القصة القصيرة بوصفها أرشيفاً للغياب


 حين يختار كاتب جنساً أدبياً في التعبير عن تجربته الإنسانية مثل جمال العتّابي، فإن اختياره لا يأتي استجابة لاعتبارات فنية فحسب، بل يرتبط بطبيعة رؤيته إلى العالم والإنسان والذاكرة. ومن خلال قراءة مجموعته القصصية «ساق تحدّق»، الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب في العراق 2026. يبدو واضحاً أن القصة القصيرة لديه ليست جنساً أدبياً بديلاً عن الرواية أو المقالة، بل هي الصيغة الأقدر على التقاط اللحظة الإنسانية المهددة بالغياب. فيه يخوض العتّابي تجربة جديدة في ميدان السرد بعد أن قدّم روايته الأولى «منازل العطراني» عام 2023، وكانت تجربة ناجحة في رأي أغلب النقاد، الذين تناولوا النص بالدراسة والتحليل.
يقودنا هذا التحول في جنس الكتابة إلى تأكيد ما ذكره الكاتب الكولومبي ماركيز  بالقول: إن الرواية تبدأ عندما يكون لديك شيء كثير تريد قوله، أما القصة القصيرة فتبدأ عندما يكون لديك شيء واحد لا يمكنك تجاهله. ربما وجد العتّابي في هذا القول مرجعاً معرفياً استند إليه في كتابة القصة القصيرة. بوصفها تشبه صناعة ساعة دقيقة، تتطلب انضباطاً أشد من الرواية، بينما شبّه ماركيز  الرواية ببناء كاتدرائية.. ترتكز قصص المجموعة على ثلاثة أسس هي: الذاكرة والفقد والمكان. فالكاتب لا يروي أحداثاً مكتملة بقدر ما يستدعي آثارها الباقية في النفوس. الأسماء القديمة، دفاتر الهواتف، المقاهي، الأزقة، الرفاق، الجنود، الفلاحون، والأخوة الغائبون، جميعهم يتحولون إلى شواهد على تاريخ اجتماعي وإنساني واسع.  في قصة «دليل الهاتف» يتجسد هذا المنحى بوضوح. فالدفتر الذي يبدو في ظاهره مجرد سجل للأسماء والأرقام يتحول إلى أرشيف للغياب العراقي. كل اسم يفتح باباً على مصير، وكل رقم يستدعي حكاية، حتى يصبح البحث في الدفتر بحثاً في الخراب، الذي أصاب حياة أجيال كاملة. هنا لا يعود الهاتف وسيلة اتصال، بل أداة لاستدعاء الموتى والغائبين والمنفيين من الذاكرة.

سمات قصص المجموعة أن أبطالها ليسوا شخصيات استثنائية. إنهم أناس عاديون: فلاحون، جنود، موظفون، أصدقاء، معلمون، وأبناء أحياء شعبية. لكن الكاتب يمنحهم مكانة رمزية تجعل من كل واحد منهم مرآة لجماعة بشرية كاملة. وهنا تكمن إحدى أهم خصائص القصة القصيرة الحديثة: تحويل الفردي إلى إنساني عام. لا تبحث قصص العتّابي عن البطولة بقدر بحثها عن أثر الكارثة في الإنسان البسيط. الحروب، التهجير، الخوف، الاستبداد، الفقر، والموت ليست موضوعات مباشرة في النصوص، بل خلفية ثقيلة تحاصر الشخصيات وتعيد تشكيل مصائرها. ولذلك تبدو المجموعة أقرب إلى سجل وجداني للعراق في العقود الأخيرة من تاريخه المعاصر. يمكن فهم سبب لجوء الكاتب إلى القصة القصيرة. فهي بطبيعتها: فن اللحظة المكثفة، والومضة الكاشفة، والذاكرة الخاطفة.

وهي أكثر قدرة من الرواية أحياناً على الإمساك بلحظة إنسانية تحمل داخلها زمناً كاملاً. ولهذا نجد أن كثيراً من القصص تقوم على استحضار مشهد أو ذكرى أو مواجهة عابرة، لكنها تنفتح على دلالات واسعة. إن تجربة جمال العتّابي القصصية تقترب في بعض جوانبها من الرؤية التي عبر عنها أنطوان تشيخوف حين رأى أن مهمة القاص ليست تقديم الحلول، بل الكشف عن جوهر الحياة. كما تلتقي مع يوسف إدريس في اهتمامها بالإنسان العادي، ومع نجيب محفوظ في الإيمان بأن التفاصيل الصغيرة قادرة على تمثيل التحولات الكبرى في المجتمع. والحديث عن السرد في القصة القصيرة، يعني الحديث عن الراوي في الوقت ذاته، وعن وجهات النظر أو ما يسمى بـ(الرؤى) في الحكاية. تلك الظاهرة الفنية التي يعيرها النقد المعاصر، بسبب صلتها الشديدة بمستويات النص، وبالأسلوب الذي يعرض فيه الكاتب أحداثه.  خلاصة القول إن «ساق تحدّق» ليست مجموعة عن الماضي بقدر ما هي محاولة لإنقاذه من النسيان. إنها كتابة تنحاز إلى الإنسان وهو يواجه الفقد، وإلى الذاكرة وهي تقاوم المحو، وإلى الحكاية الصغيرة وهي تحمل أثقال التاريخ الكبير. القاص جمال العتّابي هنا، لا يكتب من موقع الراوي العارف بكل شيء، بل من موقع الشاهد. والشاهد في الأدب أعمق أثراً من المؤرخ، لأنه لا يوثق الوقائع فقط، بل يوثق ما تركته من دلالات اجتماعية وسياسية وثقافية.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *