باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة لوموند الفرنسية، في روبورتاج لها، إنها سلكت قُبيل التصويت الحاسم لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن الصحراء الغربية، جزءاً من الطريق السيار الجديد الذي يمتد نحو الأراضي الصحراوية. وهو مشروع أراده الملك محمد السادس لترسيخ حضور الرباط في هذه المنطقة المتنازع عليها.
على الطريق السيار “دونالد ج. ترامب”، الذي يقود إلى الصحراء الغربية، والرابط بين تزنيت والداخلة، اعتاد سائقو الشاحنات التوقف لأول مرة عند النقطة الكيلومترية 18. وتصبح فضاءات الاستراحة أكثر ندرة بعد ذلك، بمجرد أن تتوغل الطريق المعبدة وسط الامتدادات الصحراوية الشاسعة. وفي دوار بونعمان الصغير، الواقع وسط أشجار الأركان، ظهرت محطة وقود حديثة قبل أقل من عامين، تضم متجراً ملحقاً بها، ومطعماً للمشاوي، ومحل جزارة، ومقهى بشرفة، فضلاً عن فضاء لغسل السيارات.
في صباح أحد أيام أواخر أكتوبر، لم يُخف محمد، الذي رفض الكشف عن اسمه العائلي، إعجابه بهذا المشروع، بل قال إنه “سعيد للغاية” وهو يرتدي كنزة صوفية بنفسجية، بينما كانت أشعة الشمس ما تزال تتأخر في تدفئة هذه المناطق القاحلة من جنوب المغرب. وقال: “هذه الطريق أفضل بألف مرة مما كانت عليه في السابق”.
مشروع طريق “دونالد ترامب” أراده الملك محمد السادس لترسيخ حضور الرباط في هذه المنطقة المتنازع عليها
وبالنسبة إليه، أصبحت الرحلات أقل مشقة بكثير منذ أن جرى تحويل الطريق الوطنية رقم 1 القديمة، التي كانت “ضيقة، وغالباً ما تغمرها الرمال، وتنتشر فيها الحفر بفعل ثقل الشاحنات”، إلى طريق مزدوجة تضم مسارين في كل اتجاه، مع تحديد السرعة القصوى في بعض المقاطع عند 100 كيلومتر في الساعة.
بل إن دخول الطريق السريعة الجديدة حيز الخدمة، بعد اكتمال أشغالها في نهاية سنة 2024، شجع شركات على العودة إلى استخدام هذا المحور الطرقي للوصول إلى جنوب المغرب والصحراء الغربية. وهي منطقة تطلق عليها الرباط تسمية “أقاليمها الجنوبية”، لكنها تظل محل نزاع مع جبهة البوليساريو الانفصالية، المدعومة من الجزائر، والتي تصنفها منظمة الأمم المتحدة ضمن “الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي”.
وقال عامر، رئيس الجمعية المغربية للنقل الطرقي الدولي، في اتصال هاتفي: “من المؤكد أننا نربح ما بين خمس وست ساعات من السفر”. وأضاف: “أما التوفير في استهلاك الوقود فهو كبير، إذ يتراوح بين 300 و400 لتر من المازوت في كل رحلة”، وهو ما يعادل تقريباً خزاناً كاملاً، بحسب نوع الشاحنة الثقيلة. وتابع المسؤول: “إنه إنجاز كبير، يساهم أيضاً في فك العزلة عن مناطق الجنوب”.
تسمية ذات أبعاد استراتيجية كبيرة
ما يزال الوضع القانوني لهذا الإقليم الشاسع، الذي تبلغ مساحته مساحة المملكة المتحدة تقريباً، معلقاً منذ انتهاء الوجود الإسباني سنة 1976، رغم خضوعه للإدارة المغربية، التي تسيطر على 80 بالمئة من مساحته. واعتباراً من 30 أكتوبر، يتعين على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اتخاذ قرار بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو).
تأتي هذه المحطة الحاسمة بعد عام من اعتماد القرار رقم 2797، الذي جعل من مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب سنة 2007 “المرجعية الرئيسية” للتوصل إلى حل للنزاع. أما اختيار تغيير اسم محور تزنيت- الداخلة خلال الصيف إلى “الطريق السيار دونالد ج. ترامب”، فيهدف إلى الإشادة بدور الرئيس الأمريكي، الذي كان دعمه حاسماً في هذا الملف، وإلى ضمان استمرار استمالة دعمه من خلال مجاملة غروره.
وفي يوليو، وجّه القصر الملكي بالفعل رسالة إلى البيت الأبيض، أشاد فيها الملك محمد السادس بالرئيس الأمريكي، تقديراً لـ”اعترافه التاريخي، عام 2020، بسيادة المغرب على صحرائه”، وهو الاعتراف الذي كتب الملك أنه “سيظل محفوراً إلى الأبد في ذاكرة المغاربة، جيلاً بعد جيل”.
يندرج هذا الطريق السريع ضمن برنامج تنموي يهدف إلى جعل الصحراء “قطباً اقتصادياً”. وتبلغ كلفة المشروع 9 مليارات درهم (820 مليون يورو)
ومنذ البداية، جرى الإعلان عن البعد السياسي لهذا المشروع بشكل واضح.
فقد أعلن الملك محمد السادس عن إطلاقه سنة 2015، بمناسبة الذكرى الأربعين لـ”المسيرة الخضراء”، وهو الاسم الذي أطلق على المسيرة السلمية التي شارك فيها 350 ألف مدني مغربي، بدعوة من الملك الحسن الثاني، لتأكيد المطالب المغربية بالسيادة على الأراضي الصحراوية.
ويندرج هذا الطريق السريع ضمن برنامج تنموي يهدف إلى جعل الصحراء “قطباً اقتصادياً”. وتبلغ كلفة المشروع 9 مليارات درهم (820 مليون يورو)، وهو أحد أكبر المشاريع التي أُطلقت في الأقاليم الجنوبية منذ الشروع، قبل عشر سنوات، في تنفيذ المراحل الأولى من سياسة الاستثمارات الضخمة بهذه المناطق.
وقال أحد سائقي الشاحنات، بصوت خافت، خلال استراحة للتدخين في فضاء للراحة عند النقطة الكيلومترية 294، الذي تستولي عليه الكلاب الضالة في الغالب: “الجميع يعلم أن الطريق أصبح يحمل اسم ترامب من أجل تسريع ملف الصحراء في مواجهة جبهة البوليساريو”. وأضاف الرجل، وهو في الخمسينيات من عمره ومنحدر من الدار البيضاء: “هذا أمر جيد للغاية”. ولم يرغب في الإدلاء بمزيد من التفاصيل، مفضلاً الحفاظ على هويته مجهولة، شأنه شأن بقية الأشخاص الذين وردت تصريحاتهم دون ذكر أسمائهم الكاملة.
تعزيز السيطرة المغربية
على الجزء من الطريق الذي تمكنت “لوموند” من قطعه، انطلاقاً من النقطة الكيلومترية صفر بمدينة تزنيت، وصولاً إلى النقطة الكيلومترية 555 بمدينة العيون، أكبر مدن الصحراء، والتي يبلغ عدد سكانها 260 ألف نسمة، لا تظهر تسمية “الطريق السيار دونالد ج. ترامب” على أي من اللوحات الطرقية.
وحدها خرائط “غوغل” تشير إلى هذه التسمية. ومع التقدم من نقطة كيلومترية إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى، بدأت الخطوط الحمراء لجبال الأطلس الصغير تتلاشى في مرآة السيارة الخلفية.
ومع انبساط التضاريس، ظلت مظاهر حضور الدولة المغربية واضحة للعيان.
وتحمل هذه المناطق المسقية بصمة السياسات الفلاحية المغربية، وعلى رأسها مخطط المغرب الأخضر، الذي أُطلق سنة 2008، وأُعيدت تسميته لاحقاً بـ”الجيل الأخضر”، وهي الاستراتيجية الممتدة للفترة 2020-2030. كما توجد عدة مشاريع لإنشاء محطات لتحلية مياه البحر قيد الإنجاز في هذه المناطق.
وعند النقطة الكيلومترية 450، جنوب مدينة طرفاية، وقبل الوصول إلى العيون، يمتد حقل من توربينات الرياح على مسافة عشرات الكيلومترات بين الصحراء والمحيط. وهو بدوره يعكس حضور الدولة المغربية في المشهد الطبيعي، وأهمية الاستثمارات، بما فيها الاستثمارات الغربية، التي تشهدها القطاعات المرتبطة بالطاقة.
حقل للطاقة الريحية على الطريق السيار ترامب
وعلى مد البصر، تختفي وسط الضباب 131 توربيناً هوائياً، تملكها شركة مشتركة بين المجموعة الفرنسية “إنجي” والشركة المغربية “ناريفا”. وقد أُقيمت هذه المنشأة منذ سنة 2014، وتبلغ قدرتها الإنتاجية 1084 غيغاواط ساعة سنوياً، وتُستخدم أساساً لتزويد مدن الصحراء بالكهرباء، فضلاً عن مناطق أخرى من المغرب.
وخلال عشر سنوات، أُنشئت أربعة حقول أخرى لتوليد الطاقة الريحية في الجماعات المجاورة، وصولاً إلى الداخلة. وفي هذا السياق، يحلل ريكاردو فابياني، مدير الأبحاث بمنظمة “مجموعة الأزمات الدولية”، قائلاً: “إنها جميعاً تدابير يتخذها المغرب لترسيخ سيطرته على الصحراء الغربية. فكلما تعددت الاستثمارات والبنيات التحتية في الصحراء الغربية، وتزايد الحضور الأجنبي، ولا سيما الغربي، ازدادت سيطرة المغرب على المنطقة رسوخاً”.
كلما تعددت الاستثمارات والبنيات التحتية في الصحراء الغربية، وتزايد الحضور الأجنبي، ولا سيما الغربي، ازدادت سيطرة المغرب على المنطقة رسوخاً
وفي المدن الصحراوية، مثل العيون، يبدو هذا الأمر بالنسبة إلى بعض السكان بديهياً. ومن المؤشرات الأخرى على رغبة الرباط في ترسيخ حضورها بالمنطقة، أسعار المحروقات.
فكلما اتجهنا جنوباً، انخفض سعر الوقود. وفي العيون، العاصمة الجهوية، انخفض سعر المازوت إلى 13.83 درهماً (1.26 يورو)، مقابل 16 درهماً (1.46 يورو) في الرباط.
وتستفيد الأقاليم الجنوبية تاريخياً من الدعم، سواء تعلق الأمر بالمحروقات أو بالمواد الغذائية، مثل الزيت والسكر.
ووفقاً للآلية المعروفة باسم “تموين الأقاليم الجنوبية”، والواردة في الوثائق الملحقة بمشاريع قوانين المالية، فقد خُصص لها 88 مليون درهم (8 ملايين يورو) سنة 2025، و64 مليون درهم سنة 2026.
ومع استمرار الطريق في اتجاه الجنوب، واقترابها من مدينة العيون، وتحديداً بين النقطتين الكيلومتريتين 100 و555، تصبح الأعلام المغربية حاضرة بكثافة، كما تتزايد أعداد القوافل العسكرية. وإلى جانب المدرعات ومركبات الدفع الرباعي، يظهر عسكريون يتنقلون على متن دراجات نارية صغيرة. ويعكس هذا الحضور استمرار النزاع في الصحراء الغربية، حيث لا يزال جزء من الإقليم، يمثل 20 بالمئة من مساحته، ويقع شرق الجدار الرملي، خاضعاً لسيطرة جبهة البوليساريو.
وعلى طول الساحل، الذي تتناوب فيه المناطق الصخرية والرملية، يكشف بعض الصيادين، تحت معاطفهم الواقية من المطر، عن ارتدائهم أزياء القوات المسلحة الملكية. وتشير هذه اللوحات إلى المسافات الفاصلة بين الطريق وعدد من العواصم والمدن الإفريقية، بما فيها نواكشوط (موريتانيا): 1709 كيلومترات، داكار (السنغال): 2238 كيلومتراً، باماكو (مالي): 3141 كيلومتراً.
على المدى البعيد، يُفترض أن يتحول الطريق السيار “دونالد ج. ترامب” إلى ممر تجاري نحو غرب أفريقيا. ويندرج المشروع ضمن ما تسميه الرباط “المبادرة الملكية لأفريقيا الأطلسية”، التي أُعلن عنها منذ سنة 2023، والتي يُفترض أن تسهل وصول البلدان الحبيسة في منطقة الساحل، ومن بينها مالي، إلى المحيط الأطلسي. وفي الداخلة، حيث ينتهي الطريق، من المنتظر أن يشكل الميناء الذي لا تزال أشغال بنائه متواصلة المنفذ البحري لهذا المشروع.