المخطوطات القديمة تكشف تاريخ جدري الأغنام الممتد لآلاف السنين


لندن ـ «القدس العربي»: كشفت دراسة علمية حديثة أن صفحات المخطوطات الجلدية القديمة قد تخفي أكثر من النصوص التي كُتبت عليها، إذ يمكن أن تحفظ أيضا آثارًا وراثية لأمراض أصابت الحيوانات التي استُخدمت جلودها في صناعة الرق قبل قرون.

ففي هذه الدراسة تم نشرها في الثاني من أيلول/سبتمبر 2026 في مجلة Science Advances، تمكن فريق دولي بقيادة باحثين من جامعة كوليدج دبلن من إعادة بناء جزء من التاريخ التطوري لفيروس جدري الأغنام، مستندًا إلى عينات أثرية ومخطوطات تاريخية تعود إلى فترات زمنية مختلفة. وحدد الباحثون 21 جينومًا قديمًا لفيروس جدري الأغنام، في واحدة من أوسع المحاولات لتتبع تطور هذا الفيروس عبر السجل الأثري والوثائقي.
من أبرز ما توصلت إليه الدراسة العثور على آثار للفيروس في رق مخطوطات أوروبية من العصور الوسطى. وشملت المواد التي خضعت للتحليل «York Gospels» أناجيل يورك، التي تعود إلى مطلع الألفية الثانية، ومعجم كوربوس، وهو أحد أقدم النصوص الإنكليزية الباقية.
وقبل انتشار استخدام الورق على نطاق واسع، كانت الكتب في أوروبا تُصنع غالبًا من جلود الحيوانات، ولا سيما الأغنام والماعز والعجول. وقد تبين أن هذه الجلود تستطيع الاحتفاظ، حتى بعد مرور مئات السنين، بآثار جينية للحيوانات التي صُنعت منها.
ولجمع هذه الآثار من دون إتلاف المخطوطات، استخدم الباحثون أسلوبًا غير جراحي يعتمد على المسح اللطيف لسطح الرق، بحيث يمكن جمع الجزيئات الدقيقة التي تحتوي على DNA وبروتينات وتحليلها في المختبر.
وفي بعض المخطوطات، عُثر على آثار للفيروس في صفحات متعددة، وهو ما يرجح أن بعض الحيوانات التي استُخدمت جلودها لصناعة الرق كانت مصابة بالفيروس وقت نفوقها. لكن الباحثين يحذرون من استخلاص استنتاجات قاطعة بشأن جميع العينات. فوجود المادة الوراثية للفيروس على جلد الماعز أو العجل، على سبيل المثال، قد يعكس إصابة حقيقية أو انتقالًا للفيروس خلال عمليات تجهيز الجلود في الورش التي كانت تتعامل مع جلود حيوانات مختلفة.
لا يقتصر السجل الجيني الذي أعاد الباحثون بناءه على المخطوطات. فقد عثر الفريق أيضًا على آثار لفيروس جدري الأغنام في أسنان أغنام اكتُشفت في مواقع رعوية قديمة في سهوب أوراسيا. ويعود أقدم دليل جيني مباشر حدده الباحثون إلى نحو 1700 قبل الميلاد، أي إلى ما يزيد على 3700 عام.
وبمقارنة الجينومات القديمة بالفيروسات الحديثة، وجد العلماء أن فيروس جدري الأغنام حافظ على قدر ملحوظ من الاستقرار الجيني عبر آلاف السنين. كما مكنت البيانات الجديدة الباحثين من التعرف على سلالة قديمة اختفت من أوروبا في العصور الحديثة.
وتقدم هذه النتائج نافذة جديدة على العلاقة التاريخية بين البشر والحيوانات والأمراض، خصوصًا مع توسع المجتمعات الرعوية وانتشار تربية الأغنام في أوراسيا. ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية تتجاوز تاريخ فيروس واحد. فهو يوضح أن المواد التي حفظتها المكتبات والمتاحف لقرون قد تحتوي على معلومات بيولوجية لم يكن مؤلفوها أو صانعوها يعلمون أنها ستبقى محفوظة. فالرق الذي حمل نصوصًا دينية وأدبية وتاريخية، احتفظ في الوقت نفسه بآثار جينية للحيوانات التي ساهمت في إنتاجه، وربما بالأمراض التي كانت تصيب قطعانها.
ويرى الباحثون أن هذه المنهجية يمكن أن تفتح المجال أمام فحص المزيد من المخطوطات والمواد الجلدية القديمة بحثًا عن أدلة على أمراض حيوانية تاريخية، بما قد يساعد في فهم نشأة بعض الأمراض وانتشارها وتطورها على مدى آلاف السنين.
وتكتسب دراسة جدري الأغنام أهمية معاصرة أيضًا، إذ لا يزال المرض يمثل تهديدًا للثروة الحيوانية في مناطق مختلفة من العالم، ما يجعل فهم تاريخه التطوري أكثر من مجرد رحلة إلى الماضي. وبذلك، تتحول المخطوطات القديمة من مجرد أوعية للنصوص إلى أرشيفات بيولوجية صامتة، تحفظ بين ألياف الرق آثار عالم عاش قبل قرون، وتتيح للعلماء اليوم إعادة بناء جانب من التاريخ الصحي للحيوانات التي رافقت الإنسان في مسيرته.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *