكن في مرحلة تالية مبنية على السابقة تحوّل الكتاب إلى أداة من أدوات المراجعة والمساءلة، فيما يخصّ الشائع والمتواتر والمستقرّ، وهي الأفكار التي تنتقل وتعاد بفعل الحالة السكونية من جانب، وكسل النقاد والدارسين من جانب آخر. فالفكرة الشائعة عن نزار قبّاني هي (شاعر يقتحم الخطوط الحمراء في موضوع المرأة والحب). لكن هذا التلقي الجاهز – وهو تلقٍ مررنا به جميعا – يشكل حاجزا يفصلنا عن الجمال. فما يقدمه الكتاب الإشارة إلى قيمة المراجعة التي تخلق مسارب وآفاقا جديدة، فنزار صاحب إضافة تتعلّق باللغة، وإعادة سبكها وتوطينها وفق لحظته الزمنية، وتتعلّق بقدرته على الرؤية المغايرة وتشكيل المتخيل.
إيراد النصوص أو أجزاء منها لا يؤثر على رؤيته أو يغيّرها، لأنه يقدم ما استقرّ بذهنه، وما اطمأن إليه في بنائه لرأيه، وهو رأي لا يأتي عفو الخاطر، وإنما ناتج عن تأمل طويل ومعاينة مستمرة. واهتمامه هنا ليس بالجزئي، وإنما بالصورة الكلية الكاشفة، فالأجزاء التي يقتطعها من نص السيّاب، أو من نص الجواهري – وهو نص سقيم وضد كل السمات التي جاء بها واصفا منجزه – ليست مؤثرة على ما اختزنه أو ما يريد قوله.
فالنص يحضر لكنه ليس داخلا في عملية التأويل المستندة إلى وعي ممتد بالذات والحالة، فما يقدمه لكل كاتب مساحة من المرايا تنتج في النهاية ملمحا أو ملامح أيقونية يجيد نحتها. فمردود النصوص أو أثرها في المقاربة النقدية مردود شكلي، إلا في حالات نادرة، مثل النماذج الخاصة بمحمود درويش، فالنصوص – أو أجزاؤها – مؤثرة في مقاربة العلّاق النقدية، وذلك لقدرة محمود درويش نفسه في بثّ مرتكزات الضوء بعناية أثناء الكتابة على امتداد النص.
واختيار العناوين الخاصة بكل جزئية على هذا النحو المتفرّد الكاشف عن المنحى أو المناحي الأيقونية لكل شخصية يمثل استعارة كبرى، يمكن ان تكون مرآة أولى مغطاة بضوء خافت، وبقية المقال أو متنه – والحال تلك – ليست إلا شعاعات ضوء هادية، لكنها أكثر وضوحا وحضورا. العنوان في الكتاب مدى استعاري يلمّ شتات الفكرة، ويضع القارئ في مواجهتها من البداية، فكل عنوان يشكل نواة أيقونية كبرى، والمقال على طوله- أو قصره- ليس إلا محاورة وحركة دائبة حول هذه النواة، ويظل القارئ لاهثا في البحث في النص النقدي عن علامات ودلائل تتقاطب مع هذا العنوان.
الأحكام النقدية المبثوثة في الكتاب تأتي غالبا موشّحة بالبلاغة والفن، وحين يتزيّا الحكم النقدي بالبلاغي، يصبح هناك ترياق حام، يبعد الكتابة النقدية عن التنازل عن لفحة الفن. لكن في بعض الأحيان يمكن أن تكون البلاغة أداة لتمرير الحكم، بدون أن ينفذ إليه مباشرة، وبدون أن يقرره بشكل موضوعي، وبدون أن يتركه كلية.
يمرر العلّاق إجابته على الأسئلة من خلال إيماءات أو إيحاءات يبذرها قبل السؤال أو بعده، ففي حالة سعدي يوسف نراه يقول «في أوقات كثيرة لم يكن سعدي يوسف ممنوعا من دخول العراق»، وكأنه يوجّه نحو تعمّده صناعة المنفى. فهناك أسئلة تتسرّب الإجابة عنها وتكتمل من خلال الإصغاء إلى بعض الكلمات الناتئة التي تمرر بشكل خاص. فمع شخصية مربكة مثل شخصية البياتي في تأطير أو صناعة مجده، تلحّ الأسئلة الكثيرة حوله، وحول قدرته في بناء الكون الإبداعي الخاص به.
والتساؤل في النهاية ليس بالضرورة محاولة لتغييب الحكم النقدي أو تمييعه على نحو ما يمكن أن نرى في بعض الحالات والمقاربات، ففي بعض الأحيان يشكل السؤال وجودا أو بداية تستقطب القارئ لإدخاله إلى فضاء الرؤية أو المقاربة داخل السياق العام، وهذا النمط يأتي غالبا في بداية المقال لصناعة أفق خاص للتوجيه من البداية.
علي جعفر العلاق: «قبيلة من الأنهار»
موزاييك للدراسات والنشر، الشارقة 2024
173 صفحة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *