تتموقع مدينة مطماطة في الجنوب الشرقي للبلاد التونسية، كمركز ثقل تاريخي للموروث الثقافي الأمازيغي، يعود إلى العصور البونية. لذلك تُعدّ منطقة حضرية ممثلة لإقليم متكامل، وخصوصية قبلية متجذرة في محيطها الجغرافي والطوبوغرافي. وتمثل هذه المعطيات محصلة تفرّد لخصائص عمرانية تزدهر من صمودها في وجه التصحر، وزحف الرمال، والإهمال المتواصل. يعود هذا البروز المطّرد في المشهد الثقافي، والأركيولوجي، والسياحي، في الجنوب الشرقي التونسي، إلى تحصّن الإقليم بعدد من السلاسل الجبلية والربى التي ارتبطت أساسا بالنشاط السكاني المعيشي، لمجموعات قبلية ذات أغلبية أمازيغية.
أغلب الأنشطة النفعية في المنطقة تتمثل في الرعي والزراعات الموسمية، مثل الشعير والأعلاف المتنوعة، إلى جانب بعض منتجات الزيتون التي تلامس الشريط الساحلي القريب، والتمور المرتبطة بحدود نفزاوة أسفل شط الجريد، مع أهمية واسعة لقطاع الرعي الذي يتكيف مع امتداد المناطق الصحراوية؛ بينما تتشكل الواحات الجبلية في عدد من المرتفعات على امتداد المساحات الصحراوية الشاسعة.
يُعدّ هذا الموقع ثريا وجذابا لتنوع تضاريسه وتوزعها بين الأراضي المنبسطة والمرتفعة، مع الاعتماد على النزعة القبلية التقليدية التي حفظت وورثت ثقافة متجذرة في محيطها المحلي، تتمثل في لغة «الشلحة» الشفوية التي ما يزال يحتفظ بها عدد من شيوخ وأعيان المناطق البدوية والحضرية المجاورة، المعروفة بمساكنها التاريخية الفريدة، مثل توجان، وزراوة، وتمزرت. وشنني.
تمثل هذه المواقع دررا توثّق قيمة الخصوصية المحلية التي تعود إلى ما قبل بداية الإسلام. وسواء كانت صغيرة متموقعة في مناطق وعرة ونائية، أو متوسطة ذات إشعاع سياحي قريب من المراكز المهمة، فإنها – بالتأكيد- تعكس طرازا بربريا جبليا أو كهفيا، يتميز بهندسة بنائية تقليدية تتنوع بين الأفقية التحتية المنضوية داخل المنازل المحفورة تحت مستوى سطح الأرض، والمرتفعات المجاورة للسلاسل الجبلية الصخرية (جبال بني خداش، جبال مطماطة وشنني) نظرا لما توفره من تكييف طبيعي، ورطوبة ضرورية للعيش السليم.
الخاصيّات الفنيّة والهندسية للمعمارالبربري:

يأخذ عدد كبير من هذه المساكن شكل قصور مقامة على المرتفعات، باعتماد بناءات حجرية لبيوت محدودة المساحة، تكون في شكل غرف تستعمل عادة لتخزين المؤونة، والحفاظ عليها من القوارض، وحمايتها من العواصف الرملية ومن تسرب مياه الأمطار، لذلك، فإن صمود هذا المنجز منذ قرون مضت يعدّ مفخرة للمقدرة الأمازيغية، ودليلًا على السبق الإبداعي والتقني منذ القدم. هذا المنجز الفني بطبقاته العلوية المتماسكة، رغم الظروف القاهرة (التصحر، الحرارة والقيض، تهرم الأعمدة الخشبية، الانجراد..) والسفلية الواقفة أمام الأخطار الطبيعية (الاندحار والسقوط ، زحف الرمال، الغور، الانهيارات الأرضية، الانخسافات، الانجراف) ثروة مشتركة تعلي شأن التاريخ وترفع من حضور الحضارات القبلية القديمة بثقلها ومنجزها العريق؛ رغم عوامل الزمن، وظهور بعض مظاهر التآكل والإهمال، والتعدي على المعطى الأركيولوجي.
تجلى ذلك في نهب بعض مكونات المواقع، مثل سلب صخور «زهرة الرمال»، واندثار مقاطعها، وفقدان عدد من الأدوات المنزلية المعروضة في الغرف، كالجرارالطينية الضخمة، والأواني الخزفية والسلالم أو المصاعد الخشبية التقليدية، والسدّات؛ فضلًا عن غياب رؤية واضحة لتنظيم هذه المقدرات وحصرها ضمن سجل وطني موحد. ذلك أن فعل الانفتاح على السياحة بطريقة استهلاكية هامشية قد يقلب المعطيات، رأسا على عقب، إذ يمكن أن يساهم، مع مرور الوقت، في طمر ما تبقى من ركائز الثروة الطبوغرافية الأركيولوجية، والفنية.
خصوصية التحصين كاستراتيجية في وجه الإهمال:
إن اعتماد التخفي والتحصين يعدّ أحد أهم العوامل المميزة للبناء البربري في جنوب وشرق وسط البلاد التونسية، إضافة إلى اعتماد المغاور والكهوف لتخزين المحاصيل الزراعية، وعلى رأسها الحبوب والزيتون، سواء للتجفيف أو للتحويل.
لذلك، فإن تراكم طبقات الصخور وتسلسل التلال الظليلة يوفّر أفضل حماية طبيعية من تأثيرات العناصر المناخية القاسية، خاصة في المساحات المفتوحة المعرضة للحرارة لإشعة الشمس وهشاشة الموقع.وقد مثلت المنطقة، منذ مطلع العصور الوسطى، حصنا منيعا عُرف بصموده أمام العوامل الطبيعية والبشرية التي شكلت تحديًا في الحفاظ على الهوية التراثية الأصلية، خاصة في مواجهة موجات قدوم قبائل بني هلال من شبه الجزيرة العربية.
من النمط الطبوغرافي إلى النمط الديموغرافي:

تعدّ مسألة العلاقة بين التعايش السكاني بمختلف عناصره الاجتماعية، والثقافية، والديموغرافية، وخصوصية المساكن التقليدية الفريدة، من المواضيع التي تطرح العديد من التساؤلات. تتعلق القضايا المهمة أساسا بتداول التقنيات والمعارف القبلية، التي أثبتت فعاليتها، مثل غرف المؤونة، والتخزين، والتجفيف، والتحويل، والقنوات المائية والهوائية، وإبطاء زحف الرمال، والاستفادة من الرطوبة، والحفاظ على القيم والتقاليد العائلية. كما يرتبط الأمر بقضايا التنمية المستدامة والحماية من أخطار التصحر والتفريق بين الهجرات الموسمية والهجرة النهائية نحو المدن أو النزوح الريفي (exode rurale) وهي عوامل تتقاطع مع مجهودات إنعاش الموقع وتثمينه.
غير أن ضعف تداول القيم المعرفية والثقافية بين الأجيال، بسبب التغييرات السكانية، وتحول الاهتمامات المجتمعية والقبلية من الإنتاج المحلي إلى الصناعة الدولية الرخيصة مثلا، مع تواصل الهجرة الاقتصادية للأجيال الجديدة، وسط بيئة صحراوية وشبه صحراوية قاسية، يجعل الحفاظ على هذه المساكن المنحوتة مسألة حساسة، ومحل جدل واسع داخل مؤسسات التراث والجمعيات الميدانية المهتمة بعلاقة المعمار واستراتيجيات التنمية البشرية والمجتمعية.
وتُعدّ سياسة اللامبالاة، وقلة حصص التمويل الرسمي، وضعف الإحاطة عوامل هدم دائمة، تطرح رهانات حول مقاربة التنمية المحلية بخواص المعمار الموروث داخل بيئة تزداد قساوة، وهي بمثابة المقياس لمستوى التحولات الاجتماعية المختلفة، وعوامل مساعدة على زيادة تهميش المعطى الأركيولوجي وإخراجه من محتواه، وتأجيل الاعتراف بالثقافة الأمازيغية التي انصهرت في الثقل العربي الإسلامي، ولم تعد بمعزل عنه. هذا إلى جانب تأثيرات المناخ، من ارتفاع درجات الحرارة، وزحف الرمال، وتلف الممتلكات القيمة، والتخلي عنها.
وهذا ما يدعونا إلى مزيد من الاهتمام بدراسة هذه القيم الحضارية والفنية، المادية واللامادية، والاعتراف بها وتقديمها للأجيال بوصفها أحد أبرز عناصر الثقافة الفنية المهددة بالاندثار في الشطر الجنوبي للبلاد التونسية عموما، والشرقي بالخصوص في ظل غياب خطة واضحة لحماية التراث الثقافي وتثمينه وتصنيفه والمصالحة مع الثقافة المحلية بمختلف أصنافها وتفهم تفاعلاتها وانسجامها لأجل معالجة نقاط الضعف وحسن الوقوف على علامات القوة والإشعاع العابرة للزمن.