الرباط- “القدس العربي”: أعفى العاهل المغربي، اليوم الأحد، مديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين (التدريب) المهني والتأهيل، من منصبها، بناءً على طلب رئيسة الحكومة.
وأفاد بيان للديوان الملكي بأن الملك محمد السادس تلقى طلبًا من رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بإعفاء الوزيرة المذكورة، وأنه تفضل بقبول الطلب المذكور، طبقًا لأحكام الفصل 47 من الدستور.
وجاء إعفاء الوزيرة خيير بعد ثلاثة أيام من تعيينها ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة. فمنذ ظهر اسمها ضمن قائمة الوزراء، صار موضوعًا لنقاشات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثار اهتمام عدد من الإعلاميين، وذلك عقب تداول وثيقة قُدمت على أنها شهادة طبية تتضمن معطيات صحية ونفسية سابقة منسوبة إلى المسؤولة الحكومية الجديدة.
ورغم أن الوثيقة المتداولة تعود، بحسب التاريخ الوارد فيها، إلى سنة 2004، فإن إعادة تداولها بالتزامن مع تعيين مديحة خيير وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين (التدريب) المهني أثارت نقاشًا على منصات التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، امتد من التساؤل حول خلفيات نشرها وسياقها إلى نقاش أوسع بشأن معايير اختيار أعضاء الحكومة.
لم تمض سوى ساعات قليلة على دخول ماديحة خيير إلى الحكومة الجديدة حتى وجدت نفسها خارجها. البلاغ الرسمي حسم الجانب المؤسساتي: رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري رفعت طلب الإعفاء، والملك محمد السادس قبله طبقا للفصل 47 من الدستور. https://t.co/00XHOkETNr
— redouane taibi (@redouanetaibi8) October 18, 2026
وبينما يطالب البعض بتوضيحات بشأن خلفيات الوثيقة وعلاقتها بالإجراءات القضائية التي تعود إلى سنة 2004، يدعو آخرون إلى احترام الحياة الخاصة وعدم بناء أحكام مسبقة على وثائق طبية قديمة.
في سياق هذا الجدل، تفاعل عدد من الصحافيين مع الواقعة، فقد نشر الإعلامي مصطفى الفن تدوينة تناول فيها المعطيات المتداولة، مشيرًا إلى انتشار شهادة طبية منسوبة إلى طبيب متخصص في الأمراض النفسية والعقلية، تفيد، بحسب مضمون الوثيقة المتداولة، بوجود سوابق صحية ونفسية تعود إلى أكثر من عقدين من الزمن.
وتساءل الفن في تدوينته عن أسباب عدم خروج الوزيرة المعنية لتقديم توضيحات للرأي العام، معتبرًا أن قِدم تاريخ الشهادة لا يلغي، في نظره، الحاجة إلى توضيح ملابساتها. كما أشار إلى روايات متداولة تربط دخول المعنية بالأمر إلى مؤسسة استشفائية متخصصة في الأمراض النفسية والعقلية خلال تلك الفترة بقضايا مرتبطة بشيكات بدون مؤونة، وليس بدواعٍ علاجية، وفق ما أورده في تدوينته.
وعاد مصطفى الفن إلى الموضوع في تدوينة ثانية، تناول فيها ما اعتبره معطيات تتجاوز البعد الطبي والحديث عن الحياة الخاصة للوزيرة، مشيرًا إلى روايات تربط الشهادة الطبية المتداولة بإجراءات قضائية تعود إلى سنة 2004، وما أُثير بشأن احتمال استعمالها لتفادي استمرار وضعها رهن الحبس الاحتياطي أو مواجهة عقوبات سجنية خلال تلك الفترة.
وإلى جانب التفاعل الإعلامي، حضرت المقاربة الحقوقية في النقاش، إذ اعتبر الحقوقي محمد الزهاري أن القضية تجاوزت، في نظره، حدود الحياة الخاصة للوزيرة، لتطرح تساؤلات تتعلق بالمؤسسات التنفيذية والسياسية.
وبحسب الزهاري، فإن جوهر النقاش لا يتعلق بالتشخيص الطبي لحالة صحية سابقة، التي تظل معطياتها محكومة بمبدأ السرية، بقدر ما يرتبط بما أُثير بشأن احتمال استعمال الشهادة الطبية في إطار مسطرة قضائية تعود إلى سنة 2004، على خلفية قضايا مرتبطة بالنصب والشيكات، وبما تردد عن ارتباط الوثيقة بإجراءات الإفراج عن المعنية بالأمر.
وشدد صاحب التدوينة على ضرورة تدخل الجهات القضائية المختصة لتوضيح حقيقة الوقائع وترتيب الآثار القانونية اللازمة، كما دعا الوزيرة إلى تقديم توضيحات بشأن صحة الشهادة والمساطر القضائية المرتبطة بها، ومدى استعمال الوثائق في إجراءات رسمية. وتساءل، في السياق نفسه، عن خلفيات تسريب الوثيقة وتوقيت تداولها بالتزامن مع تعيين الوزيرة.
ودخل فاعلون حقوقيون آخرون على خط النقاش، مطالبين بتوضيح الملابسات ووضع حد لتداول الإشاعات والأخبار غير الدقيقة التي تستهدف المسؤولين العموميين. واعتبر بعضهم أن إعادة تداول الملفات الشخصية القديمة قد تندرج، في بعض الحالات، ضمن حملات رقمية تستهدف المعنيين بها.
كما شددوا على أن الأمراض أو الظروف الصحية والنفسية السابقة، حتى في حال ثبوتها، لا ينبغي أن تشكل سببًا تلقائيًا للإقصاء من العمل العمومي أو تولي المسؤوليات السياسية والإدارية، ما لم يثبت وجود مانع قانوني أو ما يتصل بالقدرة الفعلية على أداء المهام المطلوبة.
وفي ظل عدم صدور توضيح رسمي من الوزيرة المعنية أو من حزب “الاستقلال” بشأن الوثيقة المتداولة، استمر النقاش وتناسلت التدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي، بين منتقدين أثاروا تساؤلات بشأن ملابسات القضية، ومؤيدين شددوا على ضرورة الفصل بين المسار المهني والسياسي للوزيرة وظروفها الشخصية السابقة.
وفي مقابل الانتقادات والتساؤلات المثارة، برزت مواقف تدعو إلى احترام الخصوصية وأخلاقيات النشر. وفي هذا الإطار، اعتبر الصحافي حسن المولوع أن تداول وثيقة مؤرخة بسنة 2004، تتضمن معطيات صحية شخصية ومنسوبة إلى الوزيرة، يطرح إشكاليات مرتبطة بحماية الحياة الخاصة، خصوصًا في ظل عدم حسم الجدل بشأن صحة الوثيقة وسياقها.
وأكد المولوع أن مرور أكثر من عقدين على تاريخ الوثيقة لا يسمح، في حد ذاته، باستنتاج استمرار الظروف الصحية التي قد تكون مرتبطة بها، مشددًا على أن تسريب الوثائق الشخصية أو توظيفها في حملات تستهدف الأفراد يثير تساؤلات بشأن المسؤولية المهنية والأخلاقية في التعامل مع المعطيات الخاصة.
وفي سياق متابعة القضية، نقلت الجريدة الإلكترونية “الشعاع الجديد” شهادة مواطن قال إنه كان معتقلًا في مدينة بني ملال سنة 2004، مقدمةً روايته باعتبارها معطى إضافيًا في النقاش الدائر حول خلفيات الوثيقة الطبية المتداولة.
وبحسب ما نشره الموقع، شهدت منطقة بني ملال خلال سنة 2004 أبحاثًا أمنية بشأن معاملات مرتبطة بشيكات بدون مؤونة استُخدمت، وفق الرواية المنشورة، في اقتناء مجوهرات بمبالغ مالية كبيرة. وأفاد الشاهد، بحسب الجريدة، بأنه التقى المعنية بالأمر أثناء وجودها رهن الحبس الاحتياطي خلال تلك الفترة.
وأضاف التقرير أن الشهادة الطبية المؤرخة في يونيو/حزيران 2004، والتي تتضمن إشارات إلى اضطرابات نفسية، تعود إلى الفترة نفسها التي جرت خلالها التحقيقات القضائية، وهو ما دفع الموقع إلى طرح تساؤلات بشأن احتمال ارتباطها بالمساطر القانونية التي كانت جارية آنذاك. ولم يتضمن النص المنشور، كما ورد في الموقع، ما يكفي وحده للحسم في طبيعة هذا الارتباط أو في مآل الإجراءات القضائية المعنية.
في مقابل الانتقادات، برز موقف مدافع عن الوزيرة من داخل حزب “الاستقلال”، عبرت عنه القيادية خديجة الزومي، التي اعتبرت أن ما تتعرض له المعنية بالأمر يدخل في إطار “حملة تنمر وتصفية حسابات”، انطلقت، بحسب تعبيرها، مباشرة بعد الإعلان عن تعيينها في الحكومة.
وأكدت الزومي في تدوينة لها أن مسار الاستوزار يخضع لمساطر وأعراف مؤسساتية، مستغربةً إعادة تداول وثائق تعود إلى أكثر من 22 سنة، وتحويلها، بحسب تعبيرها، إلى وسيلة لاستهداف سمعة الوزيرة بالتزامن مع تعيينها.
واستحضرت الزومي المسار المهني والسياسي للوزيرة، مشيرةً إلى تقلدها مسؤوليات إدارية بالمكتب المغربي للمطارات، ومهامها البرلمانية داخل المغرب وخارجه، كما أنها تصدرت نتائج الانتخابات في دائرتها. واعتبرت أن هذه المعطيات تستدعي النظر إلى مسارها المهني والسياسي بعيدًا عن الحملات التي تستهدفها، داعيةً إلى وقف الإساءة إلى النساء السياسيات والارتقاء بالنقد إلى مستوى النقاش الموضوعي.