القاهرة ــ «القدس العربي»: تحكي الأسطورة اليونانية بأنه وبعد غضب الملك (مينوس) على (ديدالوس) وابنه (إيكاروس)، تم نفيهمها في متاهة صنعها الأب بنفسه، بعدها صنع أجنحة من الشمع ليستطيعا الهرب، وقد حذره أبوه من الاقتراب من الشمس، ولكن حالة الطيران غرّت الابن، حتى ذابت أجنحته وسقط، فقد تجاوز الحد والقدرة الإنسانية.
من لحظة السقوط هذه يبدأ العرض المسرحي السويسري (إيكارو)، الذي أصبح الآن نزيل أحد المستشفيات، يُعاني من صعوبة الحركة بعدما خضع للعديد من العمليات الجراحية التي انتهت بوضع المسامير في ساقيه، إلا أن محاولة الطيران لم تزل هي شاغله الشاغل، حتى لو لم تكن إمكاناته تؤهله لهذه المغامرة مرّة أخرى، وليصبح الحلم بالفرار هو الشيء الوحيد الذي يجب فعله.
العرض تأليف وأداء وإخراج المخرج دانييلي فينزي باسكا، وجاء ضمن عروض الدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي. مع ملاحظة أن العرض بدأ تقديمه عام 1991، وتجاوز الـ800 عرض في العديد من مدن ودول العالم.
البداية
في البداية يقف الممثل ومؤلف ومخرج العرض في مقدمة ارتجالية يتحدث فيها عن وجوده في هذا المكان، الذي يبدو للوهلة الأولى كمستشفى، وربما مصح عقلي، وقد يبدو سجناً يليق بكل الذين يحاولون مجاوزة النظام، خاصة وقد أشار في حديثه إلى أنه أخطأ خطأ بسيطا، وهو الهروب من الخدمة العسكرية، فتم حبسه في هذا المكان. فهو وحيد في ما يشبه السجن الانفرادي، ويريد الانتقام من الأطباء والممرضات، ولا يفكر سوى في الهرب. فوجوده في أي مؤسسة تفرض نظامها هي بالأساس سجن كبير، حتى لو اختلفت المُسميات.
وبما أنه وحيد ــ هكذا يقول الممثل للمُشاهدين وهو يقف في مقدمة المسرح وخلفه الستارة مغلقة ـ فعليه اختيار آخر من الجمهور لمُشاركته العرض أو الحكاية ـ تم تقديم العرض في يومين مختلفين، واختار الممثل بالفعل شابا وفتاة لأداء دور الشخصية الأخرى ـ وبعد حوالي عشر دقائق يبدأ العرض.

محاولة جديدة
المكان الآن حجرة يملؤها البياض، الأسِرّة، ملابس المريضين، شِباك معلقة، حقيبتا سفر، دولاب، مكتب. فقط بنطال البطل لونه أسود، يحتفظ به في الدولاب، ويحاول أن يرتديه في صعوبة، نظراً لألم ساقه المزمن، وهناك مريض آخر ـ ممثل من الجمهور ـ قعيد لا يستطيع الحركة. ويبدأ البطل في الحكايات المتواترة عن التفكير في رحلة الخلاص من هذا المكان، حيث لا يهتم بهم أحد، وإن لم يأخذ الدواء بانتظام، فسيهلك حتماً، ولكن هل هذا الدواء مفيد بالفعل؟ ثم يستحضر شخصاً خيالياً شاركه الغرفة من قبل، حينما كانا في طابق آخر من هذا المبنى، سواء أكان مستشفى أو سجنا، لا يهم، وفكّرا في الهرب، من خلال أداء مستمر للتمارين الرياضية التي تعمل على تقوية اليدين والساقين، حتى يستطيعا الطيران، ولكن الستائر الخفيفة تعلق دائماً به، ويحاول التخلص منها في صعوبة كبيرة، شِباك تمثل سجناً وهمياً وكأنها القضبان، أو بقايا أجنحة من تجربة فاشلة سابقة، لذا عليهما التفكير في استدعاء الممرضة وتقييدها، ثم الطبيب وتقييده ـ رمزي السُلطة ـ حتى يصبح الفرار سهلاً.
وبالفعل يستطيع المريض الآخر، من خلال الحكايات الدائمة عن الخارج وما يحدث فيه أن يقف على قدميه، ولكن الأهم ألا يطيرا معاً في اتجاه واحد، لتشتيت انتباه السلطة، وأن يتفقا على مكان وموعد محدد يتقابلان فيه بعد نجاح عملية الهروب. هنا تتداخل الحكاية مع رفيق الحجرة والصديق القديم المُتخيّل، ليصبح المكتب الأبيض هو طاولة في مقهى، تم التواعد على اللقاء فيه، لكن الصديق لم يأت، وربما سقط هو الآخر، أو تم القبض عليه.
الحلم الدائم
يستخرج البطل من الدولاب، الذي دوماً يتم فتحه في صعوبة فراءً في لون مختلف له ولرفيقه، ليكسر هذا البياض اللعين، ويحمله فوق ظهره كجسد واحد ويمثلا حركة جسد يطير خلف لوحة تمثل الشمس في لونيها الأحمر والبرتقالي، وفي الأخير لا يجد البطل إلا الدولاب ليفتحه في سهولة هذه المرّة، ليدخل نور قوي يهرب من خلاله رفيق الحجرة، من دون أن ينسى مواعدته في مكان وزمان محددين، بينما يظل البطل في حجرته ينتظر شخصاً وهمياً آخر يحقق الحلم ويفرّ من هذا الجحيم.
فقط إنسان
حتى لا تبدو التجربة مرتبطة بمكان وزمان مُعينين، يتم دوماً إسقاط فكرة تحديد الأشياء، فالديكور يبدو تجريدياً إلى حدٍ كبير، كأنه لوحة من لوحات الطبيعة الصامتة، كما تبدو السلطة التي تتواتر المحاولات في تجاوزها لا شكل لها، غير محددة، فلكل منا سلطة يحاول تجاوزها، حتى لو كانت سُلطة أفكار وصولاً إلى نظام سياسي واجتماعي. إضافة إلى محاولة خلق حالة من الجمال والفن، حتى لو بين جدران سجن كبير، فالبطل يعرف كيف يؤلف الموسيقى من خلال العزف على أسلاك السرير المعدني الذي يلازمه. هذا التجريد ينفي معه أي أفكار مُسبقة تنتمي إلى تراث ما، أو أي شكل من أشكال وجهات النظر الاجتماعية والسياسية التي تثقل الحالة الإنسانية، هذه الحالة التي تخص الإنسان وحده، وتعبّر عنه فقط مهما كان مكانه في هذا العالم. فهو ليس خارقاً كما في الأساطير، بل هو فقط إنسان حتى لو فشل في حلمه بالطيران، فقيمته تتجلى في عدم تخليه عن الفكرة نفسها.