الناصرية جعلت الطبقة الوسطى في مصر طليعة للثورة



حوار وترجمة: شكري الصيفي

تعيد المؤرخة والباحثة الفرنسية أنطوانيت فيران Antoinette Ferrand المتخصصة في تاريخ الشرق الأوسط إلى النقاش جوانب مهمة من التجربة الناصرية، بعيدا عن التاريخ السياسي والعسكري المكرر، من خلال مشاركتها خلال السنوات الماضية في مشروع بحثي حول تاريخ مصر الاجتماعي وعلاقاته بجنوب آسيا. أحرزت فيران الدكتوراه في التاريخ الحديث للمجتمعات الإسلامية والعربية من جامعة السوربون، وتناولت أطروحتها تاريخ مفهوم الطبقة الوسطى في مصر خلال العهد الناصري. وهو ما أصدرته مؤخرا في كتاب بعنوان «مصر الناصرية: الطبقات المتوسطة والمثال الاشتراكي». عن الكتاب ورؤيتها كباحثة متخصصة في التاريخ الاجتماعي المصري، كان حوارنا معها..
مفارقات المجتمع الوظيفي المنشود!
*كيف عرّف نظام عبد الناصر مفهوم الطبقة الوسطى ووظّفه؟
ـ سيكون من الطموح نوعا ما محاولة الإجابة عن هذا السؤال في بضع كلمات، باعتبار أنه موضوع الكتاب تحديدا! وإذا كان لا بد من التركيز على نقطة محددة، فسأقول إنه ينبغي التعامل بجدية مع مفارقات تلك الحقبة: فقد دعا النظام إلى «تذويب» الفروق بين الطبقات، وإلى إقامة مجتمع وظيفي بعد عام 1957، تكون لكل فئة اجتماعية فيه وظيفة محددة، مثل العمال والفلاحين والمثقفين والرأسمالية الوطنية والعسكريين. لكن النظام في الوقت نفسه حافظ على خطاب سياسي موروث من المرحلة الليبرالية، كانت فيه الطبقة الوسطى تمثل رأس حربة النضال الوطني وهي التي فشلت في تحقيق الاستقلال. وفي خطابات مثقفي النظام، كان ينبغي إصلاح الطبقة الوسطى وتحويلها إلى طليعة فكرية و»طبقة المثقفين» القادرة على إنجاز الثورة. غير أن القصة لا تلخص كثافة مفهوم الطبقة الوسطى وثراءه، كما كان مستخدما في تلك الفترة، إذ نجد جانبا آخر حاولتُ كتابته، ويتعلق بالطريقة التي جرى بها تحويل المصطلح إلى مفهوم تقني، على يد علماء الاجتماع والإحصائيين التابعين للنظام، من خلال تعريفه بواسطة مؤشرات العمل والاستهلاك والتعليم.
*هل كانت هذه الفئة الاجتماعية مجرد وصف سوسيولوجي أم أنها مشروع سياسي يجسد المثال الوطني الأعلى؟
بالنظر إلى الكتابة التاريخية والأفكار الشائعة عن المجتمعات العربية، فإنني سأطرح السؤال بشكل معاكس: كيف لم تكن هذه الفئة الاجتماعية مجرد مشروع سياسي، بل كانت أيضا وصفا سوسيولوجيا ؟
ـ كما أوضحتُ سابقا، لم تكن الطبقة الوسطى تتمتع بوجود محدد بدقة في الخطابات الأيديولوجية، لأن المشروع كان يهدف إلى بناء «مجتمع بلا طبقات»، بينما رأى البعض في الضباط الأحرار تجسيدا للطبقة الوسطى المصرية، إلا أنني سأبقى حذرة تجاه هذا الحكم. فبالمعنى الليبرالي للقرن التاسع عشر، تعتبر هذه الطبقة كأنها نخبة سياسية مكلفة بمصير الوطن، قد يكون الأمر صحيحا، لكن هذا المعنى ينطبق أساسا على فترة ما بين الحربين العالميتين. أما بالمعنى الاجتماعي والاقتصادي، فالأمور أكثر تعقيدا. فحتى لو كان جزء من الضباط الأحرار ينحدر من هذه الشرائح الوسطى، مثل كبار الموظفين ومتوسطيهم والفلاحين الميسورين وغيرهم، فإنهم لا يختزلون التنوع الكبير في أوضاع الشرائح الوسطى المصرية. وهنا، في اعتقادي تكمن جديّة بحثي: فمفهوم الطبقة الوسطى، خلافا لاتجاه واسع من الدراسات التاريخية التي ينكر وجودها أو يختزلها في نخبة عسكرية، كان يعني بالنسبة إلى خبراء العلوم الاجتماعية المصريين واقعا قابلا للقياس والتحديد بالأرقام.

تحولات اجتماعية ومفارقات اقتصادية
*بأي طريقة ساهمت المثل الاشتراكية وسياسات التنمية التي انتهجتها الدولة المصرية في تغيير الحياة اليومية للطبقات الوسطى وتطلعاتها؟
ـ إنه سؤال واسع، ولا يتناوله بحثي بالمعنى الدقيق الذي يركز أساسا على تاريخ المعرفة. وقد حاول عدد من المؤرخين الإجابة عن هذا الاستفسار، من بينهم عبد الباسط عبد المعطي في كتابه «الطبقة الوسطى المصرية من التقصير إلى التحرير» في 2006. والاقتصادي المصري جلال أمين في كتابه «ماذا حدث للمصريين؟»، عام 1999. وكذلك ريلي شختر وفرديناند إيبل، ومحمود عبد الفضيل الذي خصص دراسة لسكان الأرياف في مصر. كما اهتمت أعمال منى أباظة بهذا الموضوع، من خلال اهتمامها بثقافة الاستهلاك في مصر الحديثة، إضافة إلى أعمال نانسي رينولدز حول ثقافة الاستهلاك والسلطة الاجتماعية في مصر، وهي مهمة أيضا، لكنني أرى أنها لا تتعلق إلا بالطبقات العليا في المجتمع المصري. ولعل رواية «ذات» للكاتب صنع الله إبراهيم تعكس إلى حد ما أبرز هذه التحولات بكل تناقضاتها!
*ما هي الروابط بين توسع الوظيفة العمومية، والإصلاحات الزراعية، والتأميم، وصعود نخبة بيروقراطية وتقنية جديدة؟
ـ هنا يكمن تاريخ القطاع العام المصري بأكمله، الذي أشرت إليه في سؤالك. وأحيل هنا إلى الأعمال التي سبق ذكرها، ولا سيما أعمال ريلي شختر ونزيه الأيوبي في كتابه حول السياسة والمجتمع في منطقة الشرق الأوسط.

الأدب والفنون كمصادر للتوثيق الاجتماعي
*من خلال أي أنواع من المصادر، مثل الأرشيفات المؤسسية والإحصاءات والإنتاج الأدبي والفكري والسينمائي، يمكننا إعادة بناء تاريخ هذه الفئات الاجتماعية في تلك المرحلة؟
ـ إنه سؤال ممتاز، وطريقة إجابة كل باحث عنه تكشف عن موقف تأريخي لديه. فعلى سبيل المثال، هناك دراسة أصبحت معروفة الآن للوسي ريزوفا حول عصر الأفندية وعلاقتها بالحداثة في مصر الوطنية ـ الاستعمارية. وقدمت الباحثة دراسة للشرائح الوسطى المصرية خلال فترة ما بين الحربين، وهي الطبقات التي ترتبط بشكل واسع بمفهوم «الأفندية». ويواجه مؤرخو مصر المعاصرة أزمة أرشيفية مؤسفة، فعدد قليل منهم يستطيع الوصول إلى الأرشيف الوطني، وحتى عندما يتمكنون من ذلك، لا تتاح لهم أيّ وثيقة تعود لفترة ما بعد عام 1952، وقد عايشت ذلك شخصيا. ولمعالجة هذه الصعوبة، اختارت ريزوفا المصادر الثقافية مثل الأفلام والروايات، بينما اختار باحثون آخرون الإعلانات، أو المذكرات العائلية على سبيل المثال كتاب فيولا شفيق حول السينما المصرية الشعبية. ومن دون إنكار أهمية هذه المصادر الثقافية كشهادة تاريخية، فإنني أتجه أيضا إلى استخدام مدونة المصادر الأقل شهرة، مثل الأدب الرمادي، وأذكر في هذا السياق كتاب شهاب الخشاب الأخير حول هذا الموضوع. كما أدافع عن استخدام مصادر تجاهلها المختصون تماما، ولا سيما بسبب عدم الثقة إلى حد ما في الإنتاج العلمي خلال فترة عبد الناصر. لكن هذا الإنتاج العلمي والسوسيولوجي والإحصائي يقدم نظرة جديدة إلى الخطاب الاجتماعي لدى المصريين في تلك الفترة، بعيدا عن التمثلات الكاريكاتيرية إلى حد ما للحياة القاهرية، بل المغلوطة تماما أحيانا. فقد ظل صغار سكان المدن المنتمون إلى الشرائح الوسطى في عهد عبد الناصر، غير ظاهرين تماما ضمن هذا الاتجاه التاريخي الثقافوي. وكما أوضحت في الكتاب، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن المصريين في ذلك العصر كانوا قادرين على شراء أحدث نماذج الثلاجات لمجرد أن الصحف الناصرية كانت تروّج لها. ينبغي تذكّر انخفاض الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الإنتاج الصناعي والرقابة على الاستيراد وغير ذلك. وفي الواقع، تصلح كل المصادر لكتابة التاريخ الاجتماعي لمجتمع معين، بشرط الانتباه إلى النقاط العمياء التي تتضمنها. وعلى المستوى الشخصي، أرى أن هناك الكثير مما سنخسره إذا صدقنا الصور المجملة حول ستينيات القرن العشرين، فضلا عن أن هذا النوع من التاريخ لا يعكس ثراء الإنتاج العلمي الذي أُنجز باللغة العربية في تلك الفترة.

