العيب ليس في الإعلام ولكن في ترامب وواقع سياساته


لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” تقريرًا أعده ديفيد إي. غراهام قال فيه إن العيب في الولايات المتحدة ليس في الإعلام ولا يمثل أصل المشكلة للرئيس دونالد ترامب، ولكن المأزق صنعه بنفسه. وقال غراهام إن الرئيس يمر بمرحلة عصيبة في العلاقات الخارجية والاقتصاد والمحاكم، وحتى في توقعات الانتخابات، وهو يعتقد أنه عثر على الجناة: شبكة سي إن إن وموقع أم أس ناو وموقع بوليتيكو.

وفي يوم الجمعة، قال إنه سيمنع هذه الوسائل الإعلامية الثلاث من دخول البيت الأبيض “نتيجة لنشرها المستمر للأخبار الكاذبة”، وحذر من إمكانية فرض المزيد من الحظر.

وقال غراهام إن ترامب، عندما يشعر بأنه محاصر، يميل إلى مهاجمة خصومه المعتادين، وبخاصة الصحف. ففكرة إلقاء اللوم على التغطية السلبية في توقعاته تبدو مغرية بشكل غريب، مع أن مشكلة الرئيس هي الواقع وليس فيما ينشره الإعلام.

ترامب، عندما يشعر بأنه محاصر، يميل إلى مهاجمة خصومه المعتادين، وبخاصة الصحف. ففكرة إلقاء اللوم على التغطية السلبية في توقعاته تبدو مغرية بشكل غريب، مع أن مشكلة الرئيس هي الواقع وليس فيما ينشره الإعلام

على الرغم من أن هذا القرار جزء من هجوم متصاعد تدريجيًا على حرية التعبير، إلا أنه قوبل بردود فعل عنيفة. حيث وافقت صباح الإثنين خمس شبكات تلفزيونية رئيسية (بما فيها فوكس نيوز) على تعليق التغطية المشتركة لنشاطات الرئاسة والبيت الأبيض بعد منع سي إن إن من البث في موعدها المخصص لها سابقًا.

كما رفعت الوسائل الإعلامية الثلاث الممنوعة دعوى قضائية بسبب استبعادها.

ومن غير الواضح كيف ستسير الأمور في مثل هذه الدعوى، فقد حظر ترامب وكالة أسوشيتد برس من التجمع الصحافي للبيت الأبيض العام الماضي بعد أن رفضت تبني إعادة تسميته لخليج المكسيك، ولا تزال الدعوى القضائية التي تطعن في الحظر قيد النظر.

وبعد أن ارتكب ترامب “زلة كينغزلي” أو زلة لسان يوم الجمعة بوصفه خطوته بأنها “حظر لحرية الصحافة”، حاول تبرير موقفه صباح الإثنين وكتب: “البيت الأبيض لا يشن هجومًا على حرية الصحافة، وهو أمر أعتز به، بل نشن هجومًا على الأخبار الكاذبة”، مدعيًا أنها “تهديد لأمننا القومي ويجب إيقافها الآن!”. ويعلق غراهام أن كلام الرئيس “هراء”، فمن حق ترامب أن يكره طريقة تغطية الإعلام له ولإدارته، ولكن إذا كانت الحكومة تملك سلطة تحديد ما هو زائف وما هو صحيح، فالصحافة ليست حرة.

ويظهر منشور ترامب إيمانه المطلق بقوة التغطية الإخبارية، وظل الرئيس طوال حياته مهووسًا ومهتمًا بكيفية الحصول عليها وطريقة توجيهها، وهو من بقايا عصر كانت فيه وسائل الإعلام مهيمنة للغاية، وتتحكم بشكل كبير في وسائل الوصول إلى الجمهور، لدرجة أنها بدت وكأنها تشكل الواقع.

واليوم تراجع دور وسائل الإعلام وأصبحت مع محرريها تشغل موقعًا غريبًا وغير مستقر: فهم أقوياء بما يكفي ليلاموا على صعود ترامب وسقوطه، وضعفاء بما يكفي لتصدر تهديدات ضدهم دون عقاب يذكر. ورغم أن هجمات ترامب على حرية التعبير لا مثيل لها في الذاكرة المعاصرة، إلا أن إدارته ليست الأولى التي تعتقد أن مشاكلها تكمن في الرسائل والتغطية الإعلامية.

ففي عام 2012، قال باراك أوباما إن أكبر خطأ ارتكبه في ولايته الأولى “كان اعتقاده أن هذه الوظيفة تقتصر على وضع السياسات الصحيحة”، لأن “طبيعة هذا المنصب هي أيضًا سرد قصة للشعب الأمريكي”. وبعد عقد من الزمن، اقتنعت إدارة جو بايدن بأن التغطية السلبية للتضخم وتقدم بايدن في السن يمثلان مشكلتين أكبر من التضخم أو الضعف الظاهر للرئيس.

ويرى غراهام أن ترامب يكرر سوء التقدير نفسه، فهو لا يحظى بشعبية ليس بسبب موقع بوليتيكو، الذي يركز بشكل كبير على خبايا واشنطن، أو بسبب قناتي سي إن إن أو أم أس ناو، وهما قناتان فضائيتان تتمتعان بنسب مشاهدة تلفزيونية منخفضة نسبيًا. وعليه لا يمكن لوسائل الإعلام أن تكون “فاشلة” وقوية في آن واحد، فشعبية ترامب متدنية لأنه (على سبيل المثال لا الحصر) يخسر حربًا اختارها بنفسه أمام إيران ويفاقم التضخم دون أن يبدي اهتمامًا بمشاعر الناخبين ويبالغ في تطبيق قوانين الهجرة الصارمة ويركز على مشاريع تافهة لا تهم الناخبين.

ومن المفارقات، أن ترامب يرتكب نفس خطأ العديد من النقاد الليبراليين للصحافة، الذين يعتقدون أن الدعم الشعبي للرئيس كان سينهار منذ زمن لو استخدمت وسائل الإعلام عبارات أكثر قسوة لوصفه. لكن فكرة أن التغطية الإعلامية الأكثر صرامة كانت ستوقفه هي محض خيال.

رغم ارتكاب الصحافة العديد من الأخطاء في تغطيتها للرئيس، بما في ذلك منحه ساعات طويلة من البث التلفزيوني المتواصل عام 2016، والتقليل من شأن تصريحاته المتعصبة، إلا أن ترامب حظي أيضًا بتحقيقات مكثفة وتغطية سلبية أكثر من أي رئيس آخر في تاريخ الولايات المتحدة

ورغم ارتكاب الصحافة العديد من الأخطاء في تغطيتها للرئيس، بما في ذلك منحه ساعات طويلة من البث التلفزيوني المتواصل عام 2016، والتقليل من شأن تصريحاته المتعصبة، و”تبييض” بعض تصريحاته، إلا أن ترامب حظي أيضًا بتحقيقات مكثفة وتغطية سلبية أكثر من أي رئيس آخر في تاريخ الولايات المتحدة.

وبلا شك، فقد كان جزء من هذه التغطية مدفوعًا بتحيز حزبي واضح، وهو أمر يحميه التعديل الأول للدستور أيضًا، والكثير منها كان يستحقه ترامب. فقد نشرت الصحف والمجلات ووكالات الأنباء وشبكات التلفزيون سلسلة من التقارير الحصرية حول الفوضى داخل الإدارة، وأخطاء ترامب السياسية، والفساد المستشري من حوله.

وفي أواخر عام 2023، نشرت مجلة “ذي أتلانتيك” سلسلة من المقالات الرئاسية تتناول ما سيحدث إذا فاز ترامب بالرئاسة مجددًا. بل إن الناخبين قد عاشوا فترة رئاسة ترامب بالفعل، حيث أتيحت لهم المعلومات ذات الصلة قبل إعادة انتخابه.

وأضاف غراهام أن الاعتقاد بتصرف الأمريكيين بطريقة مختلفة لو تخلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن عناوينها المبهمة، ربما أراح بعض منتقدي ترامب، لأنه سيحمل الصحافة اللوم بدلًا من الاعتراف بأن أغلبية الناخبين أرادوا انتخابه. وبالمثل، يفضل ترامب إلقاء اللوم على وسائل الإعلام التي لا تعجبه بدلًا من مواجهة حقيقة أن بعض هؤلاء الناخبين أنفسهم يرفضونه بسبب خياراته.

ويواجه الرئيس خطرًا إضافيًا في محاولته حظر هذه الوسائل الإعلامية الثلاث، فهو يكره التغطية الإعلامية المعارضة، لكنه يتوق بشدة إلى لفت الأنظار.

وبعد ظهر الإثنين، تحدث ترامب إلى الصحافيين خارج البيت الأبيض، وعادة ما تسجل تصريحاته بواسطة ميكروفونات فريق التلفزيون، ولكن في غيابها، لم يكن كلامه مسموعًا. وقد اتضح أن الرقابة قادرة على إسكات أي شخص، حتى الرقابة نفسها.

ورأت صحيفة “نيويورك تايمز” في افتتاحيتها أن الرئيس ترامب يهاجم حرية الصحافة ويتجاهل القانون، مجددًا، مضيفة أنه وخلال ولايته الأولى، حاولت إدارته مرتين منع صحافيين من التغطية الصحافية في البيت الأبيض. وفي كلتا المرتين، رفض القضاة هذا الإجراء باعتباره غير دستوري، وأعادوا للصحافيين حقهم في الوصول. والآن، تحاول الإدارة تكرار الأمر نفسه، بمنع صحافيين من ثلاث مؤسسات. وقالت إن الحظر الجديد يثير قلقًا كبيرًا لسببين: فهو استمرار لمحاولة ترامب منع تدفق المعلومات بحرية في المجتمع الأمريكي وتجاهله التام للقانون. وأضافت أن هذه الخطوة الأخيرة هي امتداد لتهديدات ترامب لحرية الصحافة، معلقة: “نقر بمصلحتنا الشخصية في هذه القضية، لكن حرية الصحافة ضرورية حقا لأي فرد يدير شؤونه بنفسه. فهي تمكن المواطنين من تقييم الواقع في ديمقراطيتهم، وتفتح المجال لظهور أصوات إعلامية متنوعة وتحاسب أصحاب النفوذ”. وأشارت إلى أن الآباء المؤسسين كانوا واضحين في أن حرية الصحافة تعني حرية قول ما لا يرضي الحكومة. وكما كتب جيمس ماديسون: “للصحافة وحدها، التي تضبط وتمنع تجاوزاتها، يدين العالم بكل الانتصارات التي حققها العقل والإنسانية على الخطأ والظلم”.

وقد خصصت وثيقة الحقوق جزءًا من بندها الأول – التعديل الأول – لهذه الفكرة، مانعةً أي قوانين تقيد “حرية التعبير أو حرية الصحافة”.

واستندت الأحكام الصادرة ضد حظر وسائل الإعلام خلال ولاية ترامب الأولى إلى حد كبير على مبدأ الإجراءات القانونية الواجبة. فقد ذكر القضاة أن الإدارة الرئاسية غير ملزمة بإنشاء هيئة صحافية بمساحة مخصصة في البيت الأبيض. ولكن بمجرد قيامها بذلك، يجب عليها اتباع سياسة عادلة تمكن الصحافيين من الانضمام إلى هذه الهيئة. وفي المقابل، كان حظر الإدارة للصحافيين تعسفيًا، وألغى القضاة الحظر، حتى بدون النظر في مبادئ التعديل الأول للدستور.

ومع ذلك، تظل هذه المبادئ مهمة هنا. فلو اقتصر وصول الرئيس على الصحافيين الموالين لإدارته، لكانت الأمة أفقر حالًا. ذلك أن النظام الأمريكي للحكم استمر لأكثر من 250 عامًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن قادة الولايات المتحدة لم يكونوا مستبدين قادرين على قمع النقد أو احتكار تدفق المعلومات، بل كانوا عرضة للنقد والنقاش والتقييم.

وتقول إن مسألة تحديد المؤسسات الإعلامية المسموح لها بدخول البيت الأبيض، والتي تبدو غامضة، تنسجم مع نمط أوسع لمحاولات ترامب السيطرة على وسائل الإعلام. واتهمت الرئيس بأنه انتهك حرية الصحافة بطرق لم يسبق لها مثيل بين الرؤساء المعاصرين، وإذا أفلت الآن من العقاب بعد معاقبة وسائل الإعلام الثلاثة، فسيكون قادرًا على تهديد مؤسسات أخرى بشكل فعال.

وأشارت إلى أن ترامب بارع في التلاعب بالرأي العام، ومن المحتمل أنه هاجم المنظمات الثلاث لصرف الأنظار عن إخفاقات السياسة، كالحرب مع إيران والتعريفات الجمركية والتضخم وغيرها. ومع ذلك، تستحق الهجمات على الصحافة الاهتمام. ومرة أخرى يختار ترامب “الخطأ والظلم”، بتعبير ماديسون، ويرفض “العقلانية والإنسانية”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *