لندن – “القدس العربي”: قال المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” ديفيد إغناطيوس إن الديمقراطيين ركزوا في انتخابات التجديد النصفي على الرئيس دونالد ترامب، فاستجاب الناخبون ولم تعد له سيطرة على السياسة الوطنية.
وبدأ بالإشارة إلى فرع في علم الرياضيات يطلق عليه “نظرية الكارثة”، وهو علم يحلل كيف يمكن للضغوط المتزايدة أن تؤدي إلى انهيار مفاجئ في بنية بدت متينة. وفي يوم الانتخابات، كان الانهيار الذي عانى منه الحزب الجمهوري بزعامة الرئيس ترامب تجسيدا واقعيا لعملية الانهيار هذه.
وتلقى ترامب ضربة قاضية في وقت بدا فيه نفوذه على السياسة الوطنية راسخا، رغم سياساته المتقلبة وتراجع في شعبيته. وفي يوم الثلاثاء، انهار دعم الحزب الجمهوري في العديد من الولايات والدوائر الانتخابية التي شهد فيها ارتفاعا ملحوظا قبل عامين فقط وتخلى ناخبو الحزب الجمهوري المعتدلون والمستقلون الذين دعموه في انتخابات 2024 عن الحزب، إما للتصويت للديمقراطيين أو للمقاطعة.
تلقى ترامب ضربة قاضية في وقت بدا فيه نفوذه على السياسة الوطنية راسخا، رغم سياساته المتقلبة وتراجع في شعبيته
ومع تزايد النتائج الديمقراطية القوية في مختلف أنحاء البلاد، بدا رفض ترامب وحزبه واسعا وعميقا لدرجة أنه سيكون من الصعب على مؤيدي ترامب الفوز، رغم خططهم للطعن في عملية الاقتراع وفرز الأصوات. وحتى صباح الأربعاء، فاز الديمقراطيون بالسيطرة على مجلس الشيوخ، وكانوا في طريقهم لتحقيق أغلبية كبيرة في مجلس النواب أيضا.
وأضاف إغناطيوس أن الكفة السياسية في انتخابات التجديد النصفي غالبا ما تتأرجح، إلا أن نتائج الثلاثاء بدت أكثر أهمية بكثير.
ونقل الكاتب عن محللين قولهم إن الناخبين بدوا غاضبين من ترامب، ليس فقط بسبب ارتفاع أسعار الوقود والحرب المحيرة ضد إيران، بل لأنهم اعتقدوا أن الرئيس قد خان القيم التي دافع عنها بشدة ونقض زعمه بأنه مدير أعمال كفؤ وقادر على وقف ما وصفه بالحروب التي لا نهاية لها. وقال رام إيمانويل، الذي خدم ثلاثة رؤساء ديمقراطيين ويدرس الترشح عن حزبه للرئاسة عام 2028: “الناخبون غاضبون من ترامب، وهم ينتقمون بشدة”. لكنه حذر قائلا: “خسر الجمهوريون يوم الثلاثاء، لكن الديمقراطيين لن يفوزوا إلا إذا اتخذنا خطوات في العام المقبل لمعالجة القضايا التي أغضبت الناخبين”.
وقال إغناطيوس إن الديمقراطيين، ورغم بعض الاضطرابات السياسية الداخلية، حافظوا على رسالتهم التي ركز فيها مرشحوهم على جعل ترامب القضية الرئيسية، وبظهوره الإعلامي المبهرج خلال الشهر الماضي، سهل الرئيس الأمر عليهم.
ففي بعض الأحيان، بدا ترامب، عند الاستماع إلى خطاباته المطولة وغير المركزة، وكأنه يريد الخسارة.
وشهد السناتور كريس كونز ردة فعل غاضبة من مؤيدي ترامب السابقين صباح الثلاثاء، بينما كان يلقي خطابه الأخير للناخبين. قال كونز للكاتب إن رجلا ضخم البنية، قال إنه صوت مرتين للرئيس، واقترب من الديمقراطي من ولاية ديلاوير وصرخ: “لقد خدعت! لا أصدق أنني صوتت لهذا الرجل!”.
وفي خارج الولايات المتحدة، ثمة ارتياح واضح لتلاشي شعبية ترامب.
وقال مدير وكالة المخابرات المركزية السابق ويليام بيرنز للكاتب، يوم الثلاثاء: “قبل عام، كان هناك قلق بين الحلفاء والشركاء من أن الأمر لا يقتصر على ترامب فحسب، بل يتعلق بتغير نظرة الأمريكيين إلى بلادهم والعالم. ستشجع هذه النتيجة حلفاءنا لأنها تشير إلى أن التغيير الهيكلي العميق في أمريكا ربما لم يكن بالعمق الذي يخشونه”.
الديمقراطيون خططوا لهذه الحملة بعناية، مدركين أنها فرصتهم الأفضل لكبح جماح رئيس تجاوز العديد من الضوابط الأخلاقية والسياسية المعتادة
وأضاف إغناطيوس أن الديمقراطيين خططوا لهذه الحملة بعناية، مدركين أنها فرصتهم الأفضل لكبح جماح رئيس تجاوز العديد من الضوابط الأخلاقية والسياسية المعتادة. ورغم أن المرشحين التقدميين في الولايات الديمقراطية بامتياز تصدروا عناوين الأخبار لدعوتهم إلى الاشتراكية، إلا أن قيادة الكونغرس استقطبت مرشحين معتدلين قادرين على قلب موازين القوى في الولايات والمناطق المتأرجحة.
ويعتقد إغناطيوس أن هؤلاء المعتدلين في الولايات المتأرجحة هم من حققوا المكاسب في مجلس النواب.
وأشار الكاتب إلى أن النائب الديمقراطي عن كولورادو، جيسون كرو، ساهم في عملية الاختيار.
وأضاف أنه انضم إليه قبل عام في مبنى الكونغرس عندما التقى بمرشحي مجلس النواب المحتملين ونصحهم بالتركيز في حملاتهم الانتخابية كما لو كانوا يترشحون لمنصب عمدة، وذلك بالتركيز على القضايا الاقتصادية وتجاهل الصراعات السياسية الوطنية المثيرة للانقسام. قال: “خاطروا، كونوا جريئين وإذا لم ينجح شيء ما، فانتقلوا إلى غيره”.
وتحدث إغناطيوس مع كرو في صباح الثلاثاء بينما كان في طريقه إلى فعالية انتخابية لدعم ماني روتينيل، المرشح الذي يسعى للفوز بمقعد في دائرة انتخابية يسيطر عليها الجمهوريون في كولورادو، حيث فاز روتينيل في الانتخابات. ولكن حتى مع اقتراب النجاح، حذر كرو من أن مهمة تغيير الحزب والبلاد لم تبدأ إلا للتو. وقال: “على مدى عقود كنا حزب الساحلين الشرقي والغربي والآن علينا أن نكون في قلب البلاد وأن نوسع قاعدتنا لنصبح حزبا واسع القاعدة لجميع الأمريكيين”.
وتساءل الكاتب عن ردة فعل ترامب وقادة الحزب الجمهوري على نتيجة الثلاثاء؟ قد يركز ترامب بشكل أكبر على السياسة الخارجية، حيث لا تزال صلاحياته كرئيس دون تقليص يذكر. فهو مقبل على قرار وشيك بشأن الحرب أو السلام مع إيران، وهناك محادثات ثلاثية خلال أسبوع مع أوكرانيا وروسيا لوقف الحرب الأوكرانية وقمة محتملة في الصين هذا الشهر مع الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويستطيع ترامب توجيه هذه الأجندة، رغم المحاولات الديمقراطية المحتملة لزيادة المساعدات العسكرية لأوكرانيا المنهكة وكبح جماح صلاحياته في شن الحرب مع إيران. وسيكون وزير الدفاع بيت هيغسيث هدفا رئيسيا للهجوم الديمقراطي. وقال كرو، وهو جندي سابق في قوات رينجرز التابعة للجيش الأمريكي، والذي خدم في فرقة عمل مخصصة للقبض على العناصر أو قتلها في الحرب ضد تنظيم القاعدة: “يجب إقالة هيغسيث”.
وهناك نقاش داخل الحزب الديمقراطي حول المرحلة المقبلة وما يجب عمله مع ترامب، من ناحية التصويت على عزله أو معاقبته، ويرى إيمانويل أن عمل هذا سيؤدي إلى خسارة الديمقراطيين، حيث قال “إذا دارت معركة شرسة بشأن العزل، فسنخسر. أما إذا أقررنا إصلاحات أخلاقية أو رفع الحد الأدنى للأجور أو تحسين الرعاية الصحية، فسنفوز ويجب أن يكون هدفنا هو سرعة إحداث التغيير”.
لكن كرو رد بأن الديمقراطيين لا يمكنهم التهرب من واجبهم في التحقيق في فساد ترامب وفريقه وتجاوزاتهم. وقال: “مهمة الكونغرس هي الرقابة وعلينا القيام بذلك”.
وجادل كونز بأن على الديمقراطيين الإسراع في بناء توافق بين الحزبين بشأن الهجرة، بما يحد من صلاحيات إدارة الهجرة والجمارك ويؤمن الحدود. وهو يؤيد تشريعا سريعا، يتم إقراره من خلال عملية مصالحة لا تتطلب سوى أغلبية الأصوات في مجلس الشيوخ ويتضمن تخفيضات ضريبية لرعاية الأطفال والرعاية الصحية المنزلية والإسكان.
ويرى روبرت ميري، المؤرخ الرئاسي والمراسل السياسي المخضرم الذي شغل منصب رئيس تحرير مجلة “أمريكان كونزيرفتيف”: “ستعتبر ليلة الانتخابات هذه بمثابة خاتمة مسيرة ترامب”. وأضاف: “سيسعى الكونغرس المعارض إلى تدمير ترامب، مما سيجعله أكثر تقلبا وإثارة للجدل”.
أما بالنسبة للديمقراطيين، فقد قال إنهم على الرغم من نجاحاتهم يوم الثلاثاء، “يبدو أنهم غير مؤهلين لتحويل انتصارهم إلى ما تحتاجه البلاد بشدة، فلسفة حكم جديدة ترسخ تحالفا سياسيا جديدا قادرا على بدء عملية إعادة توحيد البلاد”.
ومع أن الديمقراطيين حققوا مع صباح اليوم التالي للانتخابات نصرا ساحقا، وهو ما يمنحهم فرصة لإعادة بناء أغلبية حاكمة، إلا من يقف في طريقهم هو ترامب، الذي من المرجح أن يزداد تعطشه للسلطة مع بدء نهاية مسيرته التي تمتد لعامين نحو الرحيل.