«العفو الدولية» تحثّ العراق على ضمان محاكمة عادلة لنحو 6 آلاف محتجز نقلوا من سوريا


بغداد ـ «القدس العربي»: طالبت منظمة «العفو الدولية» المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم، السلطات العراقية بضمان تمتع أكثر من 5,700 محتجز نُقلوا إلى العراق من شمال شرق سوريا، بكامل حقوقهم في الإجراءات القانونية الواجبة، وضمان الحماية العاجلة لحقوق الأطفال من بين هؤلاء المحتجزين.
وفي تقرير للمنظمة، فإن هؤلاء الأفراد يُحاكمون «بشبهة الانتماء إلى الجماعة المسلحة التي تُطلق على نفسها اسم تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك عقب نقلهم إلى العراق بين أواخر يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2026».
ويبلغ عدد المنقولين 5,704، وينتمون إلى 67 بلدًا، بينها 16 بلدًا عربيًا من بينهم آلاف السوريين ومئات العراقيين، و19 بلدًا من بلدان الاتحاد الأوروبي، و32 جنسية أجنبية أخرى، وما لا يقل عن 157 حدثًا تقل أعمارهم عن 18 عامًا.
قالت غراتسيا كاريتشيا، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة «العفو الدولية»: «يضع انطلاق هذه المحاكمات على عاتق السلطات العراقية مسؤولية هائلة بالالتزام بالقانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان في كافة مراحل الإجراءات القضائية التي يخضع لها المتهمون جميعهم».
وأضافت: «في حين نُقِرُّ بالتحديات الأمنية والعبء اللوجستي الكبير الذي تفرضه هذه المسألة على النظام القانوني العراقي، لا يمكن تحقيق العدالة عن طريق إجراءات معيبة، أو اعترافات قسرية، أو محاكمات جماعية. ويجب على الحكومة العراقية أن تضمن لكل محتجز، من دون استثناء، محاكمة عادلة تستند حصرًا إلى مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، وإلا وجب الإفراج عنه». وبالنسبة للإجراءات القضائية، قالت السلطات العراقية إن «هذه المحاكمات ستُجرى بموجب قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وقانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005».
وحسب تقرير المنظمة الحقوقية، فإنه «لطالما تعرّض هذا الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب لانتقادات بسبب تعريفاته الفضفاضة جدًا لمفهوم النشاط الإرهابي، وبسبب فرضه عقوبة الإعدام على جرائم تتخلل تلك التي يُكتفى فيها بالانتماء إلى جماعة أو دعمها».
وأظهرت المحاكم العراقية مرارًا في إجراءات قضائية سابقة «اعتمادًا مفرطًا على اعترافات انتُزعت تحت وطأة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة»، حسب التقرير.
ووثقت المنظمة أنماطًا واسعة النطاق تعرّض فيها محتجزون نُقلوا من شمال شرق سوريا للضرب المبرح، والصعق بالصدمات الكهربائية، والإجبار على اتخاذ وضعيات مؤلمة، والخنق، لإرغامهم على الإدلاء بأقوال يدينون فيها أنفسهم.
وأضافت غراتسيا كاريتشيا، إن «سجل العراق في الاعتماد على اعترافات مشوبة بالتعذيب في قضايا الإرهاب يجعل الالتزام الصارم بالضمانات الدولية ضرورة مُلحّة».
ودعت مجلس القضاء الأعلى الى «استبعاد أي أدلة جرى الحصول عليها عن طريق التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة، وإجراء تحقيقات شاملة في جميع ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان».
كما دعت إلى «تمكين المتهمين على وجه السرعة من الاستعانة بمحامين ومترجمين فوريين مؤهلين، وإقامة جلسات محاكمة علنية»، معتبرة إن ذلك «يكتسي أهمية خاصة لأن المحاكمات في العراق قد تُفضي إلى عقوبة الإعدام، ما يعني أن أي إخفاق في ضمان معايير المحاكمة العادلة قد تترتب عليه عواقب وخيمة لا رجعة فيها». وتُعارض منظمة «العفو الدولية» عقوبة الإعدام في جميع الحالات من دون استثناء، وتدعو السلطات العراقية إلى «عدم إصدار أي أحكام بالإعدام أو تنفيذها، بغض النظر عن طبيعة الجريمة أو ملابسات ارتكابها».
وأشارت إلى أن «وجود ما لا يقل عن 157 طفلًا بين المحتجزين الذين يخضعون للمحاكمة يبرز ضرورة اعتماد استجابة تضع حقوق الطفل في صميمها، وتلتزم التزامًا صارمًا بالمعايير الدولية لحقوق وقضاء الأحداث، بما في ذلك مراعاة المصلحة الفضلى للطفل وحمايته».
وكان العديد من الأطفال والشباب قد احتُجزوا في الأصل في شمال شرق سوريا في عمليات احتجاز واسعة افتقرت إلى التمييز بين الحالات الفردية.
وضمن هؤلاء فتيان لا تتجاوز أعمارهم 11 عامًا، فُصلوا عن أمهاتهم في مخيمات الاحتجاز. وتنص المعايير الدولية على وجوب التعامل مع الأطفال الذين جندتهم أو استخدمتهم جماعات مسلحة، في المقام الأول، باعتبارهم ضحايا لانتهاكات حقوق الإنسان. وشدد التقرير على وجوب أن «تظل الملاحقة الجنائية للأفراد بسبب أفعال يُزعم أنهم ارتكبوها حين كانوا دون الـ 18 عامًا، استثناءً مطلقًا، وأن تقتصر على الحالات التي تتوفر فيها ادعاءات ذات مصداقية بارتكاب جرائم مشمولة بالقانون الدولي أو جرائم عنف خطيرة مشمولة بالقانون المحلي. وفي مثل هذه الحالات، يجب النظر في اللجوء إلى تدابير بديلة عن الإجراءات القضائية، وإلى تدابير مجتمعية وغير سالبة للحرية بدلًا من الاحتجاز؛ وينبغي أن تشمل خيارات قضاء الأحداث إعادة تأهيل الطفل وإعادة دمجه، وألا يُستخدم الاحتجاز إلا كتدبير أخير ولأقصر مدة مناسبة. وينبغي عدم محاكمة الأطفال مطلقًا لمجرد ارتباطهم بجماعة مسلحة».
وتأتي عمليات النقل الأخيرة بعد سنوات من احتجاز عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال تعسفيًا وإلى أجل غير مسمى في شمال شرق سوريا، بدون توجيه تهم إليهم أو محاكمتهم، في منشآت ومخيمات احتجاز ذات ظروف متدنية، عقب الهزيمة العسكرية لتنظيم «الدولة الإسلامية». وبدأت محاكمات الأفراد المنقولين في 20 سبتمبر/أيلول، على أن تُستأنف في أكتوبر/تشرين الأول.
كما وثقت منظمة «العفو الدولية» في تقريرها الصادر في 2024 بعنوان في أعقاب هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»: ظلم وتعذيب وموت أثناء الاحتجاز في شمال شرق سوريا، عانى المحتجزون من الاكتظاظ الشديد، وعدم كفاية الطعام، والانعدام التام للرعاية الصحية، ما أدى إلى تفشي أمراض معدية مثل السل، وأسفر عن مئات الوفيات في منشآت من بينها منشأة بانوراما في الحسكة.
ويواصل العراق إعدام عشرات الأشخاص سنويًا، بمن فيهم أشخاص أدينوا بموجب قوانين ذات صياغة فضفاضة لمكافحة «الإرهاب».
وفي 2024، أصدرت المحاكم العراقية أكثر من 200 حكمًا بالإعدام، ونُفذ ما لا يقل عن 63 حكمًا، ما مثّل زيادة بأربعة أضعاف مقارنة بالعام السابق.
وعلى الرغم من تراجع وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام لفترة وجيزة بعد إقرار قانون للعفو العام في مطلع 2025، استؤنفت أحكام الإعدام القضائية في مطلع 2026، ما أثار قلقًا دوليًا بالغًا إزاء الانتهاكات النظمية للإجراءات القانونية الواجبة، حسب المنظمة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *