ليست هذه الصفحات مجرد كتاب جمعت فيه آراء وأفكارا بالمعنى التقليدي للكلمة، ولا هي سيرة ذاتية، ولا حتى مجموعة من المقالات، أو الرحلات المصنفة، إنما «فتوحات» والتسمية هنا ليست استعارة، بل اختيارا واعيا ودقيقا. هذا ما يفتتح به محمد توفيق بريشة، الباحث والأكاديمي والمترجم المصري، كتابه «الفتوحات في الأسفار واللغات» الصادر عن دار صفصافة للنشر والتوزيع، وفيه يذكر أنه استخدم كلمة فتوحات ليشير إلى لحظات التنوير التي مرت به عند كل كشف، أو فكرة طرأت على باله في موقف ما، معتقدا أنه وهب فتوحات من نوع مختلف، ذات طبيعة خاصة، شخصية وعميقة، لا تدعي الكشف الصوفي، لكنها تحمل روح الانكشاف، لحظات خاطفة من الإشراق، تمر به أثناء سفر، أو لقاء أو حوار أو حتى تأمل صامت أمام مشهد أو فكرة. هنا يشير الكاتب إلى أنه تعلّم من رحلاته وتجربته مع اللغات مجموعة من القواعد الذهبية لم يجدها في الكتب، بل حصل عليها من التجربة المباشرة، ذاكرا منها أن كتابة النطق بأحرف لغتك الأم كارثة، لأن ذلك يشوه النطق الصحيح، السمع دون الفهم مرحلة ضرورية في تعلم اللغة، لا توجد لغة صعبة، اللغة كائن حي، عدد الكلمات لا يساوي طلاقة، اللغة وسيلة لا غاية، الصداقة بوابة اللغة إذ لا يطور لغتك أكثر من صديق يتحدث بها، الترتيب المثالي لتعلم اللغة: السمع ثم القراءة ثم الحديث ثم الكتابة، مؤكدا أن هذه القواعد كانت فتوحاته الأولى في عالم اللغات، لم يتعلم بها فقط، بل فتح أبواب العالم ووسّع رؤيته وصادق أناسا لم يكن ليصل إليهم لولا كلماتهم.
نسيج كل بلد
محمد بريشة يذكر هنا أن أسفاره التي تملأ كتابه هذا، لم تكن كسفر السائحين، ولم تكن كتجوال الرحالة الكلاسيكيين، ولم يكن هو يتنقل بين المعالم، بل كان يذوب في نسيج كل بلد يزوره، ولأنه، يقول، حباه الله قدرة فطرية على تعلم اللغات، كان يتعلم لغة شعب ويقرأ في تاريخه ويتعرف على عاداته حتى يصبح وكأنه واحد من أبنائه، مشيرا إلى أنه يتقن أكثر من إحدى عشر لغة وهو ما منحه مفاتيح نادرة للدخول إلى عوالم الناس والمرور إلى أعماق ثقافاتهم من أبوابهم الأصيلة، معتقدا أنه عبر أكثر من تسعين بلدا عاش مشاهد ومواقف وتجارب شكلت هذه الفتوحات، بعضها واقعي وبعضها خُيّل إليه، لكن جميعها صادق من حيث التأثير، حيث كان يخرج من كل تجربة بتأمل ومن كل لغة بحكاية، ومن كل مكان برؤية.
في هذه الفتوحات نجد، حسب قول المؤلف، شيئا من الواقع، شيئا من الخيال، بعضا من التأمل، وكثيرا من الانطباعات، وليس فيه أحكام قطعية ولا نتائج نهائية، فيه أسئلة وظنون وفيه محاولات للفهم، إنه كتاب عن الإنسان في لغته، وفي سفره وتشظي هويته وفي محاولته الدائمة للتماهي مع الآخر، من دون أن يفقد نفسه، واصفا فتوحاته هذه بأنها تجريبية للغاية، وشديدة الخصوصية.
في حديثه عن مدينة رافينا الإيطالية يقول بريشة، إنها بصفة عامة لا تُلوح للسائح من بعيد كغيرها من المدن الصاخبة، لكنها تختبئ في صمت مجدها البيزنطي، هي مدينة هادئة وبسيطة تحتضن في قلب هذا الهدوء مرقد شاعر إيطاليا أليجيري صاحب «الكوميديا الإلهية» في ضريح متواضع تصونه المدينة كالجواهر الثمينة، فيما حين يكتب عن زيارته لمدينة روما يكتب قائلا، إنه لظروف عديدة لم يزر روما رغم زياراته المتعددة لإيطاليا، ربما تعمد تفادي اللقاء بتلك المدينة الأسطورية في مخيلته، انتظارا للحظة يكون فيها قادرا على تحمل تلك المواجهة التي تليق بتاريخ مدينة عريقة مثلها، مشيرا إلى أنه خطا أولى خطواته في روما بقلب مفتوح وعينين تبحثان عن شيء ما لا يدري أين هو، معتقدا أنك في أسفارك تُفتح لك أبواب ليست من حجر بل من وعي، وأن تلقى إنسانا من ماضيك لا ليذكرك بمن كنت، بل ليشهد لك بما أصبحت، أن تدرك أن جملة قالها لك مدرس قبل عقود ربما كانت نبوءة، وربما كانت وصية، بينما في سياق تناوله لرحلته إلى مدينة غرناطة وزيارته لقصر الحمراء يقول بريشة: هذا أعظم ما رأيت ووقعت عليه عيناي من عمارة الإسلام والمسلمين، إنه حقّا مفخرة لكل عربي.
الشطافة!
محمد بريشة غير المغرم بزيارة لندن المليئة بالأشياء الفريدة والأنشطة المثيرة، التي تجذب إليها سياح العالم، وهذه هي أسباب عدم قدرته على الاستمتاع بها، لارتفاع الأسعار وشدة الازدحام في أماكن كثيرة، يرى أن النظافة تبدأ من داخل الإنسان لتخرج في كل تصرف وممارسة يقوم بها، وهي كلمة عامة غير دقيقة تنتظر من الحضارة أن تجريها في مجراها المناسب، فالفرنسيون في القرن السابع عشر كانوا يتطيبون بالعطور الفاخرة، وكانت هذه هي نظافتهم، والمسلمون في القرن الواحد والعشرين يستخدمون الشطافة وهذه هي نظافتهم أيضا، كل يفعل ما تقبله ثقافته، ومعلقا على حواره مع صديقه القديم حول النظافة، بعد أن دخل حمام الطائرة ولم يعجبه حاله يقول بريشة: ربما لم تكن الشطافة أهم اختراع في التاريخ، لكنها كانت نافذة صغيرة فتحناها على وهم كبير، وهم امتلاك الحقيقة، الحقيقة التي لا تأتي دائما من كتب الفقه ولا من أدلة الاستخدام، بل أحيانا على بُعد آلاف الأقدام عن الأرض وفي آخر مكان تتوقعه: الطائرة، وعن آخر شيء تتخيل أن يدور الحديث عنه قرابة ساعة: الشطافة!
هنا أيضا يكتب بريشة قائلا إن كل الكلمات التي نقولها ليست مجرد أصوات، بعضها يخرج من أفواهنا محملا بتاريخ طويل، بثقافات امتزجت ولهجات تصادمت وهويات أعادت تشكيل نفسها في صمت، وهو بصفته واحدا من أبناء هذا الخليط العظيم، لم يكن يفكر كثيرا في العامية المصرية إلا حين ابتعد عنها، إذ إن الغربة كشاف عجيب، لا تُظهر لك ما فقدته فحسب، بل ما كنت تملكه ولم تكن تراه، مشيرا، في حديثه عن رحلته إلى مدينة أثينا، إلى التشابه بينها وبين مدينة الإسكندرية المصرية قائلا، إن التشابه في حد ذاته علاقة، لكنه ليس ككل العلاقات، فالتنافس علاقة، والتبادل علاقة والتقليد علاقة، بل المصير علاقة، وكل هذا موجود بين المدينتين الحديثتين، تماما كما أن التشابه في التاريخ يربط بين المدينتين القديمتين. وبعد رحلاته وأسفاره إلى مدن عديدة ومختلفة طبيعة وسكانا، يمكن أن نخرج من السفر بخلاصة قالها محمد بريشة لمؤمن صديقه القديم الذي قابله مصادفة على متن الطائرة: والله يا أخي الدنيا دي فيها حاجات الواحد ما كانش يصدق إنها ممكن تحصل أبدا، كما إن هذه الدنيا فيها أيضا أشياء ربما لم نكن نظن أننا قد نراها أو نسمع عنها ذات يوم، لكن السفر يجعلنا نرى ما لم يكن يخطر لنا على بال، وهذه إحدى فوائد السفر الذي تتعدد فوائده بتعدد المسافرين والأماكن التي تطأها أقدامهم. وفي الأخير يدعو بريشة قارئ كتابه هذا لأن يقرأ فتوحاته هذه لا ليتبنى مواقفه، بل ليقرأ رحلته التي قد يرى في تفاصيلها ما يشبهه أو يغايره، أو يثير فيه سؤالا نائما!
كاتب مصري