يعرف الشعر الأمازيغي طفرة نوعية بعد أن كان، إلى وقت قريب، منسيّاً أو شبه هامشي في المدونة الشعرية المغربية، لأسباب تاريخية وسياسية وسوسيوثقافية. ويتميز هذا الشعر بتعدد أنماطه البنائية حسب بنية المتن وموسيقاه وموضوعاته، ويكشف علاقاته البلورية بالأرض والطبيعة والزمن والذاكرة والمخيال الاجتماعي. منذ التسعينيات، سيشقّ شعراء الأمازيغ حداثتهم الشعرية بروح عارمة، مقترحين نصوصا شعرية جديدة ما فتئت تتخلص من الطبيعة الشفوية والإنشادية، التي غلبت على شعرهم في أزمنة سحيقة. وبعد ترسيم الأمازيغية والتطبيع معها، ظهر جيل جديد من الشعراء وصلوا ما بدأه جيل الرواد بلحظتهم الراهنة، يكتبون بحساسية جديدة، وفق تعاقد جمالي مختلف يعمل على توطين المكتوب بديلاً عن الشفاهي، ويشتغل على أسئلة الذات والهوية والمنفى والحداثة واللغة، ينتمي إلى طليعة هذا الجيل صالح آيت صالح (1992). أصدر مجاميع شعرية، مثل: ankruf n tama (الزاوية المهملة) 2014، وarttal i tayri (إعارة الحب) 2018، tadla n inttagn (باقة الشوك) 2019؛ وهو العمل الذي نال الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية. كما كتب القصة والرواية، وظهرت له ترجمات إلى الأمازيغية لأعمال دوستويفسكي، وكريستيان أندرسن، ومحمد شكري وغيرهم. اختار الكتابة باللغة الأمازيغية لأنها «بيت الكينونة الأول» كما يقول، لكن الشفوية في الشعر الأمازيغي لم تكن، في نظره، عائقا، بل هي خزان رمزي استطاع الشاعر الأمازيغي أن يستلهمه ليعيد صياغته ضمن بنيات حداثية.
*ما الذي قادك إلى الشعر؟ ولماذا اخترت الكتابة باللغة الأمازيغية وليس العربية على عادة أبناء جيلك؟
ـ أستطيع القول إنني لم أختر القصيدة بقرار إرادي بارد، بل إنني ولدت في بيئة تسكنها الشعرية بالفطرة؛ فنحن كمغاربة، وفي أعماق ثقافتنا الأمازيغية، نتنفس الشعر كإيقاع يومي لا ينفصل عن الحياة. لقد كان الشعر حاضرا في تفاصيلنا الصغيرة؛ في أهازيج الأمهات داخل المنازل، وفي أهازيج الفلاحين وهم يغازلون الأرض في الحقول. الشعر عندنا ليس ترفا، بل هو المناخ الوجودي الذي ننمو فيه. في مرحلة الثانوي التأهيلي، بدأ الوعي بجمال الكلمة يتشكل بوصفه حاجة للاختلاف؛ كنا نتحين فرص الأسابيع الثقافية داخل أندية المؤسسة لنجهر بأصواتنا المقترضة آنذاك، كنا نستعير حناجر الرواد، فنلقي نصوص «المستاوي» و»أزايكو» بحماس، ونردد قصائد مجموعة «إزنزارن» الغنائية كتمائم وجودية، حيث كانت تلك الكلمات تمنحنا صوتا حينما لم نكن نملك بعد لغتنا الخاصة. لكن، سرعان ما شعرت بأن تلك الأصداء المستعارة لا تكفي لسد جوع «الرغبة في الشعر»؛ فبدأت أحاول اجتراح طريقي الخاص عبر خربشات أولى كنت أسميها -بكثير من الوجل والدهشة – شعرا. كانت تلك المحاولات هي حجر الزاوية في بناء وعيي المستقل؛ إذ أدركت بعد اطلاعي على تجارب شعرية أمازيغية مختلفة وبلغات مختلفة، أن الشعر ضرورة قصوى لفهم تشققات الذات والعالم.
أما عن اختيار الكتابة باللغة الأمازيغية دون غيرها، فهو انحياز وجودي وجمالي للغة الذات وبيت الكينونة الأول. لقد اخترت الأمازيغية لأنني لا أريد أن أكون مجرد صدى في لغات الآخرين، بل أردت أن أمنح لغتي الأم حقها في أن تكون لغة واصفة وعالمة، قادرة على اقتحام غمار الحداثة الكونية. إن كتابتي بالأمازيغية هي فعل يرفض الركون للشفاهية العابرة، أو الاكتفاء بالنظم التقليدي الموجه للاستهلاك الجماعي، لقد اخترت الأمازيغية لأنها اللغة التي تختزل جراحاتي وأحلامي بأمانة لا تملكها لغة أخرى؛ ولأنني أردت المساهمة في مأسسة الشعرية الأمازيغية ونقلها من الهامش الشفوي إلى مركز التدوين الشعري الرصين. إن الكتابة بالأمازيغية بالنسبة لي اليوم هي الأداة الأنطولوجية التي أرمم بها انكسارات الكينونة، وهي محاولتي الدؤوبة لمنح تلك التشققات لغة استعارية تجعل من الألم دهشة ومن الجمود حركة. لقد كان الشعر، وما يزال، هو الملاذ الذي أفر إليه من صخب الواقع التقريري، لأعيد صياغة موقفي من الوجود، وأغتنم فيها حقي في الانتماء للمتخيل، وأنفتح من خلالها على آفاق الحداثة العالمية دون مركب نقص. أنا لا أكتب بالأمازيغية لأنني لا أتقن غيرها، بل لأنني أؤمن أن الإبهار الحقيقي يكمن في قدرة هذه اللغة العريقة على صياغة أدق خلجات الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي بصور استعارية تزرع الدهشة في روح المتلقي.
*من المعروف أن الطبيعة الشفوية غلبت على الشعر الأمازيغي فلم يستطع أن يتخلص منها، أو من الشعر الذي يُلْقى في «أسايس» على الملأ إنشادا وشفاهةً. إلى حدّ يمكن القول إن هذا الأمر قد استحال عائقا حقيقيّاً في سبيل تجديد الشعر وتطوير بنياته وموضوعاته؟
ـ المشهد الإبداعي اليوم ليس كتلة واحدة، بل هو فضاء تتجاور فيه مستويات جمالية متباينة. حصر الشعر الأمازيغي في «الطبيعة الشفوية»، أو في فضاء «أسايس» هو توصيف ينطبق على «الشعر التقليدي الموزون»، لكنه يغفل طفرة الأدب الأمازيغي الحديث، التي قطعت أشواطا بعيدة في الكتابة منذ عقود. ومن هذا المنطلق، فإن الشعر الحديث هو في جوهره رفض للجمود وللتقديس الأعمى للتراث، وهو موقف وجودي يسعى لتحرير «القول الشعري» من قيد النمطية والاستعارات المألوفة والمتكررة. أما بخصوص فرضية «العائق الشفوي»، فإنني أرى أن توصيف الشفوية كعائق هو حكم نسبي يتوقف بالدرجة الأولى على رهان المبدع وذائقته الجمالية وموقفه من أدواته الفنية؛ فبقدر ما تمثل قوالب «تلالايت» عائقا بنيويا يحاصر الشاعر الذي يرتضي دور «الناظم» المردد لصدى الجماعة، نجد أن الشاعر الحديث قد حولها من «قيد» إلى «خامة» رمزية يعاد تشكيلها بوعي كتابي جديد ومستقل. ويكفي أن نتأمل في تجارب رائدة أسست لقطيعة إبستيمولوجية مع الماضي؛ فتجربة «علي صدقي أزايكو» زاوجت بعبقرية بين جرس الموزون، والتمرد الإيقاعي؛ فاتحةً الباب أمام «أنا» الشاعر(ة) لتعبر عن قلقها الذاتي بعيدا عن صخب الجماعة. وفي السياق ذاته، نجد تجربة محمد وگرار الذي اجترح نفسا شعريا جديدا، متمردا على تراكيب اللغة التقليدية ليعيد بناءها وفق رؤية حداثية مرنة.
لا أرى في الشفوية عائقا، بل هي خزان رمزي استطاع الشاعر(ة) الأمازيغي الحديث أن يستلهمه ليعيد صياغته ضمن بنيات حداثية. ومن هذا المنطلق، فإن الشعر الحديث هو في جوهره رفض للجمود وللتقديس الأعمى للتراث، وهو محاولة للانتقال من «شعرية النظم» الجماعية إلى «شعرية الكتابة» الفردية القادرة على مساءلة الوجود. والحق أننا إذا أردنا ممارسة نقد حقيقي، وجب علينا الجزم بأن الشفوية ليست في حد ذاتها هي التي تقف عائقا أمام تطور الشعر، وإنما تلك «العقول الماضوية» التي تصر على تجميد الوعي الجمالي عند لحظة تاريخية معينة. الشفوية بالنسبة إلى الشاعر الحديث ليست قيدا، بل هي مُزوِّد (ءاولك) سيميوطيقي ومادة خام يعاد صهرها في وعاء الحداثة؛ أما العائق الحقيقي فيكمن في «أيديولوجيا الحراسة» التي يمارسها البعض لتقديس القوالب الجاهزة ورفض أي انزياح عنها.
إن هؤلاء الذين يختزلون الشعر في نظام «تلالايت» (الموزون) يرتكبون جناية في حق الإبداع؛ لأنهم يحاولون سجن السيولة الشعرية في ثبات القالب. المشكلة إذن ليست في اللسان الذي نطق بالشعر شفويا لقرون، بل في العقل الذي يرفض مبدأ التطور ويخشى مغامرة الكتابة الفردية. وهذا الشقاء هو ما يحاول الشاعر الحديث تجاوزه عبر تحويل الشفوية من سلطة مرجعية إلى أفق استعاري مفتوح، في تجاوز تام للبعض الذي يمارس نوعا من «الغلو الجمالي» المنحاز لنمط شعري بعينه، والذي قد يصل حد «التكفير الفني»؛ وذلك حين يردد البعض: «ءيد بو تاترارت ءاد، ءاد تن ئهدو ربي»؛ بمعنى: (نسأل الله الهداية لشعراء الحداثة)، بزعمهم أن الخروج عن بنية «تلالايت» (الموزون) هو ضلال إبداعي. إن مثل هذه القراءات ترفض مبدأ الاختلاف الكوني وتختزل الشعر في الجرس الموسيقي فقط، بينما الحقيقة أن الشعر الحديث توجه جمالي مشروط بالتمرد على القوالب الجاهزة لفسح المجال أمام لغة استعارية قادرة على استيعاب تعقيدات العصر.
*أنت تنتمي إلى الجيل المتأخر من شعراء الأمازيغية. ما هي أبرز المكتسبات التي أضافها هذا الجيل إلى المدونة الشعرية الأمازيغية؟ وهل ثمّة تواصل مع جيل الروّاد، أم انقطاع؟ وهل استطاعت حداثتها أن تضارع حداثة الشعر العربي كتابيّاً وفنّياً؟
ـ انتسابي إلى هذا الجيل، هو في الحقيقة انتساب إلى لحظة وعي قصوى في تاريخ الإبداع الأمازيغي؛ فنحن جيل جاء ليحمل وزر الحداثة في بيئة كانت لقرون رهينة الشفاهة والجماعة. بخصوص المكتسبات، أرى أن أبرز ما أضافه هذا الجيل هو «فردانية الخطاب»؛ فقد انتقلنا بالقصيدة من هموم الجماعة والقبيلة و»أسايس» إلى شعرية الذات وأسئلة الوجود القلقة. لقد نجح هذا الجيل – بفضل تكوينه الأكاديمي وانفتاحه الكوني- في ممارسة تطوير لغوي واستعاري للشعر، مبتعدا عن اللغة الهجينة، ومنتصرا للغة واصفة تشتغل على الاستعارة والرموز الكونية والمفاهيم الفلسفية. نحن جيل لم يعد يرضى بأن يكون الشعر مجرد نظم للمناسبات والأعراس، بل جعلنا منه موقفا أنطولوجيا من العالم، مستفيدين من غزارة التعابير الأدبية المولدة من خلال تجارب شعرية محلية وكونية التي أضفت عمقا سيميائيا على المتن الشعري الأمازيغي. أما عن سؤال التواصل والانقطاع، فإننا لا نؤمن بالقطيعة المطلقة؛ فنحن جيل يرى في الرواد من أمثال: علي صدقي أزايكو، وإبراهيم أخياط، ومحمد وگرار، ومحمد أوسوس، ومبارك بولگيد، بمثابة الآباء المؤسسين الذين وضعوا اللبنات الأولى للفعل الكتابي. التواصل هنا هو حوار إبداعي وليس ترديدا سلبيا؛ وهذا الجيل يمتلك القدرة على تجاوز أساليبهم الإيقاعية مع تقدير لروحهم التحديثية. القطيعة الحقيقية التي يمارسها هذا الجيل ليست مع الرواد (الموزون، الحديث)، بل مع الجمود الذي يحاول حصر الشعر في الماضي، فنحن نواصل بناء الصرح الذي بدأوه، لكن بأدوات زمننا وقلقنا الراهن.
وبالحديث عن مضارعة الحداثة الشعرية العربية، أزعم أن الشعر الأمازيغي الحديث اليوم لا يقل شأنا من حيث العمق الفني والاشتباك مع القضايا الإنسانية الكبرى. نعم، قد يكون تراكم التدوين الشعري العربي أسبق زمنيا بفعل ظروف سياسية وتاريخية وسوسيوثقافية، لكن القصيدة الأمازيغية المعاصرة استطاعت في وقت وجيز أن تعولم المحلي، وتنتج نصوصا تضارع في بنيتها التركيبية وتكثيفها الاستعاري كبريات التجارب الحداثية العربية والعالمية. الحداثة عندنا ليست تقليدا للمركز اللساني المهيمن، بل هي انبثاق ذاتي وقدرة على إنتاج الدهشة وتوليد الأسئلة الوجودية بلغة هذه الأرض التي ترفض الجمود. نحن اليوم لا نكتب لننافس أحدا، بل للقبض على الجماليات التي يزخر بها المتخيل الأمازيغي، وإنتاج جماليات موازية لها بلغة أمازيغية مرنة قادرة على صياغة أفراح ومأساة الإنسان المعاصر وهشاشته بوسائل فنية كونية.
*صدرت لك في السنوات الأخيرة؛ منذ عام 2014، أعمال شعرية بالحرف الأمازيغي «تيفيناغ». لماذا الكتابة بهذا الحرف وليس العربي أو اللاتيني؟ وما هي أهمّ المواطن الكتابية التي وجدتَ أنها تحتاج إلى تجديد واكتشاف على الصعيدين الشكلي والمضموني؟
ـ اختياري للكتابة بحرف تيفيناغ لم يكن مجرد انحياز شكلي أو عاطفي، بل هو انخراط في مأسسة اللغة الأمازيغية والتهيئة اللغوية التي باشرها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM)؛ ذلك المجهود المؤسساتي الذي نقل حرف تيفيناغ من فضاء النقوش الصخرية العفوية إلى رحاب المعيارية والتقعيد، مما جعله حرفا طيعا يمتلك كل مقومات الحداثة الخطية القادرة على استيعاب أعقد النصوص الإبداعية. فالكتابة بهذا الحرف العريق هي عودة بالأمازيغية إلى بيت كينونتها الأول، وتحريرها من البيوت المستعارة التي فرضتها ظروف تاريخية وسوسيوثقافية معينة، سواء كان الحرف العربي أو اللاتيني. الكتابة الأمازيغية بحرفها تيفيناغ هي اشتغال مستمر لاكتشاف المسكوت عنه في الذات الأمازيغية؛ فنحن نكتب لنثبت أن لغتنا بهويتها البصرية العريقة وتحديثها المؤسساتي الراهن، قادرة على صياغة أبهى صور الحداثة الشعرية، محققة تلك المصالحة التاريخية بين العمق التاريخي والإبداع.
* عانى الشعر الأمازيغي من التهميش المؤسسي ومن غياب النقد الأكاديمي، لكن نرى اليوم في ظل انبعاث الدراسات الأمازيغية اهتمام الجامعة الأمازيغية بهذا الشعر على مستوى الأطاريح والندوات العلمية. ما هي الآثار التي يمكن أن تتركها مثل هذه الوضعية الجديدة على مستقبل الشعر والأدب الأمازيغي بشكل عام، لاسيما بعد إضفاء الطابع الرسمي على الأبجدية ومَعْيَرتها وتدريسها؟
ـ إن انتقال الأدب الأمازيغي من التهميش إلى مركز المؤسسة الأكاديمية يمثل منعطفا إبستيمولوجيا حاسما؛ فنحن اليوم لا نتحدث فقط عن مجرد اهتمام بحثي عابر، بل عن صياغة شرعية مؤسساتية جديدة تعيد الاعتبار للمنجز الإبداعي الأمازيغي وتضعه في مصاف الآداب العالمية الخاضعة للمساءلة العلمية. ودخول الشعر والأدب الأمازيغي إلى محراب الجامعة المغربية عبر الأطاريح والندوات، مكن الشعر الأمازيغي الذي عانى طويلا من غياب المرآة النقدية الرصينة، من الانعتاق من عفوية التلقي والأحكام الانطباعية التي سجنته طويلا في خانة الفولكلور، أو النضال الهوياتي الصرف، مما جعل تقييم النصوص رهينا بالعاطفة أو الانحياز الأيديولوجي. اليوم، يساهم النقد الأكاديمي في تخليص الإبداع من عفوية التلقي لينقله إلى صرامة التحليل؛ وهذا يدفعنا، نحن المبدعين، إلى تجويد الصنعة الأدبية والوعي بالبنيات الجمالية لنصوصنا، لعلمنا أنها ستكون موضوعا لمشرحة النقد الأكاديمي المتسلح بالمناهج الحديثة. كما أن إضفاء الطابع الرسمي على اللغة الأمازيغية والأبجدية (تيفيناغ) وتوحيدها عبر التهيئة اللغوية التي قادها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، قد يوفر للأدب بنية تحتية لسانية صلبة. هذا المسار سيؤدي بالضرورة إلى تجاوز الجهوية اللغوية الضيقة نحو لغة أدبية مشتركة بين المتغيرات الثلاثة؛ وهو ما قد يساهم في توحيد المخيال الإبداعي الأمازيغي وتسهيل مقروئية النصوص عبر مختلف المناطق، وبالتالي يضمن استمرارية الأدب وتراكمه النوعي، وذلك بمساعدة قطاع التربية والتعليم في تكوين أجيال قارئة لهذا الأدب عبر تعميم تدريس اللغة الأمازيغية أفقيا وعموديا. إن تعميم تدريس الأمازيغية والاشتغال على نصوصها في المدارس والجامعات، سيخلق جيلا جديدا من القراء المتمكنين من ناصية اللغة وحرفها المعياري. هذا يعني أن الأدب الأمازيغي لن يظل سجين نخبة معينة، بل سيتحول إلى مادة معرفية وجمالية متاحة لجميع المغاربة، مما يضمن تدفق دماء جديدة في جسد الإبداع، وظهور حساسيات أدبية شابة تقطع مع النمطية وتراهن على التجريب. ذائقة فنية تتذوق «الأدبية» لذاتها بعيدا عن الاستهلاك الأيديولوجي. والأدب الأمازيغي اليوم أصبح وعاء يحمل الهوية ببديهية فنية، مفسحا المجال للارتقاء بالمتن السردي والشعري من ضيق المرافعة إلى رحابة المتعة، وهو ما يفسر التحول العميق في بنية الخطاب، بعد أن كان هذا الأدب في مراحل سابقة محملا بوظيفة نضالية مباشرة لإثبات الوجود. اليوم، وفي ظل هذه الوضعية الجديدة، بدأ المبدع يتحرر من ثقل الوظيفة الهوياتية ليركز على القيمة الجمالية الصرفة. وسيكون من واجب المؤسسة الأكاديمية أن تحمي الأدب من النسيان والزوال، على نحو يمنح الشاعر والروائي والقاص ترف الاشتغال على الفن للفن واقتناص التفاصيل الإنسانية والكونية، بعيدا عن ضجيج الشعارات. فمستقبل الأدب الأمازيغي رهين بهذا التكامل بين الصنعة الابداعية ورصانة الأكاديمي؛ فاللغة المشتغل عليها والدرس الجامعي هما الجناحان اللذان سيحلقان بهذا الأدب نحو آفاق الكونية.
* اشتغلت وبعض أبناء جيلك بالترجمة؛ ترجمة بعض عيون الأدب العالمي بالحرف الأمازيغي «تيفيناغ»، بما في ذلك «الخبز الحافي» لمحمد شكري. ما هي مشكلات الترجمة بلغة ما تزال لم تحقّقْ تراكُماً في المجال؟ وهل ثمة رهانات سياسية وجمالية من هذا الفعل الترجمي؟
ـ إن فعل الترجمة إلى اللغة الأمازيغية ليس طفرة حديثة أو وليد اللحظة الراهنة، بل هو تقليد فكري راسخ يمتد لقرون خلت. لقد شكلت الأمازيغية، تاريخيا، وسيطاً لغويا لاستيعاب وترجمة المتن الديني والفقهي؛ حيث يزخر التراث المغربي برصيد هائل من المخطوطات الأمازيغية التي تُرجمت بها عدة كتب، لاسيما في المدارس العتيقة بسوس والأطلس. لقد أدرك والفقهاء الأمازيغ مبكرا أهمية الوساطة اللسانية لتأطير المجتمع؛ فقاموا بترجمة معاني القرآن الكريم وشروح الأحاديث النبوية وقواعد الفقه (كما نجد في منظومة «الحوض» لأوزال، ومنظومة «أزناگ»). هذه التجربة التاريخية لم تكن مجرد نقل آلي، بل كانت تبيئة معرفية أثبتت من خلالها الأمازيغية قدرتها المبكرة على صياغة المصطلحات المجردة والمفاهيم المعقدة. لكن اليوم، ومع انبثاق الفكر الحداثي وانتقال البنية الذهنية من أطرها التقليدية الوظيفية إلى رحاب الوعي النقدي المعاصر، أصبحت الترجمة ورشة للتحديث اللساني والجمالي بامتياز، فلم تعد تنحصر في دور الوساطة التعليمية أو التبليغ الديني، بل تحولت إلى فعل إعادة بناء النصوص بالأمازيغية ضمن الجماليات الأدبية الكونية.
بالنسبة إلى ترجمتي لعمل محمد شكري «الخبز الحافي» إلى الأمازيغية، يمكنني الجزم بأنني لم أواجه أي عقبات لغوية جوهرية؛ إذ بدا لي النص وكأنه يعود إلى «بيته الأصلي». فلم تكن عوالم محمد شكري غريبة عن النسق الثقافي والوجداني الذي أنتمي إليه كأمازيغي، بل إنني شعرت بأن اللغة الأمازيغية تمتلك أهلية طبيعية وصلاحية كبرى لاستيعاب هذا المتن. وهذا التماهي مع نص محمد شكري يثبت أن المضامين الثقافية المغربية واحدة في جوهرها، مهما اختلفت الألسن؛ فالبؤس، وخشونة الواقع، والحس الإنساني المفرط في صدقه الذي ميز تجربة هذا الكاتب، يجد صداه العميق في الأمثال والأشعار والحكايات الأمازيغية العريقة. لقد وجدت في الأمازيغية معجما طيعا وقدرة هائلة على وصف الهامش وتشققاته بصدق.
إن سهولة العبور من لغة محمد شكري إلى الأمازيغية تؤكد أن لغتنا ليست قاصرة عن مجاراة الآداب الأخرى، بل هي لغة إبداعية حين تجد نصا يشبه روحها. اللغة الأمازيغية بطبيعتها التاريخية، تمتلك معجما غنيا جدا فيما يخص الطبيعة والأرض والمشاعر الفطرية، لكنها عند مواجهة نص في مجال القانون مثلا، تجد نفسها أمام تحدي صياغة لغة حديثة، بلغة لم تألف طويلا الاحتكاك مع لغة المؤسسة الحديثة. وهنا تبرز مشكلة النحت المصطلحي؛ إذ نجد أنفسنا مضطرين لاستثمار مجهودات «التهيئة اللغوية» للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والمزاوجة بين استعادة المهجور من المفردات العريقة وبين توليد اشتقاقات جديدة قادرة على منح النص المترجم نفسا حداثيا لا يشعر فيه القارئ بغربة المعنى.