طموح أي فرد على ظهر الأرض، مهما كان، هو «تحقيق العدالة»، وأهم ركن فيها أن تكون عدالة ناجزة لا تأتي بعد فوات الأوان، فتفقد معناها في عالم البشر الذي فيه كفَّة ميزان الشرّ أكثر ثقلًا من تلك التي تحتضن الخير. ولهذا السبب، تظهر الأساطير على الصعيد العالمي منذ العصور الغابرة. ودائمًا ما تحتفي جميع الحضارات والشعوب بالقصة المألوفة التي تصوِّر بطلًا يستطيع تحدِّي الظُّلم وتحقيق العدالة. وهذا ينطبق تمامًا على صورة البطل الخارق التي عملت على نشرها المجلَّات الكاريكاتيرية المصوَّرة، ومن بعدها تلقَّفتها السينما العالمية لتمجيد صورة البطل الذي يُحارب من أجل الضعفاء؛ لتحقيق العدالة التي لم ينعم بها هو نفسه، لكنّ شخصه النبيل صنع منه فردًا مؤثرًا يمنح الآخرين ما حُرِم منه.
وتعجّ كتب السير الشعبية بالعديد من الحكايات عن أبطال يختلط واقع سيرتهم بالخيال فيصنع منهم أبطالًا لا يقهرون، ونموذجًا يستدعيه العَّامة كلَّما حلّ بهم الظلم؛ ليكونوا النبراس الذي يشعّ بنور يقوِّي عزيمتهم ويهديهم للطريق الصحيح في ظلمات الحياة. والقصص الشعبي هي الوجه الآخر للتاريخ المكتوب، فذاك هو التَّاريخ الشفاهي الذي رواه الآباء والأجداد عن حكايات واقعية قد شهدوها، وإن كانوا لا يتَّبعون المنهاج العلمي في الاستشهاد والتوثيق والتحليل، كعادة المؤرِّخين؛ فحسبهم فقط رواية الأحداث بطريقة مشوِّقة تثير رغبة المتلقِّي في معرفة المزيد. لكن بسبب اختلاف أسلوب كلّ فرد عن الآخر عند الحكي، اندمجت بعض المبالغات والقفزات غير المبررة في بعض الأحيان مع سير الأحداث الواقعية، وإن كان ذلك لا ينقصها قدرًا، بل على العكس؛ يمكن أخذه كدليل أن تلك الوقائع قد شهدها العديد، والاختلاف والمبالغة هما الدليل على وقوع تلك الأحداث على أرض الواقع.
ولقد تنبَّه لهذا الأمر الفيلسوف الفرنسي جون فرانسوا ليوتارد Jean-François Lyotard (1924-1998) الذي كان يجزم بأن التاريخ ما هو إلَّا «سردية كبرى» Grand Narrative، وما يرويه المؤرِّخون ويذكرونه في المراجع التاريخية لا يتعدَّى كونه وجهات نظر يتم التدليل لها، وفي بعض الأحيان تتم صياغة الأحداث كي تطمس حقائق تاريخية معينة من أجل خدمة أهداف سياسية أو أهداف ممولة من جهات أخرى لزرع فكرة ما، أو حتى استئصالها، من الذاكرة الجمعية للأمَّة. ومن ثمَّ، أعلن ليوتارد في عام 1979 مؤكِّدًا «عدم مصداقية السرديات الكبرى» Incredulity toward metanarratives. لكنه في النهاية أكَّد أن التاريخ يضمّ سرديتين، وكلتاهما لا تقلّ أهمية عن الأخرى. الأولى هي «السرديات الكبرى» Grand Narratives وهي تلك السرديات المذكورة في كتب التاريخ وكتبها مؤرِّخون متخصِّصون، والثانية هي «السرديات الصغرى» Small Narratives ويقصد بها السرديات المأخوذة من القصص الشعبي الذي يروي أخبار أبطال ومهمَّشين لا يهتم بذكرهم المؤرِّخون.
ومن أبرز أمثلة «السرديات الصغرى» سيرة البطل الشعبي «عليّ الزيبق» الذي ظهر في حكايتين من كتاب «ألف ليلة وليلة»، وبالتحديد في الليلة (96) السادسة والتسعين، والليلة (97) السَّابعة والتسعين. وسبب احتفاء الشعوب العربية بسيرة هذا البطل بالتحديد هو حربه على جبهتين مختلفتين تمامًا، بل وكانت كل جبهة فيهما تكره الأخرى وتحاربها. لكن الإعجاز في سيرة البطل «على الزيبق» أنه لم يحارب كلتا الجبهتين إلَّا بالحيلة والدهاء، وكان من الفطنة والذَّكاء أن يتعلَّم الحيل التي يحيكها الفريقان، فينسج أخرى تفوقها ليحاربهما بها، وكأن أفعاله تصرخ فيهم قائلة: «هذه بضاعتكم رُدَّت إليكم».
وبداية ظهور قصَّة «عليّ الزيبق» في التراث القصصي الشعبي كان إبَّان الدولة العبَّاسية، وبالتحديد في الوقت الذي بدأت تنتشر فيه فرق الشطَّار في جميع الأقطار الواقعة تحت سيطرة الدولة العبَّاسية. ولمَّا اشتدّ الظلم والفساد في مصر إبَّان الدولة العثمانية، أزيل الركام عن قصة البطل «على الزيبق»، التي ندر الحديث عنها، وصارت تحتل الصدارة مرَّة أخرى للتوكيد على أنه كان يوجد بطل استطاع وحده أن يُحارب السُّلطة المملوكية الفاسدة في مصر، وكذلك تسنَّت له القدرة لأن يُحارِب طائفة الشُطَّار وأصحاب الملاعيب، التي باتت خطرًا يهدد أفراد الشعب؛ لكونهم انحرفوا عن المسار الصحيح، وباتوا رمزًا للفساد واستخدام القوَّة المفرطة لتحقيق أغراض شخصية جائرة؛ مثل السلب والنهب وإرهاب العموم، أضف إلى ذلك أنهم صاروا اليد التي يبطش بها ذوو النفوذ والسُّلطة من أجل تنفيذ الجرائم وإرهاب من يخالفهم أو من يطمحون لاستغلاله، ما يعني أن شعب مصر وقعوا بين فكي رحى ذوي السُّلطة والنفوذ من المماليك من ناحية، والشطار من ناحية أخرى.
وتاريخ «الشُطَّار وأصحاب الملاعيب» من الواجب إلقاء الضوء عليه لإظهار ملامح شخصية «عليّ الزيبق» وسبب ظهورها على هذا النحو غير المألوف آنذاك، ما يدفع الكثيرين لوصفه بأنه شخصية أسطورية ولم يكن لها مكان على أرض الواقع.
وكما تذكر المراجع التَّاريخية، خلال العصر العباسي الثالث (945-1055م)، تلك الحقبة التي كانت تسمَّى «بالعصر الذهبي»، ظهرت طائفة استطاعت أن تصنع لها نفوذًا داخل الدولة، والمُذهل أنَّ أفرادها كانوا من المهمشين. وأطلق عليها اسم «طائفة الشطَّار والعيَّارين». ولغويًا لفظ «شطَّار»، ومفردها «شاطر» تعني من أعيا أهله وذويه ومؤدبيه خبثًا ومكرًا، أي «المتمرِّد». أمَّا لفظ «عيَّارين» ومفردها «عيَّار» فيعني شخصًا كثير الحركة والنشاط، أو المُحتال الذي لا يستقر في مكان.
وكانت طائفة (الشُطَّار والعيَّارون) عبارة عن جماعات من المعدمين والمشتغلين بالمهن المحقَّرة، وانضم إليهم الفقراء والجياع الذين طحنهم الفقر وأعجزتهم البطالة، وانضم إليهم أيضًا اللصوص والزعَّار والدُّعار والحرافيش والعُنَّاق. ومن الطريف أن طائفة «العُنَّاق» تم تحريف اسمهم في مصر واشتهروا تحت اسم «العُيَّاق»، ومنها انتشرت التسمية العامية بين أرجاء الدول الناطقة باللغة العربية، لدرجة أن الكتب التاريخية تذكرهم بنفس هذا الاسم الذين اشتهروا به. و»العُيَّاق» هم طائفة من محترفي الألعاب والخيال، وأهمها تقمُّص الشخصيات الاستراتيجية من أصحاب النفوذ والسُّلطة، من خلال تغيير الشكل ونبرة الصوت.
وكانت طائفة «الشُطَّار والعيَّارين» تتمركز غالبًا على أطراف البلاد وتتوارى بعيدًا عن بطش السلطة، ويعرِّف «القاموس المحيط» مصطلح «الشُطّار»، ومفردها «شاطر»، بالشخص الذي أعيا أهله ومؤدِّبيه خُبثًا ومكرًا، أمَّا مصطلح «العيَّارون» ومفرده «عَيَّار» فمعناه لغويًا الشخص النشيط، كثير الحركة، المُراوغ، وكثير التردد في طلب الشيء.
ويؤكِّد علماء التَّاريخ أن وجود العيَّارين والشطار لم يكن أمرًا مستحدثًا خاصًا بالعصر العباسي، بل إنه امتداد لطبقة الصعاليك الذين كان لهم وجود حاضر سواء في المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام أو في المجتمع الإسلامي، لكنه يثبت تواجده بقوة في لحظات ضعف السُّلطة، وخاصة إبَّان عهود ضعف الخلافة، ولا سيما خلال العصر العباسي في عهد الأخوين المتناحرين «الأمين» و»المأمون».
ولقد رضي هؤلاء الصعاليك المهمشون من الفقراء والخلعاء والعزب أن يقطنوا هامش الدولة، وصارت مهنتهم الأساسية التي يتكئون عليها السلب والنهب. أمَّا الغرض الأسمى الذين كرَّسوا أنفسهم له فهو الخروج عن النظام القبَلي الذي لا يُحابي إلَّا ذوي الحيثية أو الأقارب والمعارف، في حين أن عموم الشعب يقاسي ألوانًا من الذلّ والهوان. كان «الشطَّار والعيَّارون» يتبعون القوافل التجارية الضخمة للاستيلاء عليها، وأخيرًا، يقومون بتوزيع ما نهبوه منها فيما بينهم.
ويؤيد حقيقة الصلة بين الصعاليك من جهة والعيّارين والشطّار من جهة أخرى، ما ورد في كتاب «أساس البلاغة» لمؤلفه «الزمخشري» الذي أعطى وصفاً دقيقاً لفئة الصعاليك، والذي دلل فيه على أنَّهم شُطّار العرب في الجاهلية. وبتعاقب الأزمنة، صار «الشُطَّار والعَيَّارون» أكثر تنظيمًا، بل وصاروا فئة شهيرة في العراق استطاعت في القرن الرابع أن تناوئ السُّلطة نفسها وتحاول إسقاطها. وفي ذاك الوقت، أعلنوا عن تواجدهم جهارًا من خلال اتِّخاذ هيئة مميزة، حيث حلقوا رؤوسهم وغطوها بخوذة من الخوص. ولإظهار هيبتهم، كانوا يطلُّون على العامة وفي السَّاحات عُراة الأجساد بشكل كامل، فيما خلا من إزار على شكل خرقة صغيرة تُربط على الخصر ليواروا بها عورتهم. وكان يميِّزهم أيضًا أن الحبال لم تكن تُفارق أيديهم.
وانتقل هذا الشكل من التمرد إلى العديد من الأقطار الأخرى الواقعة تخت سُلطة الدولة العبَّاسية، مثل مصر والشام، وهي الدول، أو كما كانت تسمى حينذاك، الولايات التي يسودها الاضطرابات بسبب بطش الولاة وضعف الخلفاء لكثرة خلافاتهم وتنازعهم على السلطة. لكن بدلًا من أن يُصبح هؤلاء المهَّمشون صوت الحقّ أو حتى مجموعات ثائرة تدفع للحراك الشعبي، باتوا جماعات مهمَّشة من قطَّاع الطُّرق وصانعي الأفعال الإرهابية.
لكّن الشَّاب الصغير «عليّ» كانت نشأته أغرب من الخيال وتدور أحداث حكايته بين بغداد ومصر؛ فلقد وصل والده الذي يُدعى «راس الغول» لمرتبة مقدِّم مقدِّمي الدرك، أي أعلى سُلطة رقابية في الدولة في بغداد، وكان في الوقت نفسه هو نفسه زعيم الشُّطَّار وقائدهم. باختصار، كان «راس الغول» هو عين العدالة السَّاهرة التي تحافظ على حقوق المهمَّشين وتنفِّذ الأحكام ضد كل عاصي، حتى ولو كان ممن يُحسبون على السُّلطة. وتجدر الإشارة أن شخصية «راس الغول» قد خظيت باهتمام وإعجاب عالمي لكونها رمزًا للقوِّة وجلب الحقوق الضائعة لإحقاق العدالة. وعلى هذا، ظهرت شخصية «راس الغول» في فيلم «الرجل الوطواط»، الذي اضطلع بدور مُعلِّمه الذي يُلقَّنه دروسًا في القوَّة والدهاء. بيد أنّهم، تبعًا لعادة السينما العالمية وحتى لا يُنسب للعرب فضلًا، أظهروا أن الرجُل الوطواط قد تفوَّق على مُعلِّمه.
وفي بغداد، آنذاك، كان الوضع في بلاط الخليفة غاية في الغرابة؛ فلقد كان الخليفة نفسه يضيق ذرعًا بـ «حسن راس الغول» لأنه يكبح نهمه الشديد للسرقة والنهب. وعلى هذا، كانت سعادته بالغة عندما استطاع «سنقر الكلبي»، العدو اللدود لـ «حسن راس الغول»، أن يُجهز على حياته من خلال دسّ السم له في الطعام. والطريف أن الخليفة عيّنه في منصب «مقدِّم الدرك» خلفًا لـ «حسن راس الغول» بالرغم من علمه أنه سارق محترف؛ والسبب وراء ذلك هو أن تتم السرقات بمعرفة الخليفة نفسه، ويتقاسم كلاهما الغنائم.
وزوجة «حسن راس الغول» هي «فاطمة الفيومية» من مصر، وكانت تشتهر بالشجاعة والقدرة على الحرب والمراوغة كالفرسان. ولمَّا استقرّ «علي» الصغير في مصر، أتقن جميع ملاعيب الشطَّار والعُيَّاق، التي تتضمَّن استخدام الأدوات الحربية والمكر والحيلة، وكذلك اتقان فنون التنكُّر المختلفة. وعلاوة على ذلك، كان يتميَّز بالدهاء والشهامة ونصرة الضعفاء، واعتمد على الحيلة والمراوغة لتحقيق نصرة المظلوم. ما يعني أنه اتَّبع نفس مسيرة والده ولم يحد عنها، لكنه ابتعد عن المناصب التي تقرِّبه من السُّلطة؛ لأن القائمين عليها أكثر فسادًا من الفاسدين.
استقرّت شخصية البطل «علي» في قلوب العامة وأطلقوا عليه لقب «الزيبق» (أي الزئبق)؛ لأنّه قادر على الإفلات ممن يتعقَّبه بتغيير هيئته وصوته وسرعة بديهته في المواقف المختلف؛ فصار كالزئبق الذي إذا انزلق من حاويته، بات من المستحيل الإمساك به. ولهذا، أصبح «على الزيبق» رمزًا للعدالة الذكية الناجزة التي تسري على الجميع، وبعيدة كل البعد عن التفرقة القائمة على الطبقية، بسبب أنه يحقق العدالة بطرق غير تقليدية من أجل نصرة المظلوم، والضرب على أيدي أصحاب النفوذ وأعوانهم من الشطَّار المهمشين.
ومن الجدير بالذكر أنّ البعض يطلقون على «على الزيبق» لقب «روبين هود المصري»، لكن العكس هو الصحيح؛ فشخصية «روبن هود» لم تظهر إلَّا في نهاية العصور الوسطى في إنجلترا، وبالتحديد في عام 1377م، أي في نهاية القرن الرابع عشر في قصيدة بطولية كتبها الشَّاعر وليام لانجلاند William Langland (1330-1386). ويعني ذلك أنّ القصة اشتهرت بسبب الحملة الصليبية، التي اهتمت بكتاب «ألف ليلة وليلة». أضف إلى ذلك، تتشابه شخصية «على الزيبق» مع شخصية البطل «زورو» Zoro، لكن تلك الشخصية كان أوَّل ظهور لها عام 1919 على شكل حلقات في مجلة أسبوعية، لكاتبها الأمريكي جونستون ماكولاي Johnston McCulley (1883-1858)، وكانت القصة تحت اسم «لعنة كابستيرانو» The Curse of Capistrano. وبسبب النجاح الذي حققته تلك القصة، ظهر على نفس الغرار شخصيات الأبطال الخارقة، والمصدر المستمد منه الحكايات والحبكات هو «كتاب ألف ليلة وليلة»، وبالتحديد قصة «علي الزيبق».
المقاومة الشعبية، حتى في أبسط أشكالها التي تتمثَّل في رواية سير الأبطال الشعبية، كانت من أهم الأسباب وراء تمجيد سيرة «على الزيبق» في حكايتين من كتاب «ألف ليلة وليلة»، الذي أُعيد جمعه وصياغته ووضع حكايات جديدة فيه بأيد مصرية. كانت سيرة «على الزيبق» مصرية خالصة تعبِّر عن واقع شعب يقاسي من بطش المماليك في الدولة العباسية، الذي اشتدَّت وتيرته إبَّان الاحتلال العثماني. ومن ثمَّ، كان ترديد حكاية البطل الفرد «علي الزيبق»، وذكر مواقفه الشجاعة التي تتسم بالمهارة والذكاء أداة لتحفيز كل وطني أن يحمي حقوقه وأرضه ويقاوم المستعمرين والطغاة.