المجاوَرَة والانزياح في قصص « المكتبة المعمدانية»


لم يبتعد السياق الاصطلاحي لدى «تعدد النصوص في نص واحد» عن تأكيد دلالة مصاحبة ومتلازمة، بأن هذا التعدد والتجاور لهما سيرة تشكّل للمصطلح وتسمية متنامية ومتضافرة، سواء عبر مدد زمنية، متفاوتة قرباً وبعداً، أو عبر ترسخه اللانهائي كمفهوم نظري ومنهجي في عمليات البحث والتقصي السرديين، فما اضطلع به الشكلانيون والبنيويون في دراساتهم عن مستويات النص، أسهم بإعداد نتائج كبرى لدى الدلاليين والتأويليين في المجال الحيوي، بين بنيات النص والعالم، والذي كان يعرفّه باختين بـ»حوارية النصوص»، يشترك لدى غادامير في الحوار بين سلطة القارئ والعمل الأدبي، كما يغدو في شغل كرستيفا بالتناص، وأثر النصوص العديدة في نص واحد، وما يلبث حتى يرتقي عند جينيت إلى نصوص موازية وأثر أطراس ممحوة ومستحدثة، فيما لم ينته في منظومة بارت إلى الوساطة بين المؤلف ومحيطه المرجعي وحصة العائد من ذلك المحيط المرجعي عبر النص، كما أن المبدأ الحواري والتعدد الصوتي والأطراس الممحوة والمستحدثة وموت المؤلف والتناص داخل أعمال دوستويفسكي، يجد محتواه وتفاصيله في التداعي الحر لدى جويس، أو التوظيف الأسطوري في قصيدة الأرض اليباب وسوى ذلك.

في هذا السياق من محمولات الدلالة السردية والحوارية في هذا المصطلح وسواه، صدر للقاص والروائي والناقد جاسم عاصي كتابه القصصي الجديد «المكتبة المعمدانية» عن دار توليب في بغداد 2026، ليضيف توصيفاً جديداً لتعدد النصوص كمراجع في نص واحد، يسميه « المجاوَرَة والانزياح»، الأولى في أن يستعير النص نصاً آخر مجاوراً من المدوّن والشفوي، الروائي والأسطوري والحكائي، والثانية أن ينزاح النص الجديد عن معنى مضاف عبر «التخليق والتشكيل» الجديدين.
وقبل أن يقدم عاصي كتابه القصصي هذا، كان قد سبقه إليه كتابه النقدي «المجاوَرَة والانزياح» ليرصد موضوعته المركزية في توظيف الموروث الأسطوري والروائي والحكائي في القصة والرواية، متناولاً عدداً من الروايات والقصص في تطبيقات مستفيضة، قاسمها المشترك الأساس قراءة وتحليل النص الجديد في ضوء النص المستعار، وكشف آلياته المعرفية في الذاكرة والواقع ومن ثم في النص الأخير، فضلاً عن مستوياته الفنية المحكومة بظرفيتها العامة، إذ حدد أكثر من خمسة عشر مستوى كان فيها النص «المخلّق والمشكّل» كما يسميه، يمارس لعبة الإخفاء والتضمين والتشظي، والبحث المستغلق عما وراء الكامن، والاكتفاء بإطلاق إشارات وامضة من داخل الكمون، سرعان ما تنطفئ، أو يتخفى بالتداخل أو التماهي بين الاستعارة والمتن المستعار، ويخلص إلى هذا التعالق الفني /الواقعي، وإن بدا يمتلك آفاقاً واسعة من التعبير إلا إنه لا يتعدى أن يكون « قناعاً يبعده عن مرصد الرقيب» كما يقول.
إذن فان كتاب «المكتبة المعمدانية» هو التعقيب القصصي على كتاب «المجاورة والانزياح» النقدي للكاتب نفسه، ولكن الأول كُتب وجاء في بيئة نقدية وقصصية مختلفة تماماً، وتبعد عقوداً عديدة عن بيئة النصوص السبعينية والثمانينية من القرن العشرين، التي درسها الكتاب الثاني في شيء من التزامن، ومعايشة البيئة الفنية والواقعية نفسها، وسنعود إلى هذه الفكرة بعد استعراض سريع لنصوص الكتاب.

حفلت «القصص المجاوَرَة» كما سماها الكاتب باستعارة شخصيات أسطورية وروائية وحكائية، تركزت في الغالب متونها بين ملحمة كلكامش، وأعمال دوستويفسكي، فغدت القصص مسرحاً صوتياً متعدداً لأنكيدو وسيدوري وسواهما، مثلما غدت منصة حوارية لشخصيات سميردياكوف واليوشا وزوسيما، ونجم عن هذا التجاور النصي، أن تنزاح فنياً إلى كيانات ثقافية وواقعية، تُختبر بالنص الجديد لتعبر عن مستوى جديد للسرد القصصي، ينطوي على أكثر من اتجاه، لعل في مقدمة الاتجاهات، أن تعاد صياغة وتعميق تلك الشخصيات، كونها ذات قيم وجودية وإنسانية عامة، وتفتح نوافذ مضاءة في فضاء سردي أبعد من وجودها السياسي المضلل، ومكانها الهوياتي الملتبس السابق، في الوقت الذي تخطت فيه هذه القصص ما كانت قد درجت عليه القصة العراقية في توظيف الموروث بناء على تصورات وجماليات الانتماء المكاني «التبجح الهوياتي» والمناورة الفنية إزاء هدف الراصد السياسي، حيث كان النص في انزياحه الأخير، يمثل قناعاً لما يستتر في واقع قمع المنظومة السياسية، وذلك القناع، يمسي تمويهاً فنياً يضلل الرقيب. وبذلك يمكن عدّ قصص المجاورة، بأنها محاولة مهمة للتخلص من أعباء القناع، وتشكيل معنى فني حر جديد، وانتقالة بيئية ومعرفية، تعيد « تخليق وتشكيل» النص الجديد عبر متغيرات فضاء المتون ومحيطها المرجعي.

إن البيئة السردية لقصص «المجاورة» لدى قاصين مثل جليل القيسي في «مملكة الانعكاسات الضوئية»، و»رؤيا البرج» لمحمد خضير، تختلف عن البيئة السردية لقصص «المكتبة المعمدانية»، وتقطع الصلة نحو بنية استعارية جديدة، كما في روايات أخرى لاحقة مثل «بابا سارتر» لعلي بدر بوصفها فعالية وجودية بغدادية، أو «فرنكشتاين في بغداد» التي أفضت إلى تخليق مكان جديد لمجاورة واستعارة الرعب الفرنكشتاني، ونضيف أيضاً ما رسخه القاص والروائي ضياء الجبيلي عبر استعاراته في هذا الحقل من تبيئة الرموز العالمية في سياق محلي.
وهكذا استعارت الروايات والقصص المجاورة الجديدة، ظواهر أدبية راسخة في كل مدينة صغيرة أو كبيرة، أينما وجدت من العالم، لا بد من أن تجد أسماء مألوفة مثل كافكا، سارتر، دوستويفسكي وغيرهم على نواصي «رفوف» المكتبات العامة والاهلية، فضلاً عن أن أفكارهم ككتّاب مترسخة في ضمير فئات مجتمعية واسعة من أجيال القراء، إنهم أحد فضاءات المكان ـ أي مكان ـ واستطاع كتّاب المجاورة الجدد في ضوء ذلك حسب مكانهم، تحويل هذه الظاهرة إلى وجهة نظر سردية وكيان ثقافي في نصوصهم، يعبر عن وجوده المحلي الراسخ في الوقت الذي تحافظ على عالميتها وإنسانيتها العامة.
بذلك تدخل قصص المجاورة مضماراً فنياً وانتقالياً، بدأ بتوظيف الأسطورة والمتون الاستعارية، كأداة في بناء النص في السابق، إلى نواة في تشكيل النص الجديد، ومن جانب آخر، إذا كان التجاور القصصي لكتاب الستينيات وما بعدها، يعتمد على ما أتاحه التنقيب الاستشراقي المبكر في ترسيخ الذاكرة الرافدينية، واستعارتها في الكتابة القصصية فإن البيئة القصصية الجديدة تحرز تقدماً على مستويات فنية، تطّرد مع نمو وترسيخ النموذج الاستشراقي الرافديني، بل وتمثيله محلياً على نحو واقعي.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *