الخرطوم – “القدس العربي”: عقد قائد قوات “الدعم السريع”، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، الأسبوع الماضي، اجتماعاً، في العاصمة الكينية نيروبي، مع قيادات ميدانية وشخصيات أهلية تنتمي إلى مكونات من قبائل المسيرية، في محاولة لاحتواء تصاعد الخلافات الداخلية والانشقاقات التي بدأت تضرب بنية قواته بصورة متسارعة، وسط مؤشرات متزايدة على تراجع التماسك التنظيمي والعسكري داخلها.
حسب مصادر “القدس العربي”، فإن الاجتماع عكس حجم التوتر المتنامي بين قيادة “الدعم” وعدد من المجموعات القبلية المشاركة في القتال إلى جانبها. وعبر قادة ميدانيون وزعماء عشائريون عن استيائهم من طريقة إدارة الشؤون الداخلية للقوات، متهمين القيادة باعتماد معايير قبلية في توزيع النفوذ والموارد والامتيازات داخل المؤسسة العسكرية.
الاجتماع عكس حجم التوتر المتنامي بين قيادة “الدعم” وعدد من المجموعات القبلية المشاركة في القتال إلى جانبها
وأشارت المصادر إلى أن الانتقادات تركزت بصورة مباشرة على شقيق “حميدتي”، عبد الرحيم دقلو، القائد الثاني لـ”الدعم” والمسؤول عن إدارة العمليات الميدانية، حيث اتهمه بعض الحاضرين بإقصاء قيادات ميدانية من مكونات بعينها، فضلاً عن التقصير في رعاية الجرحى المنتمين لبعض القبائل، مقابل اهتمام أكبر بمقاتلين من دوائر قبلية مقربة من القيادة.
ويأتي هذا الاجتماع في توقيت حرج بالنسبة لـ”الدعم”، التي تواجه ضغوطاً عسكرية متزايدة في عدة جبهات، بالتزامن مع تصاعد حالة التململ داخل صفوفها، خصوصاً بعد سلسلة انشقاقات طالت قادة ميدانيين بارزين خلال الفترة الأخيرة.
وعبر مقاتلون وناشطون موالون لـ”الدعم”، في مقاطع مصورة وصوتية، عن حالة تململ داخلية، حيث تتكرر شكاوى من “ترك الجرحى دون رعاية”، و”غياب العدالة في توزيع الإمدادات”، إلى جانب اتهامات مباشرة لبعض القيادات بـ”الانشغال بالمصالح الخاصة على حساب المقاتلين في الميدان وتركهم للموت دون مقابل”.
هذه الانتقادات، التي كانت تطرح سابقاً في دوائر مغلقة، باتت اليوم أكثر علنية، في ظل اتساع فجوة الثقة داخل صفوف القوات، التي يتزعمها “حميدتي”، وتضم مجموعة من المجموعات القبلية التي تقاتل الجيش الحكومي منذ أبريل/ نيسان 2023، وتواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة خاصة في إقليم دارفور غرب السودان.
اتهم “السافنا”، قيادة “الدعم” بالتورط في تصفيات داخلية وفرض قيود على قادة ميدانيين، إلى جانب إدارة الصراع بعقلية تقوم على الترهيب والولاءات القبلية
وفي هذا السياق، اتهم القيادي المنشق عن “الدعم” علي عبد الله رزق الله المعروف بـ”السافنا”، في أول ظهور علني له منذ إعلان انشقاقه وانضمامه إلى الجيش، قيادة “الدعم” بالتورط في تصفيات داخلية وفرض قيود على قادة ميدانيين، إلى جانب إدارة الصراع بعقلية تقوم على الترهيب والولاءات القبلية.
وخلال مؤتمر صحافي عقد في الخرطوم، السبت، قال “السافنا” إن انضمامه السابق إلى “الدعم” لم يكن خياراً سياسياً أو أيديولوجياً، بل جاء تحت ضغط الظروف الأمنية والخوف من استهدافه وعائلته، مؤكداً أن عدداً كبيراً من القيادات القبلية والميدانية وجدوا أنفسهم مجبرين على القتال بسبب التهديدات المباشرة التي طالت أسرهم ومناطقهم.
واتهم قيادة “الدعم” بتنفيذ عمليات تصفية بحق شخصيات بارزة داخل القوات، مشيراً إلى أن بعض القادة جرى التخلص منهم بعد تصاعد الخلافات، حول النفوذ وإدارة المعارك. كما تحدث عن فرض الإقامة الجبرية على قيادات أخرى بسبب اعتراضها على سياسات القيادة، معتبراً أن القوات تعيش حالة “تفكك داخلي” غير مسبوقة.
وذهب “السافنا” أبعد من ذلك، عندما تحدث عن تراجع قدرة “حميدتي” على السيطرة الفعلية على قواته، قائلاً إن القرارات الأساسية داخل الدعم السريع أصبحت تتأثر بضغوط وتدخلات خارجية، في وقت تتزايد فيه الانقسامات بين القيادات العسكرية والمكونات القبلية المختلفة.
كما أشار إلى استمرار تدفق الإمدادات العسكرية إلى مناطق سيطرة الدعم السريع في إقليم دارفور، غرب البلاد، موضحاً أنه شارك سابقاً في تجهيز مطارات ومهابط تستخدم لاستقبال شحنات عسكرية.
ويعد “السافنا” من القادة الذين لعبوا أدواراً ميدانية مؤثرة في معارك ولايات كردفان وإقليم دارفور، قبل أن يعلن انشقاقه وانضمامه إلى الجيش السوداني منتصف مايو/ أيار الجاري.
مع اتساع الحرب واستمرارها لأكثر من ثلاثة أعوام، بدأت التحالفات داخل “الدعم” تواجه اختبارات قاسية نتيجة التنافس على النفوذ والموارد والمواقع القيادية
ويأتي انشقاقه ضمن سلسلة تحولات شهدتها القوات خلال الأشهر الماضية، كان أبرزها إعلان القيادي الميداني “النور قبة”، انضمامه إلى الجيش، إلى جانب انشقاقات سابقة لقادة آخرين، من بينهم “أبو عاقلة كيكل”، الذي مثل خروجه في وقت سابق ضربة معنوية كبيرة لـ”الدعم السريع” كما ساهم في استعادة الجيش السوداني ولايات وسط البلاد.
ويرى مراقبون أن تكرار الانشقاقات لم يعد مجرد حوادث فردية مرتبطة بحسابات شخصية، بل بات يعكس أزمة أعمق داخل بنية “الدعم السريع”، ترتبط بطبيعة تكوينها القائم على تحالفات قبلية ومناطقية معقدة، تضم مجموعات عربية وأخرى إفريقية من أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
ومع اتساع الحرب واستمرارها لأكثر من ثلاثة أعوام، بدأت هذه التحالفات تواجه اختبارات قاسية نتيجة التنافس على النفوذ والموارد والمواقع القيادية، بالإضافة إلى تصاعد الاتهامات بوجود تمييز قبلي داخل المؤسسة العسكرية.
وخلال الأيام الأخيرة، ازدادت احتمالات حدوث انشقاقات جديدة، بعد تداول تسجيل صوتي للقائد الميداني “المك أبو شوتال”، تحدث فيه عن تعرض مجموعته لما وصفها بـ”عنصرية واضحة” داخل “الدعم السريع”.
وينتمي أبوشوتال إلى قبيلة “الهمج” في إقليم النيل الأزرق، وتعد قواته من المجموعات التي شاركت في العمليات العسكرية إلى جانب قوات “حميدتي” في عدد من الجبهات.
وأشار أبوشوتال في التسجيل إلى وجود حالة غضب وسط المقاتلين المنتمين إلى مجموعات غير عربية، بسبب ما يعتبرونه تهميشاً داخل هياكل القيادة والتوزيع غير العادل للموارد والإمدادات العسكرية، معتبراً أن الاستمرار ضمن “منظومة تقوم على التمييز” أصبح أمراً مرفوضاً بالنسبة لكثير من المقاتلين.
ووفق مصادر “القدس العربي”، فتحت الحكومة السودانية قنوات اتصال مع “أبوشوتال” في محاولة لإقناعه بالانضمام إلى الجيش السوداني، وسط توقعات بإمكانية حدوث انشقاق جديد خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تزايد حالة الإحباط داخل بعض التشكيلات المقاتلة.
يرى محللون أن الحرب الحالية كشفت هشاشة البنية الداخلية لـ”الدعم السريع”
ويرى محللون أن الحرب الحالية كشفت هشاشة البنية الداخلية لـ”الدعم السريع”، إذ أدى الاعتماد الكبير على الولاءات القبلية والشبكات المحلية إلى خلق مراكز نفوذ متنافسة داخل المجموعة المسلحة، وهو ما بات يهدد تماسكها مع تزايد الضغوط العسكرية والسياسية.
كما تواجه القوات اتهامات متزايدة بارتكاب انتهاكات واسعة خلال الحرب، خاصة في إقليم دارفور، الأمر الذي فاقم الانتقادات الحقوقية عليها وأثر على صورتها داخلياً وخارجياً، في وقت تحاول فيه الحفاظ على توازنها الميداني أمام تقدم الجيش السوداني في بعض المحاور.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني والدعم السريع في منتصف أبريل/ نيسان 2023، دخل السودان في واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والسياسية، حيث أسفرت المعارك عن مقتل آلاف المدنيين ونزوح الملايين داخل البلاد وخارجها، وسط تحذيرات من تداعيات قد تقود إلى تقسيم البلاد .