لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا لروكسين غي قالت فيه إن السياسة تصادمت مع مظهر المغني إد شيران بالحيادية، والتي استخدمها كملجأ ولم يوسعها للجمهور الذي يحضر حفلاته ويستمع لأغانيه.
فشيران، بلا شك، واحد من أشهر المغنين في العالم، باع ملايين النسخ من ألبوماته، ويعد من بين أكثر الفنانين استماعا عبر الإنترنت، ويقدم أغاني ناجحة ترضي جميع الأذواق تقريبا.
وعادة ما يقدم نفسه كمواطن عالمي وباحث عن تأثيرات موسيقية مختلفة، حيث دمج مؤثرات فارسية في أغنية “عزيزم” أو حبيبي. أما أغنية “سافاير” فقد ضمنها بتوقيعات بنجابية، والتي كانت جزءا من ألبومه “بلاي” الذي يضم عددا من الموسيقيين الهنود.
وعلى ما يبدو، يرغب شيران في تقديم العروض حول العالم وجمع الأموال في وقت السلم، إلا أنه يتجاهل، على ما يبدو، معظم الصراعات العالمية التي قد تؤثر على جمهوره، على الرغم من حرصه على ابتكار مزيج من الأصوات العالمية في موسيقاه.
يرغب شيران في تقديم العروض حول العالم وجمع الأموال في وقت السلم، إلا أنه يتجاهل، على ما يبدو، معظم الصراعات العالمية التي قد تؤثر على جمهوره، على الرغم من حرصه على ابتكار مزيج من الأصوات العالمية في موسيقاه
وهذا ما يوحي، على الأقل، رده على استبعاد مغني الراب ماكلمور من قائمة الفنانين المشاركين في جولته “لوب”. ففي حفلتين أُقيمتا مطلع أيلول/سبتمبر، تحدث ماكلمور عن فلسطين وإنهاء الإبادة الجماعية والخسائر الفادحة في الأرواح في غزة. ولطالما كان ماكلمور داعما قويا للفلسطينيين خلال السنوات القليلة الماضية، وعندما أتيحت له الفرصة للتحدث أمام جماهير غفيرة في جولة فنية كبرى، استغلها خير استغلال.
وسارع مالكو الملاعب إلى التحرك، مستخدمين ثرواتهم الطائلة، من بين أمور أخرى، كأداة ضغط لإخضاع ماكلمور وتوجيه إنذار واضح لأي شخص قد يجرؤ على الإعلان عن دعمه للفلسطينيين. وطُرد مغني الراب من جولة شيران بعد أن قال روبرت كرافت، الملياردير مالك فريق نيو إنغلاند باتريوتس، إن شيران لن يتمكن من الغناء في ملعب جيليت إذا بقي ماكلمور ضمن قائمة الفنانين المشاركين، وتعلق غي على رد الفعل هذا بأنه “قصة شريرة بامتياز”.
وبقيتها معروفة، فقد أصدر ماكلمور بيانا عاما بليغا حول استبعاده، وبعد ذلك بوقت قصير، غادر باقي الفنانين المشاركين في الجولة وفرقة شيران الموسيقية الجولة تضامنا معه. من جانبه، قال شيران في بيان له إن قرار استبعاد ماكلمور لم يكن قراره، بل قرار أصحاب المكان ومنظم الجولة: “لست متواطئا ولدي آرائي الشخصية حول هذا النزاع المدمر، ومجرد اختياري عدم التحدث علنا لا يعني ألا آراء لدي ولا يعني أنني لا أهتم”.
وكثيرا ما يتهم المشاهير عندما يطلب منهم مشاركة آرائهم السياسية، وفي هذه الحالات، يتسع نطاق ما يعتبر سياسيا ليشمل أي شيء قد يؤثر على علامتهم التجارية أو صورتهم العامة أو إمكاناتهم الربحية أو سمعتهم أو إرثهم. سيقول المشاهير إنهم غير مهتمين بالسياسة أو إنهم لا “يمارسون” السياسة أو إنهم لا يتحدثون عنها. كل ما يهمهم هو عملهم، لا شيء غير ذلك. إذا التزموا الحياد (الصمت)، فلن يسيئوا لأحد، بل سيرضون الجميع، على الأرجح. إنهم يتخذون من الحياد ملاذا ومكانا للاحتماء. وفي بيانه الأصلي، أضاف شيران أن جمهوره لا يحضر حفلاته من أجل “منبر سياسي”، وهو ما كان ببساطة توسيعا لنطاق ملاذه. ماذا عساه أن يفعل؟ إنه مجرد خادم، خاضع لرغبات جمهوره.
وقد كان البيان فاترا وغامضا كموسيقاه. لقد استخدم الغموض والإبهام ليفسر الناس كلماته بما يريدون سماعه. ربما كان، في قرارة نفسه، مدافعا متحمسا عن الفلسطينيين. وربما كان يعتقد حقا، في قرارة نفسه، أن إسرائيل لا ترتكب إبادة جماعية.
وقد ألمح شيران سابقا إلى حقه في الخصوصية فيما يتعلق بآرائه السياسية، وأنه رغم كونه أحد أشهر الموسيقيين وأكثرهم ربحا في العالم، فإنه لا يملك أي سلطة في هذا الوضع. فالمسؤولية تقع على عاتق أماكن الحفلات والمنظمين وأي شخص آخر غيره، فيما حدث.
وفي حالة الفنان شيران، كان هناك استثناء سابق: أوكرانيا، ففي عام 2022، أحيا حفلا لجمع التبرعات لأوكرانيا، وأعرب في أكثر من مناسبة عن تضامنه مع هذا البلد الذي مزقته الحرب. وبدا أنه كان سياسيا عندما رأى أن ذلك آمن بما يكفي. وفيما عدا ذلك، اتخذ شيران الحياد ملاذا لنفسه، لكن هذا الملاذ لم يشمل جمهوره.
أحيا شيران حفلا لجمع التبرعات لأوكرانيا، وأعرب في أكثر من مناسبة عن تضامنه مع هذا البلد الذي مزقته الحرب. وبدا أنه كان سياسيا عندما رأى أن ذلك آمن بما يكفي. وفيما عدا ذلك، اتخذ شيران الحياد ملاذا لنفسه
فقد وعد بموسيقى رائعة وأوقات ممتعة، بعيدا عن السياسة، مع أن جمهوره كان يغادر الملعب بعد ثلاث ساعات عائدا إلى حياته التي لم يكن بوسعه فيها تجنب مشاكل السياسة، من الخسائر النفسية الفادحة الناجمة عن موت العديد من المدنيين عبثا، فضلا عن ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب في إيران والتضخم وركود الأجور.
وباستثناءات قليلة بارزة مثل مارك روفالو والسيدة رايتشل، فإن معظم الشخصيات العامة لا ترغب في المخاطرة بامتيازاتها ومكانتها أو إظهار شجاعة قناعاتها. في عام 2025، قال فاريل ويليامز: “أكره السياسة، أكرهها بشدة، إنها مجرد خدعة، ليست حقيقية ولا أؤمن بأي من الجانبين وأعتقد أن اختيارك لأحد الجانبين، هو دعم غير مقصود للانقسام”.
وفي مقابلة مع “نيويورك تايمز” في العام نفسه، أوضحت جينيفر لورانس، التي كانت معروفة بآرائها السياسية الجريئة سابقا، قائلة: “لا أريد أن أتسبب في نفور الناس من الأفلام والفنون التي قد تغير الوعي أو تغير العالم لمجرد اختلاف آرائي السياسية معهم”. وفي مهرجان برلين السينمائي عام 2026، قال ويم فيندرز، متحدثا عن زملائه المخرجين: “علينا أن نبتعد عن السياسة، لأنه إذا صنعنا أفلاما ذات توجه سياسي واضح، فإننا ندخل معترك السياسة، لكننا في الوقت نفسه نمثل ثقلا موازنا لها”.
وعندما يدلي المشاهير بمثل هذه التصريحات، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عما إذا كانوا يفهمون السياسة أصلا، وإنه لأمر مضلل، هذا الاعتقاد الخاطئ بأن التزام الشخصيات البارزة الصمت السياسي سيشجع على الوحدة بدلا من الانقسام، مقدمين حيادهم كشعار “نحن العالم” للعصر الحديث. ويبدو أن هذا ما يتوق إليه شيران.
وتعلق غي أن المشاهير عادة ما يظهرون انتقائية كبيرة في إدراك تأثيرهم على جمهورهم. فعندما يتعلق الأمر بالسياسة، وغيرها من القضايا الجوهرية والملحة، فهم مجرد ممثلين أو موسيقيين أو رياضيين: فلماذا يهتم أحد بآرائهم؟
لكنهم عندما يشاركون في مؤتمر صحافي لمشروع ما أو يعملون كمتحدثين رسميين لمنتج أو يصبحون سفراء لعلامة تجارية، فإنهم يدركون تماما قوتهم، وقيمتها، وكيفية استخدامها.
وتقول إنها تتفهم إلى حد ما ترددهم في الإفصاح عن آرائهم السياسية. فغالبا ما يكون السائلون، الذين يسألون المشاهير عن موقفهم من أي قضية، يريدون ببساطة منهم التأكيد على مواقفهم. وإذا لم يفعلوا، يتعرضون لانتقادات لاذعة أو، كما في الآونة الأخيرة، المقاطعة.
في بيانه، أوضح ماكلمور أنه لا يزال يتمتع بامتيازات كبيرة، وأن الضحايا الحقيقيين في هذه القضية هم الفلسطينيون. يشيد الكثيرون بماكلمور ويصنفونه كقائد في حركة فلسطين الحرة. وهذا ليس صحيحا، فهو مجرد رجل واحد يتمتع بنفوذ وسلطة، يتخذ موقفا بغض النظر عن العواقب، إنه لأمر جدير بالملاحظة، بل ومثير للإعجاب، لأنه نادر الحدوث.
أما بالنسبة لشيران، فبعد أيام من التدقيق والضغط الشعبي المكثف، تحدث على مضض عن غزة في أول حفل له منذ استبعاد ماكلمور من الجولة. ويبدو أنه فعل ذلك لأن مستقبل جولته كان موضع شك. وفي كلمته، قال شيران إن هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر على إسرائيل كانت “مروعة وزادت من معاناة اليهود على مر القرون”، وأن “ما يحدث في غزة كارثي وغير مبرر وغير متناسب”. وأظهر أنه يتألم وقلبه مفطور ويكن تعاطفا عميقا مع الأطفال وذرف بعض الدموع، وكأنه يؤكد صدق مشاعره. في وقت سابق من خطابه قبل الحفل، أشار أيضا إلى أنه “حاول طوال مسيرته الفنية ألا يكون معلقا سياسيا بأي شكل من الأشكال، لأنني أريد أن تكون موسيقاي وعروضي عن الوحدة لا الانقسام، عن الإنسانية لا السياسة”.
ولكن كيف يمكن تحقيق الوحدة دون الاعتراف بالسياسة؟ هذا سؤال لم يجب عليه شيران، الذي أعطى الأولوية لمشاعره في تصريحه الأخير. وتختم غي بالقول إن هذا النقاش برمته هو تذكير صارخ بأن الامتناع عن اتخاذ مواقف سياسية هو، في حد ذاته، موقف سياسي: سياسة المصالح الشخصية.