«أولئك الذين يمتلكون ذاكرة يعيشون في الماضي الهش والذين بلا ذاكرة لا يعيشون في أي مكان» باتريسيو غوزمان.
حين زرت إريك كندل عام 2020 لدعوته ليحاضر في هيوستن استقبلني في مكتبه في جامعة كولومبيا، حيث يعمل منذ عقود. كان قد دخل العقد العاشر من عمره (تولد 1929). قلت ممازحاً: لا شك أن لدى أستاذ الذاكرة سر للحفاظ عليها. قال: السباحة اليومية. سألت: وكيف؟ قال: اكتشفنا بروتين يفرزه العظم أثناء ممارسة الرياضة اسمه أوستيوكالسين ينشط الذاكرة، وأضاف إنه يبذل جهداً لتصنيع وتسويق هذا البروتين مستقبلاً لحماية الذاكرة. بعد ثلاث سنوات أهدى لي سنان أنطون نسخة من روايته الجديدة «خزامى». تداخلت عندي محاولات الكاتب لتقصي الذاكرة أدبياً مع محاولات كندل لحمايتها طبياً، وبرزت أسئلة عن جدوى الذاكرة، حاولت أن أكتب عن تداعياتها في هذه المقالة.
لطالما حيرت عملية التذكر الفلاسفة والمفكرين والعلماء والادباء منذ فجر التاريخ وكل من زاوية نظره. يضع نوري جعفر في كتاب «اللغة والفكر» الذاكرة ضمن حقل النشاط العصبي الأعلى، الذي يتضمن أيضاً الخيال، اللغة، الفكر، والانتباه على خلاف النشاط العصبي الأدنى الذي يسيطر على المشاعر والانفعالات.
إريك كندل هو أحد أعلام علوم الأعصاب في العالم، وقد حاز جائزة نوبل في الطب عام 2000 مشاركة مع عالمين آخرين لبحوثه عن آليات الذاكرة. لقد برهن هذا العالم الجليل على أن التعلم والذاكرة يترافقان مع تغيرات قابلة للقياس في الوصلات العصبية المخية. أتذكر مراسيم تسلم الجائزة وكيف أنه أثنى على الحلزون البحري الذي استخدمه للتوصل إلى اكتشافاته المهمة. وفحوى اكتشافه هو أن الذاكرة القصيرة الأمد تترافق مع تعزيز نشاط الوصلات العصبية الموجودة أصلا بسبب زيادة في السيروتونين في مناطق معينة من الدماغ. أما الذاكرة الطويلة الأمد فأنها تتم بسبب صنع وصلات جديدة بإيعاز من الموروثات النووية، التي توعز بتركيب بروتينات جديدة. لقد بدأ كندل اهتمامه كطبيب أمراض عصبية مهتم بالأساس البيولوجي للعقل. نقل اكتشافه الذاكرة من حالة نفسية تتقاذفها نظريات التحليل النفسي وترميها في غياهب اللاوعي والكبت الجنسي وعقدة أوديب إلى خانة التجريب العلمي والقياس الكمي والنوعي. لقد اختار الحلزون البحري لكبر خلاياه العصبية وقلة عددها (20 ألفا مقارنة بـ100مليار خلية عصبية في دماغ الإنسان)، مما يسهل دراستها وقياس استجاباتها. إذن في الحالة الأولى تتغير وظيفة الوصلات العصبية، أما في الحالة الثانية فيتغير تركيب الوصلات العصبية. إذن التجارب الحياتية تغير تركيب الدماغ بشكل يمكن قياسه وسلوكنا ما هو إلا انعكاس لملامح الوصلات الجديدة. المبدأ نفسه تم إثباته عند اللبائن، التي ينتمي إليها البشر. إن تجارب كندل تبين كيف تعمل الذاكرة، ولكنها لا تجيب على سؤال يبدو فلسفياً أدبياً هو، لماذا تعني ذكريات الطفولة ما تعنيه لكل إنسان. رائحة معينة قد تستدعي ذكرى سعيدة. كندل يقول لنا كيف يحصل ذلك، وسنان أنطون يحاول استبيان لماذا تعني رائحة الخزامى ما تعنيه لشخصية «الدكتور سامي».
صدرت «خزامى» عام 2023، وهي الرواية الخامسة للكاتب سنان انطون. عراقيان في المهجر الأمريكي يتقاسمان فضاء الغربة كل على طريقته. «عمر» الذي صلمت أذنه اليمنى (قطع صيوانها) في العراق بسبب هروبه من الخدمة العسكرية و»الدكتور سامي» الذي وقع عليه تنفيذ قرار الصلم لغياب الطبيب المقيم في تلك اللحظة. الطبيب المتقاعد يسفر إلى أمريكا هروباً من جحيم الاقتتال الذي أعقب الغزو الأمريكي للعراق في 2003 للعيش في عهدة ولده في نيويورك فإذا به يصاب بالخرف ويفقد القدرة على الإمساك بتلابيب حاضره الأمريكي، فيلجأ إلى ماضيه العراقي. بينما «عمر» على النقيض من ذلك كان أعزب ويعيش حياة بوهيمية يحاول فيها الهروب من الماضي الأليم ويقمع أشباحه التي تطارده: الهروب من الخدمة العسكرية، العقاب، التشويه الجسدي والنفسي والهوية السابقة. «البلاد التي لم يرغب بأن يحتفظ بأي شيء منها، بل يريد أن يستأصلها من ذاكرته، مثلما استأصلت هي ما استأصلته منه «.. «لا أريد التعامل مع العراقيين وحتى أن أكون قربهم».

يسرد سنان أنطون نموذجين من العلاقة مع الذاكرة: رجل يفقد، من دون إرادته ما يريد الاحتفاظ به من ذاكرة، وآخر لا يستطيع محو ما يريد إلغاءه من ذاكرته. نحن أمام ماض يتلاشى، وحاضر قلق في حالة «سامي». وماض مقموع وحاضر مفتعل في حالة «عمر»، يتشابهان بعدم القدرة على إدارة الذاكرة. «سامي» لا يقدر على استدعائها و»عمر» لا يقدر على تغييبها، «إن الرأس حقيبة، والقلب أيضاً، وأنهما يحملان ويختزنان، ما لا تحمله مئات الحقائب. ولا يمكن إفراغ ما فيهما والتخلص منه، أو منهما بسهولة». وهنا يتلاقى سنان أنطون مع إريك كندل. كندل يقارب الأمر بيولوجيا ويثبت أن التجارب تغير الدماغ وتكرارها يغير المسالك العصبية إلى غير رجعة. أما انطون فيقارب المسألة من الوجه الآخر: كيف يشعر الإنسان حين تتكون هويته من بقايا ذاكرة، أما في طور الأفول أو ترفض الأفول؟ من منظور ثاني يضع أنطون مسألة الذاكرة خارج الإطار الشخصي ويرفعها إلى ذاكرة جمعية.
العراق ليس فقط جغرافيا للذاكرة إنما هو فضاء عقلي يشمل الطفولة، العائلة، الديكتاتورية، الحروب، العنف، الفقد، الخيبات والمهجر. الذاكرة الشخصية تتشابك هنا مع ذاكرة المكان والزمان. ذاكرة «سامي» تتوسل مدداً من الأفكار، الأحلام، بقايا كلمات وألحان أغاني قديمة، عطور وموسيقى، عسى أن ترمم ما تهشم منها ولكن من دون جدوى. مرض «أجسام ليوي» المنتشر هو أحد أبشع أنواع الخرف، حيث ينخر الدماغ وشبكاته العصبية، من دون رحمة ويسقط آليات التسجيل والاستذكار. لا تستمع تلك الآفات أنين وتوسلات «الدكتور سامي» ولا تستجيب لطموحاته. «صار رأسه يشبه بيتاً قديماً هجره ساكنوه». الرائحة هي من المستثيرات المعروفة للذاكرة. لقد نجح زوسكند في رواية «العطر» في تصوير إمكانية تحول التجارب الشمية إلى سلوك قاتل. العلم يثبت ارتباط مركز الشم الدماغي بمراكز الانفعالات، وقربهما من بعض. رائحة الخزامى تفتح طريقاً غير واع إلى مكنونات ذاكرة سامي وتستدعي سلوكاً قد يبدو غريباً، حين يحاول سامي التحرش بالممرضة، بسبب استخدام العطرنفسه، الذي كانت تستخدمه زوجته، من دون أن يعي السبب. هذا الاستدراج غير الواعي للذاكرة يذكرنا بزمن مارسيل بروست المفقود، وبتأثير التجارب الحسية المكبوتة على الذاكرة في المفهوم الفرويدي. هنا يأتي السؤال المعذب: كم من الذات يبقى إذا ما اختفت الذاكرة؟ وما مدى حريتنا نحن لنحيا حياة جديدة، إذا رفضت ذكرياتنا المرة الرحيل؟ كندل يوضح كيف تتحول التجارب إلى ذكريات وأنطون يسأل ماذا تفعل الذكريات بالحياة البشرية. أسئلة انطون عن الذاكرة تستعصي على العلم، ولا بد من مقاربتها من منابر متعددة. هنري برغسون يفصح عن علاقتها مع الزمن. كيف يبقى الماضي حاضراً؟ إما حسب فرويد فتأبى بعض الذكريات النزول إلى ساحة الوعي، ومع ذلك تبقى تتحكم في سلوكنا. بروست يسأل كيف يعود فجأة الماضي المفقود وكندل يسأل كيف يتم تشفير التجارب والذكريات في الدماغ، وأنطون يسأل ماذا يحصل للهوية والذات والانتماء، حين تسبح أمور الذاكرة والنسيان في فضاء قلق. برغسون يجيب فلسفياً: ما الحاضر إلا تجميع لمفردات أحاسيس الماضي. تخيل لحناً موسيقياً. حين تسمع النوتة التالية فإن النوتة التي سبقتها تصبح في سياق مختلف، وهكذا بتتابع النوتات يستقيم اللحن.
من دون هذا التعاقب سوف يصعب تصور لحن موسيقي. هذا المنظور يتناغم مع تصور أنطون، حيث الشخوص التي هجرت العراق بقت تحمل تفاصيله بين ثناياها في المهجر، مما يخلق دوامة يعيش فيها الجسم في بلد والعقل في بلد ثان. أما فرويد فيعتقد أن الذاكرة لا تستدعى إرادياً، إنما هي مخزون عقلي يتحكم بنا لا شعورياً. هذا يفسر لماذا تأبى التجارب السابقة مغادرة «عمر» رغم محاولاته. التجارب الصادمة لا تتوقف عن الفعل فقط لأن حاملها يرغب بذلك. الماضي الحزين مكتوب على أذنه المبتورة مثلما هو منقوش بين ثنايا روحه المعذبة مهما حاول التستر وتغيير اسمه، بلده الأصلي، قصته، سلوكه وملبسه. إنه ببساطة لا يستطيع أن يأمر الماضي بالمغادرة حتى بعد ترقيع أذنه المبتورة جراحياً.
حينما شاهد أنطون الشخص الذي استلهم منه «عمر» للمرة الأولى في 1994 لاحظ أن الأذن المبتورة تمثل ندبة في وجه وعقل ذلك اللاجئ العراقي. بقت تلك الندبة تفعل في عقل أنطون الروائي لسنوات قبل أن تتحول إلى رواية. أما مرسيل بروست في «البحث عن الزمن المفقود»، في مقطع مادلين فهو يفرق بين استدعاء الذاكرة إرادياً وعودتها المفاجئة لا إرادياً.
الراوي عند بروست حاول استدعاء الذاكرة من دون جدوى وما لبثت بعض الروائح أن فتحت نوافذ زاهية على ذكريات الطفولة.. إن الأحاسيس من روائح وكلمات وأغان وطقوس وأطعمة وأماكن وصور، هي حوامل قوية للذكريات. قد يأتي العراق وذكرياته، من دون حسبان أو استدعاء. كندل يتساءل: ماذا يحصل في الدماغ حين نتعلم ونتذكر؟ ذكريات الطفولة مخزونة في شيفرات الخلية العصبية وممكن استعادتها. من المهم عند الحديث عن الذاكرة تضمين اكتشاف حديث يفي بأن الذاكرة ليست نقشاً في الصخر، إنما هي تتبدل. حين يستدعي الإنسان ذكرى معينة، ثم ينتهي منها فإن ما يعاد خزنه منها هو نسخة مكيفة، وهكذا في كل كرّة حتى يصيبها تبدل قد يغير ملامحها. ولذلك غالبا ما يحن الناس إلى ذاكرة زمان غير موجود أصلاً. أضف لذلك تبدلات مسرح أحداث الذاكرة نفسه مما يضاعف من غربة الزائر، إذا ما حاول زيارة المكان بعد طول فراق. هنا يبرز سؤال مهم يقع ضمن اهتمامات أنطون الأدبية: ماذا يحصل للهوية حينما تضمحل الذاكرة؟ تصور أن تستدعي ذاكرة خالية من الطفولة، العائلة، المدرسة، رائحة القداح، خصومات الطفولة، الحب الأول، البلد، المهنة، الفقد؟ ماذا يبقى من الأنا والهوية والذات ؟ وعلى الضد عمر يسأل: هل بالإمكان أن أتقمص هوية جديدة في ظل ذاكرة تأبى الرحيل؟
الخلاصة هي أن الهوية تتوقف على تسوية معقدة بين الذاكرة والنسيان. الذاكرة التامة من الصعب تحملها وقد تفتك بالإنسان تفاصيل ماض مؤلم. هنا النسيان نعمة. من المعلوم أن نموذج الموهوبين الأغبياء الذين يتذكرون أدق التفاصيل رغم تخلفهم العقلي لا يعمرون كثيراً. من جانب آخر النسيان التام يقتل القدرة على الاستمرارية. الهوية تحتاج الاثنين المتناقضين والمكملين لبعضهما بعضا والناقصين على غرار وحدة وصراع الأضداد في الديالكتيك الهيغلي، لا بد من الإشارة هنا إلى أن ذاكرة أنطون تختلف عن ذاكرة بروست. الذاكرة في نظر بروست قد تعود فجأة بعد تلاش لتنتصر على الموت وفقدان الزمن. أما عند أنطون فإن الأمر لا يخلو من السوداوية. الذاكرة المسترجعة لا تمثل بالضرورة خلاصاً. أحياناً الذكرى جارحة والنسيان أفضل. أحياناً الحنين والاستذكار يزيف الذاكرة. وقد تحتفي الذاكرة بوطن لم يعد موجودا، أو لم يكن موجودا اصلاً.. كندل قد يفسر كيف تخزن ذكريات بغداد في الذاكرة، ولكن لا يفسر ما تعنيه بغداد لسامي وماذا يعني المهجر. نحن لا نمتلك الذاكرة، بل الذاكرة تمتلكنا. البلد الذي نغادره هو فضاء، والبلد الذي نتذكره هو ذاكرة مصنوعة. كم علينا أن نتذكر لكي نحيا أسوياء وكم علينا أن ننسى كي نستمر؟
أختتم بكلام لافت وجميل للجاحظ ذكره في كتاب «التربيع والتدوير» «ولو ذُكّر الإنسان كل ما أنسيه لشقي، وقد يكون الذكر إلى الهلكة سلماً، كما يكون النسيان للسلامة سبباً». وعند الجاحظ ليست من قوة العقل في أن يتذكر كل شيء، إنما أيضاً في قدرته على أن ينسى. من جانب آخر لقد أدرك الجاحظ ثنائية الحفظ والنسيان فقال: آفة العلم النسيان.
كاتب عراقي