باريس – “القدس العربي”: تحت عنوان “البحر الأسود.. السفن التجارية عالقة في دوامة التصعيد”، قالت صحيفة “ليبراسيون” إنه منذ بداية تشرين الأول/أكتوبر، أسفرت هجمات الطائرات المسيّرة المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية عن مقتل نحو 30 بحّاراً أو فقدانهم، وتهدد الصادرات العالمية من الحبوب.
ففي الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، غرقت سفينة الشحن “رويا مامادوف”، التي كانت تنقل الذرة المحمّلة في أوكرانيا والمتجهة إلى إيطاليا، قبالة السواحل الرومانية، بعد اندلاع حريق على متنها. ونسب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الحادث إلى هجوم بطائرات مسيّرة روسية.
وأسفر الحادث عن مقتل شخصين، فيما أُنقذ 11 فرداً من الطاقم. وفي اليوم نفسه، استُهدف ناقل نفط روسي بطائرات مسيّرة قبالة سوتشي، وهو هجوم نسبه محللون في مجال الأمن البحري إلى القوات الأوكرانية.
وفي 13 تشرين الأول/أكتوبر، غرقت سفينة الشحن “إتش إس ديغنيتي” في المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا، ما أدى إلى فقدان 11 شخصاً. وفي اليوم التالي، تعرّضت السفينة “يارا جي”، وهي ناقلة للمواد الكيميائية والنفط ترفع علم جزر القمر، لهجوم بطائرة مسيّرة داخل المياه الإقليمية الرومانية مباشرة. وصباح الجمعة، أطلقت سفينة الشحن “خوريڤ”، التي كانت تنقل مواد حديدية من تركيا، نداء استغاثة أفادت فيه بتعرضها لهجوم بطائرة مسيّرة قبالة ميناء كونستانتسا الروماني.
وأدى غرق السفينة، التي كان طاقمها يضم بحّارة أوكرانيين وأذربيجانيين، إلى مقتل بحّار وفقدان ثلاثة آخرين. ومنذ بداية الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، أصبح البحر الأسود مسرحاً للمواجهات، مع تعاقب فترات التوتر والهدوء النسبي. لكن المنطقة تشهد خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً غير مسبوق.
منذ بداية تشرين الأول/أكتوبر، تعرّضت ثماني سفن تجارية مدنية، بينها سفن شحن للحبوب وناقلات نفط، لهجمات بطائرات مسيّرة جوية وبحرية. وقُتل نحو 30 بحّاراً أو أصبحوا في عداد المفقودين
فمنذ بداية تشرين الأول/أكتوبر، تعرّضت ثماني سفن تجارية مدنية، بينها سفن شحن للحبوب وناقلات نفط، لهجمات بطائرات مسيّرة جوية وبحرية. وقُتل نحو 30 بحّاراً أو أصبحوا في عداد المفقودين. وتشير هذه الضربات إلى توسّع جغرافي غير مسبوق للهجمات؛ إذ لم تعد تقتصر على المياه والموانئ الأوكرانية أو المناطق المحيطة مباشرة بالموانئ العسكرية الروسية، بل امتدت إلى المناطق الاقتصادية الخالصة والمياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا، وهما دولتان عضوان في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
ولهذا التصعيد تداعيات عالمية؛ فالبحر الأسود، الذي يتصل بالبحر المتوسط عبر المضائق التركية، البوسفور والدردنيل، يُعد ممراً أساسياً لتصدير الحبوب من روسيا وأوكرانيا، وهما من كبار مورّدي القمح والذرة والبذور الزيتية، فضلاً عن المحروقات والمواد الأولية الصناعية.
ويوم الجمعة، عقب الهجوم الذي وقع قبالة ميناء كونستانتسا، أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن “قلقها البالغ حيال تصعيد روسي جديد في البحر الأسود”. وكانت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، قد ندّدت يوم الثلاثاء بـ”تصعيد خطير وغير مقبول في البحر الأسود”، داعية موسكو إلى التوقف عن عرقلة الصادرات الزراعية الأوكرانية. وأضافت: “تستخدم روسيا الغذاء عمداً سلاحاً، ما يقوّض الأمن الغذائي العالمي، ولا سيما في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط”.
يأتي تصاعد الهجمات في البحر الأسود في وقت تجد فيه كييف نفسها في موقف هش. ويوضح ديميتار بيتشيف، الباحث المشارك الأول في مؤسسة كارنيغي أوروبا، في مذكرة نُشرت في 20 تشرين الأول/أكتوبر: “في الوقت الذي تراجع فيه بشكل كبير وصول أوكرانيا إلى معلومات الاستخبارات والإنذار المبكر، عقب القيود التي فرضتها الولايات المتحدة، وتتقلص فيه مخزوناتها من صواريخ الاعتراض، ويُقال إن وصولها إلى شبكة الأقمار الصناعية ستارلينك بات محدوداً بناءً على طلب إدارة ترامب، تسعى روسيا إلى استغلال تفوقها مع اقتراب فصل الشتاء”.
ويذكّر هذا المتخصص في الشؤون الروسية ومنطقة البحر الأسود بأن السلطات الرومانية أبلغت عن ست حوادث اختراق على الأقل نفذتها طائرات مسيّرة روسية خلال الفترة الأخيرة، وهو ما “يشهد على استعداد روسيا للمجازفة”.
وبالنسبة إلى مراقبي المنطقة، دخل الصراع مرحلة جديدة في البحر الأسود.
ويؤكد أندريه سيزوف، المدير العام لشركة “سوف إيكون”، المتخصصة في الاستشارات المتعلقة بالأسواق الزراعية في منطقة البحر الأسود، لصحيفة “ليبراسيون”: “هذه هي المرة الأولى التي تُستهدف فيها سفن تجارية داخل المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا. إننا نعيش اليوم السيناريو الذي كانت الأسواق تخشاه تماماً في بداية الحرب”. ويذكّر الخبير بأن أسواق الحبوب كانت تتوقع عام 2022 “توقف الشحنات القادمة من البحر الأسود”، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
ففي الأشهر الأولى من الحرب، شلّت روسيا الموانئ الأوكرانية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الحبوب العالمية. ثم تمكنت أوكرانيا، بفضل اتفاق جرى التفاوض عليه برعاية الأمم المتحدة وتركيا، من استئناف جزء من صادراتها الزراعية. وانسحبت روسيا من الاتفاق في تموز/يوليو 2023، لكن كييف أنشأت خلال الأشهر التالية ممراً بحرياً أحادي الجانب بمحاذاة سواحل رومانيا وبلغاريا وتركيا، مدعوماً بآلية تأمين للسفن والشحنات.
وبفضل طائراتها المسيّرة البحرية، التي دفعت الأسطول الروسي إلى التراجع نحو نوفوروسيسك، تمكّنت أوكرانيا تدريجياً من استعادة صادراتها، التي تُعد أساسية لاقتصادها. لكن مع الموجة الأخيرة من الهجمات، أصبحت شحنات الحبوب الروسية والأوكرانية عبر البحر الأسود “شبه متوقفة”، بحسب أندريه سيزوف، الذي لا يتوقع “أي تحسن ملموس على المدى القصير، ولا أي مؤشرات إلى احتمال حدوث تهدئة دبلوماسية”.
ويؤكد يورك إشيك، المحلل المشارك في معهد الشرق الأوسط، هذا التقييم، قائلاً: “لم تبلغ التوترات في البحر الأسود هذا المستوى من الارتفاع منذ عام 2022”. ويشير هذا المحلل المقيم في إسطنبول، الذي يتابع يومياً حركة الملاحة في المضائق التركية، إلى أن حركة المرور عبر البوسفور خلال السنوات الخمس الأولى من الحرب كانت قد “أُعيد تنظيمها” أساساً. لكنه يوضح: “أما اليوم، وللمرة الأولى، فقد تراجعت حركة الملاحة بشكل واضح، خصوصاً بالنسبة إلى سفن الشحن السائب، إذ تعرضت حركة نقل الحبوب والمنتجات الزراعية لاضطراب شديد”.
“لا وقف لإطلاق النار”
أما حركة ناقلات النفط، التي تقل عن مستوياتها المعتادة، فما زالت مستمرة رغم ذلك. ففي ظل الحرب في إيران، يشهد الطلب العالمي على النفط الخام ارتفاعاً كبيراً، فيما تظل الأرباح الممكن تحقيقها من نقله مغرية للغاية.
في ظل الحرب في إيران، يشهد الطلب العالمي على النفط الخام ارتفاعاً كبيراً، فيما تظل الأرباح الممكن تحقيقها من نقله مغرية للغاية
ويرصد يورك إشيك أيضاً الوسائل التي تلجأ إليها أطقم السفن للتكيف مع الوضع، إذ تحاول “تولي مسؤولية أمنها بنفسها”. فمنذ آب/أغسطس، لاحظ تزايد عدد السفن المجهزة بشباك مضادة للطائرات المسيّرة، مصنوعة بوسائل بدائية، أو بوسائل حماية أخرى مرتجلة، في محاولة للحد من المخاطر في حال وقوع هجوم.
ويؤكد ياكوب لارسن، مدير الأمن والسلامة في الرابطة الدولية لمالكي السفن “بيمكو”: “إن الوضع الأمني في البحر الأسود شديد التقلب، والتهديد الذي يواجه النقل البحري من روسيا وأوكرانيا وإليهما مرتفع”. ويضيف أن ناقلات النفط التي ترسو في نوفوروسيسك، المركز الرئيسي لصادرات النفط الروسية، كانت على وجه الخصوص محور اهتمام القوات المسلحة الأوكرانية.
وفي ظل ارتفاع مستوى التهديد، يفضّل مالكو السفن تجنّب البحر الأسود، ما “يؤثر في التوازن بين العرض والطلب على السفن، ويدفع أسعار الشحن إلى الارتفاع”، وفقاً للارسن. كما يسهم ارتفاع أجور أطقم السفن، والأقساط المرتبطة بمخاطر الحرب، وتكاليف التأمين، في زيادة تكلفة النقل.
وبحسب بيانات “بيمكو”، تراجعت كميات الحبوب المصدّرة عبر البحر الأسود في آب/أغسطس بنسبة 79% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وفي أيلول/سبتمبر، وخلال الأسابيع الثلاثة الأولى من تشرين الأول/أكتوبر، سجلت الكميات انخفاضاً حاداً بلغ 97% و98% على التوالي، مقارنة بالفترات نفسها من العام السابق. وقدّرت كايا كالاس أن ذلك يعني خسارة كييف إيرادات تصديرية بقيمة 60 مليون يورو يومياً.
أما صادرات روسيا من المحروقات عبر البحر الأسود، فقد انخفضت حتى هذه المرحلة من تشرين الأول/أكتوبر بنسبة 59% على أساس سنوي.
وكانت الهجمات الأوكرانية على قطاع النفط الروسي خلال الصيف هي التي أطلقت هذه المرحلة الجديدة من الأعمال العدائية في البحر الأسود. ففي أواخر حزيران/يونيو، شنّت أوكرانيا حملة واسعة ضد روسيا، ووسّعت نطاق أهدافها، مستهدفة خصوصاً ناقلات تنقل النفط الخام الروسي في بحر آزوف، ومركز النفط في نوفوروسيسك.
وأدى ذلك إلى ردود روسية استهدفت محطات تصدير الحبوب في بيفديني وأوديسا وتشورنومورسك، والممرات النهرية لنهر الدانوب، وسفن الشحن التجارية. وفي تموز/يوليو، كانت صحيفة “لويدز ليست”، المتخصصة في أخبار النقل البحري، قد وصفت البحر الأسود بأنه “المسرح الأكثر فتكاً بقطاع النقل البحري”، وأنه أكثر خطورة حتى من مضيق هرمز.
ويذكّر يورك إشيك بأن إدارتي جو بايدن ودونالد ترامب كانتا قد قيّدتا، حتى ذلك الحين، قدرة أوكرانيا على استهداف البنى التحتية للطاقة في روسيا. لكنه يوضح أنه في ظل تخلي واشنطن عن كييف، وفي خضم “حرب استنزاف”، “لم يعد أمام كييف خيار سوى محاولة ضرب روسيا اقتصادياً”.
في ظل ارتفاع مستوى التهديد، يفضّل مالكو السفن تجنّب البحر الأسود، ما “يؤثر في التوازن بين العرض والطلب على السفن، ويدفع أسعار الشحن إلى الارتفاع”
وأمام هذا التصعيد، تبدو الآفاق الدبلوماسية مسدودة. ففي 18 تشرين الأول/أكتوبر، أعلن فولوديمير زيلينسكي أن بلاده تتفاوض مع تركيا والهند ومصر من أجل استعادة أمن حركة التجارة البحرية في البحر الأسود واستئناف صادراتها الزراعية. وقبل ذلك بشهر، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان قد التقيا لمناقشة إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد بشأن الحبوب.
وينقل سيزوف عن ذلك الاجتماع قوله: “بعد اللقاء، انتقد بوتين بشدة الاتفاق السابق بشأن الحبوب. وهذه إشارة واضحة إلى أن الكرملين لا يريد توقيع أي اتفاق لوقف إطلاق النار في البحر الأسود”. وتسعى روسيا وأوكرانيا إلى إعادة توجيه إنتاجهما الزراعي، لكن البدائل المتاحة للنقل تظل محدودة.
فبالنسبة إلى كييف، يشهد نهر الدانوب، الذي أتاح لها حتى الآن حماية صادراتها من الحبوب، مستويات مياه منخفضة تاريخياً بسبب الجفاف، كما يعاني من الازدحام في قناة سولينا، ومن القصف الروسي الذي يستهدف بعض الجسور والمحطات الاستراتيجية.
أما نقل الحبوب بالشاحنات والسكك الحديدية إلى أوروبا الشرقية، فيوفر قدرات محدودة ويترتب عليه ارتفاع كبير في التكاليف اللوجستية.
وفي المقابل، تحوّل روسيا جزءاً من صادراتها من الحبوب إلى موانئها في الشمال الغربي، على بحر البلطيق، ثم تنقلها عبر الموانئ اللاتفية. وقد أثار ذلك استياء دول البلطيق، التي طلبت في رسالة وجهتها إلى قادة الاتحاد الأوروبي في 9 تشرين الأول/أكتوبر حظر الصادرات الزراعية الروسية عبر أراضي الاتحاد، بعدما ارتفعت هذه الصادرات نتيجة الهجمات في البحر الأسود. وجاء في الرسالة: “يجب ألا يتحول الاتحاد الأوروبي إلى قناة تستطيع روسيا من خلالها تعويض العواقب الاقتصادية لعدوانها هي”.
وبالنسبة إلى مستوردي الحبوب الروسية والأوكرانية، أدى تدهور الوضع الأمني في البحر الأسود إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل، بما في ذلك أسعار الشحن وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب.
واضطرت مصر، وفقاً لبيانات شركة “إس آند بي غلوبال”، إلى خفض وارداتها من القمح في أيلول/سبتمبر. أما في بلدان مستوردة أخرى، مثل تونس والأردن والمملكة العربية السعودية، فقد ارتفعت الأسعار المسجلة في أحدث المناقصات.
التأثير في الأسعار
لكن الصدمة التي قد تصيب الأسعار العالمية لا تزال محدودة في الوقت الراهن، بفضل ظهور منتجين بديلين، وفي مقدمتهم أستراليا، التي تتمتع بمستويات مرتفعة من المخزونات.
وفي تشرين الأول/أكتوبر، سجلت صادرات الحبوب الأسترالية ارتفاعاً بنسبة 47% مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية، مع توجيه الشحنات نحو جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط.
كما ساهمت المخزونات المتوافرة لدى بعض المشترين، والحصادات الجيدة في عدد من البلدان، في تجنب اضطراب فوري في الأسواق.
ومع ذلك، حذّرت كايا كالاس قائلة: “رغم أن المخزونات العالمية من الحبوب أكبر مما كانت عليه في عام 2022، حين منعت روسيا تصدير 20 مليون طن من الحبوب الأوكرانية، فإن النظام الغذائي العالمي يواجه اليوم تضافر مجموعة من الأزمات”.
وعدّدت هذه الأزمات، مشيرة إلى “ظاهرة إل نينيو فائقة القوة، وموجات الجفاف في نصفي الكرة الأرضية، والصراع في الشرق الأوسط، الذي يعرقل صادرات الأسمدة”.
وتضاف التوترات في البحر الأسود إلى التوترات القائمة في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، عند مدخل البحر الأحمر، وهما أيضاً من الممرات الرئيسية لنقل البضائع والمحروقات.
وإذا كانت الأسواق العالمية قادرة مؤقتاً على امتصاص الصدمة، فإن تأثيرها في المزارعين يبقى كارثياً.
ففي أوكرانيا، أدى القصف الروسي إلى تدمير 40% من قدرات التخزين، كما أن تعذّر نقل المحاصيل إلى الخارج يتسبب في بقاء عشرات الملايين من الأطنان عالقة في المزارع. وانهارت الأسعار التي يتلقاها المنتجون في كلا البلدين نتيجة ارتفاع تكاليف النقل وتراكم المحاصيل غير المباعة.
ومع انعدام السيولة المالية، لم يعد المزارعون قادرين على شراء الأسمدة والبذور اللازمة، الأمر الذي يهدد محاصيل المواسم المقبلة والعمليات الزراعية اللاحقة.