*إذا قارنا التجربة المصرية بتجربة سوريا أو الجزائر في تلك الفترة، فما أوجه الاختلاف الأساسية في مسار هذه الطبقة الوسطى؟
ـ لسوريا والجزائر مساران مختلفان تماما، ولا سيما الجزائر بسبب تاريخها الاستعماري. وبما أنني لم أدرس المصادر المتعلقة بهذين البلدين، فلن أسمح لنفسي بإجراء أي مقارنة. لكنني أدعو القراء المهتمين إلى الاطلاع على أدبيات علم الاجتماع الجزائري في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ولا سيما الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه عبد المالك صياد حول الطبقات الوسطى في البلدان المغاربية.

المشروع الناصري في مواجهة الأزمة
*هل أتاح وجود تقليد بيروقراطي وليبرالي طويل في مصر قبل 1952 لعبد الناصر هامشا مختلفا للمناورة مقارنة بالبلدان التي كان يتعين فيها بناء هذه الشريحة من العدم؟
ـ يمكن للمتخصصين في البلدان العربية الأخرى أن يقدموا إجابات أكثر تفصيلا، لكن من المؤكد أنه في مصر، أكثر من أي مكان آخر، استأثر التماهي بين القطاع العام والوظيفة الحكومية طويلا بالمعنى الذي أُعطي لمفهوم الطبقة الوسطى في الخطابات الفكرية والثقافية. غير أنه من خلال الوثائق الإحصائية المتوفرة، نجد أن العمال المهرة والعاملين لحسابهم الخاص كانوا يُعدّون أيضا من الطبقة الوسطى، فضلا عن جزء من ملاك الأراضي بحكم مداخيلهم، وهو أمر ينبغي عدم نسيانه. هذه الظاهرة مماثلة لمضمون دراسة آزاد كيان حول العلمنة في إيران. لكن، كما أوضحت سابقا، فلنترك لباحثين آخرين على دراية بهذا الموضوع التطرق له.
*اصطدم مشروع عبد الناصر للنهوض بالطبقة الوسطى بأزمات اقتصادية خطيرة في أواخر ستينيات القرن العشرين. إلى أي مدى أسهمت هذه التحولات خلال عهد عبد الناصر في التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها عهد أنور السادات؟
ـ يبدو لي أن العامل الرئيسي الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار هو التغير المفاجئ في مصادر الدخل، وهو تغيير أدى إلى تحويل المجتمع المصري بصورة عميقة. فالتوسع التدريجي في القطاع العام خلال عهد عبد الناصر، إلى جانب إلزام الدولة بتوظيف خريجي الجامعات، خلق اختلالا في الاقتصاد المصري، ثم جاءت سياسة الانفتاح التي انتهجها السادات لتعميق هذا الأمر. وقد أدت تدفقات الأموال من العمالة المصرية المهاجرة في دول الخليج إلى ظهور فئات اقتصادية جديدة أكثر راحة من الناحية المالية من موظفي الدولة، الذين كانوا مع ذلك مقتنعين بمكانتهم الاجتماعية بسبب الشهادات التي حصلوا عليها في ستينيات القرن العشرين. وهذا ما يصفه بشكل جيد جلال أمين وغيره من الدارسين، عندما يتحدثون عن أزمة الطبقات الوسطى. لكن في الواقع لا يتعلق الأمر بنهاية الطبقات الوسطى، بل بتجددها من خلال فئات مدعومة اجتماعيا واقتصاديا بالأموال الآتية من الخارج، هذه الفئات أطاحت بالمعايير القديمة لهذه الطبقة المرتبطة بالعمل في القطاع العام.

* أكاديمي وباحث سوسيولوجي تونسي
**أنطوانيت فيران .. خريجة مدرسة الأساتذة العليا ENS في ليون، حيث حصلت على درجتي الليسانس والماجستير، ثم التبريز Agrégation في التاريخ. وبالتوازي مع ذلك، حصلت على ليسانس في اللغة العربية من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية Inalcoثم درجة الدكتوراه من جامعة السوربون، حيث عملت أيضا كمدرّسة. وتعمل حاليا عضوا في المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية Ifao، كما تشغل منصب سكرتارية التحرير في مجلة دراسات المعهد الدومينيكان للدراسات الشرقية Idéo .



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *