باريس- “القدس العربي”: سجل الدين العام الفرنسي ارتفاعا ملحوظا خلال الربع الأول من العام الجاري 2026، ليبلغ 3.53 تريليون يورو، وفقا لبيانات رسمية صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (Insee)، ما يعكس استمرار الضغوط المالية التي تواجهها فرنسا في ظل اختلال التوازن بين الإيرادات والنفقات العامة.
وأظهرت البيانات أن الدين ارتفع بمقدار 75.6 مليار يورو خلال الفترة الممتدة من شهر يناير إلى نهاية شهر مارس 2026، مقارنة بانخفاض قدره 23.6 مليار يورو خلال الربع الأخير من عام 2025.
كما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 117%، مقابل 116% في نهاية العام الماضي، ما يعكس تسارع وتيرة نمو الدين مقارنة بالنشاط الاقتصادي.
وتظهر تفاصيل الأرقام أن الدولة الفرنسية كانت المساهم الأكبر في زيادة الدين، حيث ارتفعت مديونيتها بنحو 66 مليار يورو خلال الربع الأول من العام الجاري. ويعود ذلك أساسا إلى زيادة إصدار السندات الحكومية، سواء طويلة الأجل التي ارتفعت بقيمة 58 مليار يورو، أو قصيرة الأجل التي زادت بنحو 8 مليارات يورو.
وفي الوقت نفسه، قامت الدولة بزيادة احتياطاتها النقدية بنحو 28 مليار يورو، ما ساهم في الحد، جزئيا، من ارتفاع الدين الصافي، الذي نما بوتيرة أقل من الدين الإجمالي. وبشكل عام، بلغ الدين الصافي نحو 110% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ108% في نهاية عام 2025.
كما ساهمت مؤسسات الضمان الاجتماعي في زيادة الدين بمقدار 8 مليارات يورو، بعد أن كانت قد سجلت انخفاضا في الفترة السابقة. أما الإدارات المحلية، فقد شهدت ارتفاعا طفيفا في مديونيتها، في حين سجلت الهيئات المركزية الأخرى زيادات محدودة.
ويمثل هذا المستوى من الدين امتدادا لمسار تصاعدي بدأ منذ عقود. ففي عام 1980، لم يكن الدين العام يتجاوز 20% من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أن يرتفع إلى نحو 60% بحلول عام 2000. ومنذ ذلك الحين، استمرت النسبة في الارتفاع نتيجة العجز المتكرر في الميزانية العامة، خاصة خلال الأزمات الاقتصادية، مثل الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19.
ويرى خبراء اقتصاديون أن السبب الرئيسي وراء هذا التراكم هو اعتماد الدولة على الاقتراض لتغطية الفجوة بين النفقات والإيرادات، وهو ما أدى إلى تضخم حجم الدين عاما بعد عام.
وتزداد خطورة الوضع مع ارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق المالية، ما يؤدي إلى زيادة كلفة خدمة الدين. فقد ارتفعت مدفوعات الفوائد من 35.8 مليار يورو في عام 2020 إلى أكثر من 50 مليار يورو في عام 2025، مع توقعات ببلوغها نحو 59 مليار يورو خلال عام 2026، وربما تصل إلى 77 مليار يورو بحلول عام 2028.
ويحذر اقتصاديون من أن خدمة الدين قد تصبح أكبر بند إنفاق في الميزانية العامة، ما قد يؤثر سلبا على قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والاستثمارات الحيوية.
ورغم تعهد الحكومة الفرنسية بخفض العجز العام إلى أقل من 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، فإن العديد من المحللين يشككون في إمكانية تحقيق هذا الهدف، خاصة في ظل التحديات السياسية وضعف النمو الاقتصادي.
وتشير بعض التقديرات إلى أن نسبة الدين قد تتجاوز 120% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة، ما يفرض الحاجة إلى إصلاحات مالية وهيكلية عميقة، تشمل ترشيد الإنفاق وتعزيز الإيرادات.