يلاحظ القارئ النهم للأعمال الأدبية، المتردد دائماً على المكتبات، ليطلع على أحدث الإصدارات، ترجمات جديدة لأعمال أدبية كلاسيكية، لكبار الكتاب، فيرصد طبعات جديدة أنيقة، صادرة من دور نشر مختلفة. وبالتأكيد القارئ الملاحق للظواهر الأدبية، يريد التوقف عند أسباب ظاهرة الترجمات المتكررة، هل تقف وراءها المنافع المادية للناشرين، أم ضرورات ثقافية تمليها حاجة القراء إلى قراءة ما فاتهم من كلاسيكيات الأدب العالمي؟
هوس ناشرين
ما يخص هوس دور النشر في ذلك، هو أن تلك الأعمال المترجمة قديماً، من تلك التي سقطت عنها حقوق الملكية الفكرية، ما يتيح لهذه الدور الحق في إعادة نشرها مجدداً، بالترجمات القديمة نفسها، وبذلك تحقق أرباحاً مجزية، لا توفرها لها ترجمة الأعمال الحديثة، إذ أن عليها في حالة الأخيرة، أن تدفع للكاتب وكذلك للناشر الأصلي، فتترتب على اتفاق إعادة الترجمة دفعة أولى للأخيرين، ويتجدد الدفع سنوياً لهما بالنسبة المحتسبة على سعر الغلاف. وبالتأكيد تزداد نسبة الدفع، كلما كان الكاتب أكثر شهرة. وبذلك يفقد الناشر الجديد جزءاً كبيراً من أرباحه، ولذا يتجه إلى الأدبيات الكلاسيكية المشهورة، وبالذات التي سقطت حقوق ملكيتها الفكرية بعد وفاة مؤلفيها.
البلاغة والسلاسة
وهنا يدخل عامل آخر في ذكاء الناشر تجاه الأعمال الكلاسيكية المشهورة، نابع من معرفته بأنها سابقاً مترجمة بأساليب لغوية قديمة، تحرص على البلاغة أولاً، لذا يجد القارئ المعاصر صعوبة في التكيف معها. إن إدراك الناشر لذلك حسب خبراته في النشر وسوق الكتاب، يجعله يعمل على تكليف مترجمين معاصرين، يتفهمون ضرورة توفر السلاسة في الطبعات الحديثة، وهذا من شأنه جعلها مطلوبة لدى القارئ المعاصر، وازدياد الطلب يحفز الناشر على ضخ طبعاتٍ جديدة للأعمال المرغوبة، وبهذا يتصاعد مؤشر الربح التجاري عنده. وبهذا يتعين على دور النشر الجادة التعاقد مع مترجمين كفاءتهم عالية، يتكئون على ترسانة من المعاجم المتخصصة، والدراسات النقدية، وفهم أعمق للسياق السيكولوجي والتاريخي لكاتب النص الأصلي. هذا يتيح له تقديم ترجمة تفكيكية، تكشف عن الطبقات الدفينة تحت النص، والظلال الفلسفية التي قد تكون الترجمات السابقة قد أغفلتها لصالح الحكاية فقط.
أخطاء السابقين إشهار

ربما الأمانة الأدبية تدفع مترجمين للكلاسيكيات، إشهار أخطاء من سبقهم في الترجمة، بالإشارة في الطبعات الجديدة، في مقدماتها مثلاً إلى تلك الأخطاء، وأن هذه الطبعات مُنقحة منها. ويُضرب مثالٌ في هذا الشأن أن رواية « آنا كارنينا» لتولستوي، بلغت طبعاتها المترجمة الى الإنكليزية إلى خمس عشرة طبعة، مذ نشرت في روسيا عام 1877. يقول المهتمون بإشكالية إعادة الترجمة بسبب الأخطاء الترجمية، بأنها تزداد عندما يتعجل الناشرون في طرح ترجمات لأعمال كتاب حصدوا جوائز كبيرة، مثل نوبل، البوكر، الغونكور، فيتسابق الناشرون في التكليف السريع للمترجمين، ربما من بينهم، من لم يكونوا أكفاء، أو أن عجالة المترجمين تحت ضغط الناشرين توقعهم في أخطاء كبيرة، تقتضي إعادة ترجمتها، ومن تلك الأخطاء على العموم بالنسبة للقديمة والحديثة: الحذف، والزيادة غير اللازمة، والتأويل المفرط، والإخلال بالمعاني الموجودة في النص المصدَر. وهناك قضية مهمة، يتطلب تجاوزها إعادة الترجمة، ألا وهي قضية النص المنقوص، مثلاً هناك مترجم ما حذف في نصه ما يسيء إلى العادات والتقاليد في المجتمع، وتكون هناك وصمة في جبينه، إذا ما ترجمها كما هي، هذا إذا ما سعت الرقابة في بلد ما إلى التحفظ على الكتاب المترجم وعدم نشره في المكتبات. وفي عصر آخر، ربما تُلغى فيه تلك المحجوبات، يسعى أكثر من مترجم إلى اعادة ترجمة ذلك الكتاب المعني، من دون أي نقص، احتراماً لحرية النشر وللنص الأصلي.
مبدع وليس بخائن
هناك مقولة مفادها أن أي ترجمة تحمل قدراً من الخيانة للنص الأصلي. لكن الترجمة في عمقها هي فعل قراءة وإعادة إنتاج إبداعي. وكل مترجم هو مبدع يعيد صياغة الأثر الفني بروحية مختلفة، فالنص الكلاسيكي حمّال أوجه، وإعادة ترجمته تعني ضخ دماء جديدة في عروقه ليخاطب عصراً جديداً. وهنا نقول أين مقدار الخيانة في أعمال ترجمها الراحل سامي الدروبي (1021-1976)، أتحفنا بأروع أعمال ديستويفسكي، ترجماته منحت أعمالهم نفساً روحياً بلغة عربية بالغة العذوبة. وكذلك نذكر المترجم الراحل صالح علماني (1949-2019)، الذي فرش أمام القارئ العربي خريطة الواقعية السحرية المغروسة في أعمال غارسيا ماركيز وفارغاس يوسا وإيزابيل الليندي. ولن يغيب عن البال الشاعر والمترجم اللبناني الراحل بسام حجار (1955-2009)، الذي ترجم لكتاب كبار أمثال إيتالو كالفينو، ياسوناري كاواباتو، خورخي لويس بورخيس. وأعاد صياغة النصوص بنزعة شعرية وتكثيف شديد، فكانت ترجماته بمثابة نصوص موازية في الجمال والإبداع.
كاتب عراقي