العالم بحاجة لقادة مستنيرين وما يقدمه ترامب وشي هو النرجسية والقومية وضيق الأفق


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالًا للمعلق جدعون رتشمان قال فيه إن العالم بحاجة لقادة مستنيرين ومن أصحاب الرؤية الثاقبة، ولكن لا الرئيس دونالد ترامب ولا الصيني شي جين بينغ يملكان أيًا من هذه الرؤية. ووصفهما رتشمان بأنهما الرجلان الخطأ في الزمن الخطأ.

واستشهد بكلام للسياسي الفرنسي غويليوم لاكرو الذي قال في نهاية الأسبوع الماضي: “خرجت للتو من اجتماعات استمرت قرابة ثلاث ساعات، تضمنت إحاطات ومناقشات مع رئيس الجمهورية وأجهزة الاستخبارات والأمن. ومن النادر أن شعرت خلال خمسين عامًا بمثل هذا الدوار. دوار من خطورة الوضع في الشرق الأوسط وأوكرانيا، ومن الجنون العدواني الذي يدفع العالم نحو الفوضى”. وهو ليس الوحيد الذي يشعر بهذا القلق، فقد انطلقت تحذيرات قاتمة من العواصم الأوروبية لأسابيع بشأن خطر الحرب.

ودقت أجراس الإنذار في وادي السيليكون بشأن الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء العالم، فيما تتفاقم أزمة الطاقة وتشير أسواق السندات إلى أزمة ديون محتملة.

من الناحية النظرية، يعد اجتماع زعيمي أقوى دولتين في العالم في وقت لاحق من هذا الأسبوع أمرًا جيدًا، فهناك الكثير مما يجب على دونالد ترامب وشي جين بينغ مناقشته: الحروب والطاقة والذكاء الاصطناعي والتجارة وتايوان وقاعة الاحتفالات في البيت الأبيض

ويعلق رتشمان قائلًا إنها “لحظة حرجة في الشؤون العالمية، ومن الناحية النظرية، يعد اجتماع زعيمي أقوى دولتين في العالم في وقت لاحق من هذا الأسبوع أمرًا جيدًا، فهناك الكثير مما يجب على دونالد ترامب وشي جين بينغ مناقشته: الحروب والطاقة والذكاء الاصطناعي والتجارة وتايوان وقاعة الاحتفالات في البيت الأبيض”.

إلا أن الكاتب يستبعد إحراز تقدم حقيقي في أي من هذه القضايا الكبرى، وذلك بسبب الشكوك العميقة بين الولايات المتحدة والصين ومحدودية قدرات الزعيمين المعنيين.

ويقول رتشمان إن أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الولايات المتحدة والصين في التقارب الحذر، دون الخوض في قضايا ذات اهتمام مشترك، هو صراعهما المستمر حول التجارة. وعندما ردت بكين لأول مرة على الرسوم الجمركية التي أعلنها ترامب في 2 نيسان/أبريل 2025، استخفت الولايات المتحدة بالأمر. وزعم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي آنذاك، المعروف بميله إلى استخدام استعارات المقامرة، أن بكين تلعب البوكر “بورقتين من فئة الاثنين”.

وفي الواقع، تبدو القيود التي فرضتها الصين على صادرات العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية وكأنها فوز ساحق، حيث بدأت خطوط إنتاج الصناعات الأمريكية الرئيسية تعاني من صعوبات في غضون أسابيع.

ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025 وقعت كل من الصين والولايات المتحدة على هدنة تجارية في كوريا الجنوبية، والتي قد تجدد في واشنطن. لكن تبادل الاتهامات بشأن التجارة زاد من انعدام الثقة بين الجانبين. وباتت كل من بكين وواشنطن في حالة تأهب قصوى لأي شكل من أشكال التعاون الذي قد يستخدم ضدهما في المستقبل.

ويضيف رتشمان أن غياب الثقة بينهما يعني تضاؤل الفرص لكي تعمل الصين وأمريكا معًا لمواجهة التهديدات المشتركة التي تتجاوز الحدود الوطنية، مثل الذكاء الاصطناعي المارق أو تغير المناخ. وتطالب كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية بنهج أمريكي-صيني مشترك في مجال تنظيم الذكاء الاصطناعي. ويقول بيسنت إن البلدين اتفقا مؤخرًا على حوار حول الذكاء الاصطناعي، إلا أن المناقشات ستكون محدودة بسبب التنافس المتأصل بين واشنطن وبكين. ويؤكد ترامب أن “الولايات المتحدة تتفوق على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي”، ويقول إنه يريد “الحفاظ على هذا التفوق، لأن من يفوز في مجال الذكاء الاصطناعي ينتصر”.

وفي المقابل، تشك الصين في الدعوات الأمريكية إلى نهج مشترك في مجال الذكاء الاصطناعي وأنها ليست سوى محاولة لترسيخ تفوق أمريكا الضئيل في هذه التقنية المحورية. وقد ركزت مقالات حديثة في وسائل الإعلام الصينية الرسمية على التهديد الذي قد يشكله الذكاء الاصطناعي على استمرار حكم الحزب الشيوعي، بدلًا من التركيز على البشرية جمعاء. ويميل ترامب إلى رفض أي فكرة يجدها غير ملائمة، واصفًا إياها بـ”الخدعة”. وهذا هو الوصف الذي استخدمه لوصف التهديدات التي يشكلها الذكاء الاصطناعي. وهي أيضًا الكلمة التي لطالما استخدمها لوصف تغير المناخ.

حتى لو أرادت الولايات المتحدة مساعدة بكين في إنهاء الصراع، وهو أمر مستبعد، فليس لدى شي أي سبب للتدخل في الصراع الذي أشعله ترامب في الخليج

وبدلًا من ذلك، أعطى الرئيس الأمريكي الأولوية لاستخدام نموذج أمريكا في مجال النفط والغاز سعيًا وراء “الهيمنة الأمريكية على الطاقة”، وتفاخر بانسحابه من اتفاقية باريس للمناخ و”عشرات الاتفاقيات المناخية الدولية الأخرى التي يتبناها اليسار الراديكالي”. وقد سمحت هذه السياسة للصين بترسيخ هيمنتها على الصناعات التي تدعم الطاقة المتجددة، مثل البطاريات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية.

كل هذا لا يعمي حقيقة أن كلا البلدين يواجه تهديدًا من أزمة إمدادات الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط. وقد انخرطت الصين في صنع السلام في الشرق الأوسط في الماضي، وهي مستورد رئيسي للنفط من المنطقة.

ولكن حتى لو أرادت الولايات المتحدة مساعدة بكين في إنهاء الصراع، وهو أمر مستبعد، فليس لدى شي أي سبب للتدخل في الصراع الذي أشعله ترامب في الخليج.

كما يظل نطاق التعاون الأمريكي-الصيني بشأن الحرب الأوكرانية محدودًا جدًا، ذلك أن بكين لا تزال تلعب دورًا حاسمًا في دعم الاقتصاد الروسي وبقائه فاعلًا.

ولهذا، فبدلًا من لعب دور الوسيط، لا يزال هناك خطر من أن تشعل الصين حربًا عالمية ثالثة كبرى عبر غزو تايوان أو فرض حصار عليها. وتواجه الولايات المتحدة صعوبات في إيران، كما أن مخزونها من الأسلحة قد نفد. وعلى عكس الرئيس جو بايدن، قلل ترامب من شأن فكرة دخول الولايات المتحدة في حرب دفاعًا عن تايوان. وهو ما يزيد من إغراء شي جين بينغ للتحرك قريبًا. من جهة أخرى، سيدرك الزعيم الصيني مدى صعوبة انتصار الولايات المتحدة وروسيا في حروبهما ضد الدول الأضعف، مما قد يدفعه إلى التركيز على زيادة الضغط السياسي على تايوان.

ولاحظ رتشمان أن كلا من ترامب وشي يحبان مظاهر البذخ والاحتفالات، وسيكون هناك الكثير منها في واشنطن، لكن من المرجح ألا يكون هناك نقاش جاد حول القضايا التي تهم العالم. ولن يكون لقاؤهما كقمة ريكيافيك بين ريغان وغورباتشوف عام 1986، حيث ناقش الزعيمان خلافات نووية حادة، ولمحا إلى نهاية الحرب الباردة.

ويمثل ترامب وشي دولتين متنافستين، ولسوء الحظ، يشترك الزعيمان في العديد من العيوب نفسها، كالنرجسية والقومية وضيق الأفق، والعالم بحاجة إلى قادة يملكون رؤية ثاقبة، وهذا ليس ما يقدم له في الوقت الحالي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *