لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” تقريرا أعدته نانسي يوسف وجوناثان ليمير، قالا فيه إن الرئيس دونالد ترامب لجأ إلى العقوبات الاقتصادية ضد إيران لحرف أنظار الناخبين الأمريكيين عن الحرب، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر.
وأضاف الكاتبان أن الرئيس ترامب لم يكن قادرا ولأشهر على وقف الحرب، فقد فقدت حملة القصف المكثفة فعاليتها، ونفد مخزون الذخيرة الأمريكية، وتراجعت الجهود الدبلوماسية، إذ ظل قادة طهران راضين عن إطالة أمد المفاوضات عمدا وتعزيز سيطرتهم على مضيق هرمز.
ولم يسهم وقف إطلاق النار الزائف الحالي، على الرغم من عدم استقراره الشديد، إلا قليلا في خفض تكلفة الطاقة عالميا.
ومع قلة الخيارات المتاحة، لجأت إدارة ترامب إلى حملة ضغط اقتصادي قد تطول، متعهدة بممارسة ضغوط على إيران حتى لا يجد قادتها خيارا سوى العودة الجادة إلى المفاوضات.
وتعلق المجلة أن هذا النهج قد يكون عديم الجدوى إن لم تعاقب الولايات المتحدة أيضا الدول التي لا تزال تقيم علاقات تجارية مع إيران وتحافظ على اقتصادها. مشيرة إلى أن ترامب أبدى تاريخيا عزوفا عن مواجهة دول مثل الصين وروسيا، أو حتى كوريا الشمالية، التي تربطها علاقة تحالف إستراتيجي مع طهران.
وأضافت المجلة أن هذا الخيار يتيح للبيت الأبيض القول إنه يحاول شيئا ما. ثم، وهذا هو الأهم، التوقف عن الحديث عن الحرب.
ويقول مستشارو ترامب وحلفاؤه إن جزءا من الخطة يتمثل في محاولة تهميش قضية إيران، على أمل أن تنخفض أسعار الغاز ولو قليلا بطريقة يستطيع فيها الجمهوريون تحويل انتباه الناخبين إلى قضايا أكثر قبولا سياسيا قبل انتخابات التجديد النصفي.
ولن يغير ذلك الواقع على الأرض في الشرق الأوسط. فقد توترت التحالفات وأُرهقت القوات الأمريكية وأصبحت إيران تتمتع بنفوذ أكبر بكثير في المنطقة مما كانت عليه في بداية الحرب قبل نحو ستة أشهر.
ومع ذلك، قد يجد ترامب الذي يبرع في أساليب تشتيت الانتباه، فرصة في هذا للتركيز على أولويات أخرى، حرب تجارية مع كندا مثلا، وربما مزاعم تزوير الانتخابات أو إنقاذ مجلس واحد على الأقل من الكونغرس لحزبه هذا الخريف.
ونقل الكاتبان عن أحد مستشاري ترامب قوله: “نحن نحاول فقط الصمود حتى انتخابات التجديد النصفي”.
وقالت المجلة إن الإستراتيجيين في كلا الحزبين يعتقدون أن الديمقراطيين هم الأوفر حظا للفوز بمجلس النواب. وعلى الرغم من أن خريطة مجلس الشيوخ تميل لصالح الجمهوريين، إلا أن المجلس الأعلى ينظر إليه على أنه متقارب للغاية.
وقد كانت التوجهات بالفعل ضد الجمهوريين: فتقليديا، يميل الحزب المعارض إلى تحقيق نتائج جيدة في انتخابات التجديد النصفي، وعلى مدى العقد الماضي، بدا مؤيدو ترامب أقل ميلا للتصويت عندما لا يكون اسمه على ورقة الاقتراع.
كما لم يبذل الرئيس جهودا تذكر للمساعدة، وتراجعت شعبيته بشكل حاد، حتى في ملفي الاقتصاد والهجرة، وهما من نقاط قوته المعتادة.
وقد تجنب الجمهوريون، خوفا من ردود فعل سلبية، عقد لقاءات جماهيرية هذا الصيف، متجاوزين بذلك ما يعد عادة وسيلة فعالة للتواصل مع ناخبيهم. وواجه عدد قليل ممن عقدوا لقاءات في دوائرهم الانتخابية غضبا وأسئلة صعبة حول إيران، بما في ذلك دوافع الولايات المتحدة لشن الحرب من الأساس.
وفي الوقت نفسه، حث الجمهوريون البيت الأبيض على إنهاء الحرب وتخفيف أثرها السلبي على الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي على فرص إعادة انتخابهم.
لكن الحل ظل بعيد المنال، فلم تكن أهداف ترامب في هذه الحرب واضحة قط، بل تغيرت مرات عديدة. كما اختفت الوعود الطموحة بتغيير النظام أو منع إيران من امتلاك برنامج نووي.
وبدلا من ذلك، أخبر الرئيس حلفاءه السياسيين سرا أنه بمجرد إعادة فتح مضيق هرمز، يميل إلى إعلان النصر والمضي قدما، وفقا لما ذكره مستشار خارجي ومسؤول رفيع في الإدارة شريطة عدم الكشف عن هويتهما. لكن حتى هذا الأمر أثبت أنه مقلق: فقد استمرت إيران في تهديد السفن العابرة للمضيق وأصرت على فرض رسوم وأعلنت دول أخرى في المنطقة أن هذا الأمر غير مقبول، فالمضيق كان مفتوحا وحرا قبل الحرب. على الرغم من أن ترامب لم يبد رأيا واضحا بشأن ما إذا كان سيتقبله أم لا.
وقال الرئيس يوم الثلاثاء إن آخر الألغام الإيرانية قد أزيلت من الممر، لكن مسؤولا من إحدى دول المنطقة أكد للمجلة أنه حتى لو كان هذا صحيحا، فما زال بإمكان إيران ترويع السفن بزوارق صغيرة وقاذفات صواريخ محمولة وطائرات مسيرة.
وعبّر الجمهوريون للبيت الأبيض عن موافقتهم على حملة الضغط الاقتصادي الجديدة، التي أعلن عنها وزير الخزانة سكوت بيسنت في وقت سابق من هذا الأسبوع. ويأمل المكتب السياسي للبيت الأبيض أن تحكم الخطة قبضتها بهدوء، فيما وصفه بيسنت بأنها “خنق اقتصادي” وبطريقة تؤدي إلى نوع من التقدم المطرد في وقف الحرب، مع ميزة إضافية تتمثل في إبعاده عن عناوين الأخبار. فكلما تصدرت تهديدات ترامب العدائية تجاه إيران عناوين الأخبار، فإنها تضر بالجمهوريين.
ويعتقد البعض في الإدارة أن الانقسامات الناشئة في قيادة طهران قد تحفز المحادثات. وإذا نجحت العقوبات الجديدة في دفع إيران إلى طاولة المفاوضات قبل تشرين الثاني/نوفمبر، فربما تؤدي محاولة جديدة للدبلوماسية إلى انتعاش الأسواق وتعطي دفعة أخيرة للجمهوريين.
وتعلق المجلة أن ترامب ملّ من الحرب منذ فترة، فقد حثه مساعدوه على التركيز على الاقتصاد لدعم المرشحين الجمهوريين، لكنه استمر في التقليل من شأن تحديات القدرة على تحمل التكاليف التي تواجهها البلاد، الأمر الذي أثار استياء مساعديه.
وبينما لا يزال ترامب غاضبا من رفض إيران التنازل، أقنعه مساعدوه بمنح الخطة الجديدة فرصة.
وفي النهاية، هذه ليست فكرة جديدة. فقد اعتمد ترامب على حملة “أقصى ضغط” منذ ولايته الأولى لمحاولة إجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي. لكن أجهزة الاستخبارات أخطأت في اعتقادها بأن إيران ستنهار سريعا تحت وطأة الضغوط المالية، ويبدو أن النظام مستعد لتحمل مصاعب جمة والتسبب بمعاناة مواطنيه من أجل التمسك بالسلطة.
ويحمل النهج الجديد مخاطر سياسية خاصة به، فإذا صمدت إيران، فربما امتدت حملة الضغط إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، مما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار خلال هذه الفترة. ولم يشن الجيش الأمريكي أي ضربات على إيران منذ أسابيع. ويأتي هذا الهدوء النسبي هذا الشهر في أعقاب سلسلة طويلة من استخدام القوة في محاولة لانتزاع تنازلات من إيران، والتي باءت بالفشل. فبعد حملة ضربات استمرت 13 يوما في تموز/يوليو، خلص الجيش الأمريكي، في تقييم غير رسمي، إلى أن تمديد الحملة سيؤدي إلى نتائج عكسية، بل سيزيد من حدة النقص الحاد في الذخائر الذي يعاني منه الجيش الأمريكي.
وفي النهاية، لم يعرف عن ترامب قط انضباطه الكبير، وربما نفد صبره من الانتظار. لكن لإيران أيضا دور في تحديد ما سيحدث بين الآن وتشرين الثاني/نوفمبر.
ومن المرجح أن تثير العقوبات الأمريكية الأكثر صرامة ردا من إيران، لا سيما وأن قادتها يريدون أن تتحمل الولايات المتحدة تبعات الحرب. كما تراقب إيران انتخابات التجديد النصفي عن كثب، إذ يخشى بعض المسؤولين أن يصبح ترامب أكثر عدوانية في الأسابيع التي تلي الإدلاء بالأصوات، مما يدفعهم إلى التصعيد أولا وإعادة الحرب إلى أذهان الناخبين.