العطش الوجه الآخر للحرب في غزة… الحصول على الماء معركة حياة


غزة – «القدس العربي»: في زاوية من خيمة نزوح أسرته، استلقى كرم، وهو طفل في الحادية عشرة من عمره، على ظهره، وقد وضع لفافة من القماش على كاحل قدمه اليمنى. تقول والدته يسرى سلامة، البالغة من العمر خمسة وأربعين عامًا، إن ما أصابه هو التواء حدث عندما هرع مسرعًا لحظة سماع أبواق شاحنة كبيرة تحمل خزانًا من المياه العذبة، على أمل الحصول على دور متقدم في طابور طويل يصطف فيه الناس للحصول على لترات قليلة من الماء، في مشهد يعكس أزمة المياه الخطيرة التي يعاني منها سكان غزة بفعل تبعات الحرب المستمرة منذ أكثر من ألف يوم.

قصص من المأساة

الطفل، الذي استيقظ وعيه على حياة صعبة بفعل تبعات الحرب وآلامها التي لا تنتهي، استبدل، كغيره، وقت اللهو واللعب بأعمال شاقة يساعد فيها أسرته خلال النزوح. وإلى جانب أشقائه الأكبر والأصغر منه، يتقاسمون أدوار المساعدة في توفير احتياجات الأسرة؛ فمنهم من يصطف في طوابير أمام «تكايا الطعام» للحصول على وجبة غذاء، وآخرون أمام المخابز، فيما تضطر شقيقته، البالغة من العمر 14 عامًا، إلى مساعدة والدتها في غسل الملابس يدويًا والطهي على مواقد بدائية، وهو مشهد يشبه ما يفعله أقرانهم سواء في مخيمات النزوح أو في المنازل المتضررة من الحرب.
وفي هذه الأيام، بات الهم الأكبر لسكان غزة الحصول على كميات قليلة من المياه، سواء المخصصة للاستخدامات المنزلية أو للشرب، إذ يعاني القطاع من شح كبير في الإمدادات بعدما تفاقمت الأزمة بسبب الحصار الإسرائيلي المشدد المفروض على السكان، والذي أدى إلى تعطيل آبار أخرى كانت تعمل حتى وقت قريب بطاقة محدودة. وبات مشهد غالونات المياه الفارغة جزءًا من المشهد اليومي، إذ تصطف في طوابير طويلة يحجز أصحابها بها دورهم أمام أماكن تعبئة المياه.

الأمراض الجلدية تنهش السكان من قلة الاستحمام

وتقول يسرى، التي تضع، كغيرها، عددًا من غالونات المياه والأواني البلاستيكية في مكان مظلل أمام خيمة نزوحها في منطقة مواصي مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، إن أطفالها يكرهون موعد تعبئة هذه الغالونات، غير أن الحاجة إلى الماء تدفعهم إلى هذا العمل الشاق. فعلى أطفالها، برفقة والدهم، حمل الغالونات المعبأة من صنبور مياه يبعد نحو 300 متر حتى الوصول إلى الخيمة، بعد أن يصطفوا في طابور يصطف فيه أيضًا جيرانهم في مخيم النزوح. وتقول: «في هذا الوقت يزداد التعب أكثر بسبب ارتفاع درجات الحرارة»، إذ تمثل هذه المهمة مشقة كبيرة على الزوج والأطفال.
وتؤكد هذه السيدة لـ»القدس العربي» أنها اضطرت إلى تقنين استخدامات المياه المنزلية رغم الحاجة الملحة إليها. فعلى سبيل المثال، لا تتيح الكميات المتوافرة اغتسال الأطفال يوميًا، رغم كثرة التعرق الذي يغطي أجسادهم نتيجة أعمال المنزل اليومية. ولا تصل المياه إلى أقرب صنبور إلا مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، ولفترة زمنية قصيرة، عبر خط بدائي موصول ببئر قريب، حيث يُستخرج الماء بواسطة محرك إذا توفر الوقود اللازم.
وتشتكي هذه السيدة من قلة النظافة الشخصية، وتقول إن بثورًا والتهابات عدة ظهرت على أجساد الأطفال نتيجة التعرق وعدم الاغتسال اليومي، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة. وتشير إلى أن جاراتها في مخيم النزوح اشتكين أيضًا، إلى جانب الالتهابات الجلدية، من انتشار القمل في رؤوس أبنائهن. وتضيف، وقد بدا احمرار شديد على وجهها بعد أن انتهت لتوها من إعداد طعام الأسرة على موقد بدائي يعمل بالحطب: «يوم بعد يوم تزداد الحياة صعوبة». وتشير هذه السيدة، وهي خريجة قسم التربية في إحدى جامعات غزة، إلى أن أيًا من الحلول التي جرى الحديث عنها وقت إبرام التهدئة لم يتحقق.

أزمة خانقة

ويعتمد غالبية النازحين في قطاع غزة على الشاحنات المتنقلة مصدرًا رئيسيًا لمياه الشرب، في وقت يفاقم فيه الاكتظاظ داخل مخيمات النزوح وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف الضغوط على مصادر المياه المحدودة، لتتحول مهمة الحصول على بضعة لترات من المياه إلى واحدة من أكثر تفاصيل الحياة اليومية مشقة للعائلات النازحة في الخيام.
ويعيش قطاع غزة أزمة مياه خانقة في هذه الأيام، إذ تعطلت أغلب الإمدادات المتبقية، وأصبح الحصول على المياه الصالحة للشرب أمرًا بالغ الصعوبة، كونها تتوافر إما عن طريق الشراء من الموزعين أو عبر جمعيات خيرية، من خلال تعبئة الغالونات مباشرة من شاحنات تحمل صهاريج مياه، وهو ما يتطلب، في ظل الأزمة الخانقة، الاصطفاف في طوابير طويلة. ويمكن مشاهدة حجم الحاجة إلى هذه المياه من خلال مئات المواطنين، رجالًا ونساءً وأطفالًا، وحتى كبار السن، وهم يهرولون نحو المكان المخصص لتوقف هذه الشاحنات.
ويضطر الجميع إلى شرب هذه المياه، رغم أن أغلب السكان في غزة يشككون في مطابقتها للمواصفات المطلوبة، ويرون أنها أقل الضررين، خاصة أن محطات التحلية تشتكي من عدم توفر قطع الغيار والفلاتر والمواد اللازمة للتنقية والتحلية. ويقول إبراهيم محسن، من وسط قطاع غزة، لـ»القدس العربي»، مستغربًا من الوضع: «من متى يكون شرب الماء بحساب ودخول الحمام له حسابات أخرى؟». ويوضح أن زوجته تضطر إلى غسل الملابس بكمية تقل عن ربع ما تحتاجه لعدم توفر الكميات المطلوبة، فيما يضطر هو وأفراد أسرته، بمن فيهم الأطفال الصغار، إلى قضاء أربعة أيام دون أن تلامس أجسادهم قطرة ماء للاستحمام، ويضيف: «حتى عند الاستحمام نحدد في وعاء معين كمية كل فرد». ويشير إلى أنه اضطر في مرات عدة إلى الاغتسال بأقل من خمسة لترات من الماء.
وقد أشارت إلى ذلك «منظمة الأمم المتحدة للطفولة» «اليونيسف»، بإعلانها قبل أيام أن 1.1 مليون طفل في قطاع غزة يواجهون حالة من عدم اليقين اليومي بشأن الحصول على المياه، بينما تعاني 82 بالمئة من الأسر من انعدام الأمن المائي. وتؤكد هذه المنظمة الأممية أن توزيع المياه عبر الصهاريج لا يزال يمثل شريانًا حيويًا لمئات الآلاف من السكان، رغم التحديات التشغيلية واستمرار الضغوط على أنظمة المياه.
وقال في وقت سابق المتحدث باسم «اليونيسف»، جيمس إلدر، مشيرًا إلى ما يواجهه سكان غزة من مصاعب: «أتحدث إلى أمهات لديهن أطفال يصرخون لعدم توفر المياه النظيفة اللازمة ليغسلوا أنفسهم، تخيل أبًا أو أمًا عاجزين عن معالجة هذا الوضع ليلة تلو الأخرى”.

أمراض قلة الاستحمام

ويقول علاء حسونة، وهو شاب في الحادية والعشرين من عمره، إنه، كغيره من أقرانه، يكره يوم تعبئة المياه. ويستذكر هذا الشاب، الذي أمضى نحو ثلاثة أعوام من عمره في حرب صعبة ذاق فيها فراق الأصدقاء والأهل، أنه رغم سكنه في منزل متضرر من الحرب، فإنه يضطر، حين تصل إمدادات المياه إلى صنبور أسفل المنزل، إلى الانتظار مع أبناء عمومته في طابور أصغر، ثم الصعود عشرات المرات حاملًا الغالونات بعد تعبئتها على سلالم المبنى السكني، لملء خزان موجود في أحد زوايا المنزل. ويقول لـ»القدس العربي» إنه يفتقد تلك الأيام التي كانت المياه تصل فيها إلى صنابير الطوابق العلوية متى شاء، وإنه كثيرًا ما يقطع وقت فراغه القصير الذي يقضيه في اللعب في الشارع المجاور على صوت والده ليعاونه في تعبئة المياه.
وهذا الشاب، كأغلب سكان غزة، اشتكى من مرض جلدي غريب انتشر في جسده قبل شهر. ويقول والده إن طفله الأصغر أصيب بـ»جدري الماء» لعدم القدرة على الاغتسال اليومي في ظل ارتفاع درجات الحرارة، وإن هذا المرض أصاب آخرين من أبناء عمومته. ويخشى الوالد أن يتفاقم الأمر مع اشتداد الأزمة، خاصة أن أيًا من الحلول الإغاثية الخاصة بغزة لم يُنفذ منذ اتفاق وقف إطلاق النار، بل إن الأمور، حسب قوله، ازدادت تعقيدًا.
ووفقًا لمسؤولين طبيين، فإن الوضع الصحي في غزة يشهد «تفشيًا وبائيًا غير مسبوق». ويقول مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، بسام زقوت، في تصريحات صحافية، إن الطواقم الطبية ترصد نحو خمسة آلاف إصابة جديدة بجدري الماء أسبوعيًا.

تدمير ممنهج

ووفقًا للتقارير الرسمية، فإن منظومة المياه في قطاع غزة تعرضت، منذ بدء الحرب في 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، لعمليات تدمير واسعة ومنهجية نفذها جيش الاحتلال، طالت 89% من مكوناتها الأساسية. فقد أسفر القصف والتجريف عن تدمير أكثر من 330 ألف متر طولي من شبكات المياه، فيما أدت الهجمات إلى خروج 71% من محطات التحلية البلدية عن الخدمة، كما تعرض 69% من آبار إنتاج المياه للتدمير أو التعطيل.
ويوضح تقرير أعده المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان مؤخرًا أن أزمة المياه في قطاع غزة تجاوزت حدود النقص الطارئ في الإمدادات، لتتحول إلى سياسة حرمان ممنهجة ومدروسة تمس مباشرة أحد أهم مقومات بقاء السكان المدنيين، مبينًا أن ذلك يحرم نحو 85% من السكان من الوصول المنتظم إلى المياه النظيفة.
ويشير المركز إلى أنه، وفقًا لبيانات سلطة المياه وجودة البيئة، تراجع إجمالي إنتاج المياه في قطاع غزة إلى نحو 150 ألف متر مكعب يوميًا، مقارنة بنحو 300 ألف متر مكعب يوميًا قبل الحرب، فيما ارتفع متوسط الفاقد من المياه إلى نحو 65%، مقارنة بـ35% قبل الحرب، وهو مؤشر واضح على حجم الدمار والتسرب في الشبكات الأرضية وصعوبة إجراء أعمال الصيانة. وأكد أن الأوضاع تزداد قسوة في مخيمات النزوح، حيث يحصل الفرد في كثير من المواقع على أقل من خمسة لترات يوميًا، وهي كمية شحيحة لا تلبي الحد الأدنى الإنساني المعتمد في حالات الطوارئ، البالغ 15 لترًا يوميًا، وتتضاءل تمامًا أمام معايير «منظمة الصحة العالمية» التي توصي بـ100 لتر يوميًا للفرد لضمان النظافة والصحة العامة.
ويشير التقرير إلى أن البلديات ومصلحة مياه بلديات الساحل تواجه تحديات تشغيلية غير مسبوقة بسبب النقص الحاد في مصادر الطاقة، والاعتماد على مولدات متهالكة تعمل لساعات محدودة، إضافة إلى نقص الوقود وزيوت المحركات ومادة الكلور المعقمة وقطع الغيار، وهي مواد تمنع إسرائيل إدخالها إلى غزة بموجب الحصار المشدد المفروض منذ بدء الحرب.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *