المتنبي.. سوق كتب أم مدينة اقتصادية نابضة في قلب بغداد؟


متابعة/ المدى

في قلب العاصمة بغداد، وبين الأزقة التاريخية الممتدة من شارع الرشيد حتى ضفاف نهر دجلة، يواصل شارع المتنبي أداء دور يتجاوز كونه مركزاً ثقافياً لبيع الكتب واحتضان الفعاليات الفكرية، ليشكل نموذجاً لاقتصاد ثقافي متكامل يحرّك عشرات المهن والأنشطة التجارية بصورة منتظمة، رغم بقائه خارج معظم المؤشرات الاقتصادية الرسمية.

ففي كل يوم جمعة، يتحول الشارع إلى مساحة نابضة بالحياة تستقطب آلاف الزوار من مختلف المحافظات، حيث تتداخل تجارة الكتب مع أنشطة دور النشر والمطابع والمقاهي الثقافية والخطاطين والرسامين وباعة التحف التراثية، فضلاً عن المطاعم وسائقي الأجرة والباعة المتجولين، في مشهد يعكس ما يصفه مختصون بـ”الاقتصاد الثقافي غير المرئي” القائم على المعرفة والتراث والهوية الثقافية أكثر من اعتماده على رأس المال التقليدي.

ويقول أبو علي، صاحب إحدى المكتبات القديمة في شارع المتنبي، إن النشاط الاقتصادي داخل الشارع أكبر بكثير مما تتصوره المؤسسات الرسمية، موضحاً أن المتنبي لا يقتصر على بيع الكتب، بل يدير دورة اقتصادية متكاملة تعتمد عليها عشرات العائلات والمهن المرتبطة بالثقافة.

وأضاف أن كثيرين ينظرون إلى الشارع باعتباره معلماً تراثياً أو ثقافياً فقط، بينما تكشف الحركة اليومية عن اقتصاد متشعب يبدأ من بائعي الكتب المستعملة ويمر بدور النشر والطباعة والمقاهي والخطاطين والرسامين وصولاً إلى الباعة المتجولين.

وأشار إلى أن مواسم معينة، كمعارض الكتب والفعاليات الثقافية، تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في المبيعات، كما تسهم المقاهي الثقافية في جذب الزوار من مختلف المحافظات، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على حركة النقل والمطاعم والأسواق المجاورة.

من جانبه، يرى رئيس نقابة السياحيين في العراق محمد عودة العبيدي، خلال حديث تابعته(المدى) أن ما تشهده منطقة المتنبي والمدينة القديمة في بغداد يتجاوز البعد الثقافي التقليدي، مؤكداً أن العاصمة تمتلك مقومات حقيقية لبناء اقتصاد ثقافي وسياحي مستدام.

وقال العبيدي إن السياحة الثقافية والتراثية أصبحت اليوم من أبرز القطاعات الاقتصادية في العديد من دول العالم، لافتاً إلى أن بغداد، رغم ما مرت به من تحولات سياسية واقتصادية، ما تزال تحتفظ بإرث حضاري كبير يمكن أن يشكل ركيزة لتنمية اقتصادية مستدامة.

وأضاف أن شارع المتنبي لا يمثل مجرد سوق للكتب، بل يعد ذاكرة حية للعراق بما تحمله من قيم وعادات وتقاليد وتاريخ ثقافي، مؤكداً أن الاقتصاد الثقافي قادر على التحول إلى مورد اقتصادي حقيقي إذا جرى استثماره ضمن رؤية حضارية وسياحية متكاملة.

وأوضح أن كل نشاط ثقافي داخل الشارع ينعكس على قطاعات اقتصادية أخرى تشمل النقل والفنادق والمطاعم والصناعات الإبداعية، مبيناً أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص الإمكانات، بل في غياب التخطيط الحضاري والسياحي القادر على الربط بين التراث والتنمية الاقتصادية.

وفي جانب آخر من المشهد، يوضح حسين علي، العامل في مجال الطباعة داخل شارع المتنبي، أن مواسم إصدار الكتب أو إقامة المعارض الثقافية تحرك السوق بأكمله، مشيراً إلى أن الطلب لا يقتصر على عمليات الطباعة فقط، بل يمتد إلى خدمات التصميم والتغليف والنقل والتوزيع.

وبيّن أن هذا النشاط الاقتصادي ما يزال هشاً نسبياً، لأنه يعتمد بصورة كبيرة على المبادرات الفردية، ولا يحظى بدعم حكومي أو استثماري منظم يمكن أن يسهم في تطويره واستدامته.

أما الباحث التراثي ياسر العبيدي، فيربط تاريخ شارع المتنبي بتاريخ “شارع الوراقين” الذي شكل مركزاً رئيسياً للكتاب والمعرفة منذ العهد العثماني، موضحاً أن الشارع ارتبط تاريخياً بمهن التجليد والقرطاسية والطباعة والنشر.

وقال خلال حديث تابعته(المدى) إن الكتاب كان يمثل في الماضي قيمة معرفية كبيرة، وكان الباحثون عن الثقافة والمعرفة يقصدون هذا المكان بصورة دائمة، إلا أن التحولات الرقمية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي أثرت على طبيعة العلاقة مع القراءة.

وأشار إلى أن جزءاً من الهوية الثقافية للمتنبي بدأ يتراجع تدريجياً لصالح الأنشطة التجارية والترفيهية، موضحاً أن بعض المظاهر التجارية والمطاعم والفعاليات الترفيهية باتت تستحوذ على مساحة أكبر من المشهد الثقافي التقليدي، رغم استمرار الشارع في الحفاظ على مكانته الرمزية كأحد أهم الفضاءات الثقافية المفتوحة في بغداد.

من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي هيثم اللامي أن النهضة العمرانية التي شهدها شارع المتنبي والمدينة القديمة ضمن مبادرة “نبض بغداد” لم تقتصر على الجانب الجمالي، بل أسهمت بشكل مباشر في تنشيط اقتصاد محلي يعتمد على الثقافة والسياحة والحرف الصغيرة.

وأوضح اللامي في حديث تابعته(المدى) أن أعمال تطوير الأرصفة وإحياء الواجهات التراثية وإعادة تأهيل الفضاءات العامة أعادت الحيوية إلى المنطقة وأسهمت في زيادة أعداد الزوار، الأمر الذي انعكس إيجابياً على أصحاب المكتبات والمقاهي والحرفيين العاملين في المنطقة.

وأضاف أن شارع المتنبي بات يمثل نموذجاً واضحاً لاقتصاد ثقافي قادر على خلق فرص عمل وتحريك الأسواق المحلية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على القطاع النفطي، مشدداً على أن المدينة القديمة تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها للتحول إلى مركز سياحي وثقافي متكامل إذا ما جرى استثمارها ضمن رؤية اقتصادية واضحة تحافظ على الهوية التراثية وتدعم الأنشطة المرتبطة بها.

ويجمع المتحدثون على أن شارع المتنبي لم يعد مجرد فضاء للكتاب والقراءة، بل أصبح منظومة اقتصادية وثقافية متكاملة، تكشف عن إمكانات كبيرة للاقتصاد الثقافي في العراق، وقدرته على المساهمة في تنويع مصادر الدخل وتحفيز النشاط السياحي والثقافي إذا ما حظي بالدعم والتخطيط المناسبين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *