طرابلس – «القدس العربي»: فتحت حكومة الوحدة الوطنية الليبية الباب أمام مفاوضات مباشرة مع مصر بشأن الخلافات المرتبطة بمذكرة ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا، في خطوة تأتي بالتزامن مع عودة النشاط الدبلوماسي المصري إلى العاصمة طرابلس بعد انقطاع دام 12 عاما، ومباحثات موسعة تناولت التعاون في قطاعات النفط والغاز والكهرباء وإعادة الإعمار، وسط مؤشرات على توجه البلدين نحو معالجة الملفات الخلافية عبر الحوار، دون التخلي عن مواقفهما المعلنة بشأن الحقوق البحرية في شرق المتوسط.
وأكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، أن اللجنة الليبية المصرية المشتركة ستناقش ملف الاتفاق البحري مع تركيا والشواغل المصرية المرتبطة به، مشيرا إلى استعداد الجانبين لعقد اجتماعها المقبل في طرابلس أو القاهرة، لبحث وجهات النظر والخرائط والمواقف المتعلقة بترسيم الحدود البحرية، وصولا إلى تفاهمات تراعي مصالح البلدين.
وقال الدبيبة، إن اتخاذ القرارات بصورة منفردة أو التمسك بمواقف متشددة لن يؤدي إلى نتائج إيجابية، مشددا على ضرورة الحوار المباشر بين المسؤولين الليبيين والمصريين، ومناقشة الملفات العالقة بروح من المسؤولية والتفاهم، بما يحفظ مصالح الشعبين ويعزز العلاقات الثنائية.
وجاءت تصريحات الدبيبة عقب مباحثات أجراها مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الذي زار طرابلس السبت للمشاركة في اجتماعات الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء، حيث جدد خلال اللقاء موقف القاهرة الرافض لمذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019، مؤكدا ضرورة مراعاة الشواغل المصرية المتعلقة بترسيم الحدود البحرية وفقا لقواعد القانون الدولي.
وتعود جذور الخلاف إلى الاتفاق الذي وقعته حكومة الوفاق الوطني الليبية مع تركيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، والذي أثار اعتراضات إقليمية، خصوصا من مصر واليونان، قبل أن يتجدد الجدل في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عقب مصادقة مجلس النواب الليبي عليه، وهي الخطوة التي رفضتها القاهرة، ووصفت الاتفاق بأنه باطل ولا يرتب آثارا قانونية بالنسبة إليها.
ويعكس طرح الملف على طاولة اللجنة المشتركة محاولة للفصل بين الخلافات القانونية والسياسية المتعلقة بشرق المتوسط وبين مسار تطوير العلاقات الثنائية، خصوصا أن القاهرة وطرابلس ترتبطان بمصالح اقتصادية وأمنية متشابكة، بينما يتطلب الوصول إلى تفاهم بشأن الحدود البحرية معالجة قضايا تتجاوز العلاقات الثنائية إلى التوازنات الإقليمية ومواقف الدول الأخرى المعنية بالمنطقة.
وفي موازاة المباحثات البحرية، شهدت زيارة عبد العاطي تحركات لتوسيع التعاون الاقتصادي، إذ بحث مع وزير النفط والغاز المكلف خليفة عبد الصادق استكمال مشروعات تكرير النفط الخام الليبي في المصافي المصرية وإعادة تصديره إلى الأسواق الخارجية، إلى جانب إنشاء وربط خطوط الغاز بين البلدين، وإعادة تأهيل المصافي الليبية وتسريع مشروعات الربط الكهربائي.
وأكد الوزير المصري أهمية الإسراع في تنفيذ هذه المشروعات وتطوير التعاون في مجال المنتجات البترولية، بينما أعلن عبد الصادق اعتزامه زيارة القاهرة خلال الفترة المقبلة لاستكمال المباحثات الفنية مع وزيري البترول والكهرباء المصريين، في خطوة تستهدف الانتقال من التفاهمات السياسية إلى ترتيبات تنفيذية في قطاع الطاقة.
وتكتسب هذه المباحثات أهمية اقتصادية في ظل حاجة ليبيا إلى تطوير بنيتها التحتية النفطية ورفع كفاءة منشآتها الإنتاجية والتكريرية، مقابل سعي مصر إلى تعزيز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة والاستفادة من قدراتها الصناعية، غير أن تنفيذ المشروعات المطروحة سيظل مرتبطا بالتفاهم على الجوانب الفنية والتمويلية والترتيبات اللازمة لتشغيلها.
وشكلت إعادة افتتاح المقر التاريخي للسفارة المصرية في طرابلس، بعد إغلاقه عام 2014 نتيجة التدهور الأمني، أبرز التطورات الدبلوماسية المصاحبة للزيارة، إذ اعتبر الدبيبة هذه الخطوة مؤشرا إيجابيا على تحسن العلاقات، فيما يعكس استئناف العمل الدبلوماسي المباشر توجها مصريا نحو توسيع التواصل مع المؤسسات الموجودة في غرب ليبيا، إلى جانب علاقاتها القائمة مع الأطراف السياسية في شرق البلاد.
وتناولت المباحثات كذلك تسهيل حركة التجارة والاستثمار، وتعزيز مشاركة الشركات والعمالة المصرية في مشروعات إعادة الإعمار، بينما طالب عبد العاطي بتقديم تسهيلات إضافية لأفراد الجالية المصرية، تشمل تمديد المهل المقررة وإلغاء الغرامات المتراكمة، فضلا عن معالجة الصعوبات التي تواجه الطلاب المصريين المقيمين في ليبيا.
وعلى المستوى السياسي، جدد الوزير المصري خلال لقاءاته مع الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، دعم القاهرة لوحدة ليبيا وسلامة أراضيها، مؤكدا أن الحل السياسي القائم على حوار ليبي شامل يمثل المسار الوحيد لإنهاء الأزمة، مع ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة والعمل على توحيدها، بعيدا عن التدخلات والإملاءات الخارجية.
من جانبه، شدد الدبيبة على أن بلاده لن تعود إلى الانقسام والحروب، معتبرا أن حالة الهدوء النسبي التي تشهدها طرابلس توفر فرصة لدفع العملية السياسية، وداعيا إلى إنجاز دستور يمهد لإجراء الانتخابات، كما رحب بالأدوار الإقليمية الداعمة للتسوية، شريطة التزام الحياد وعدم الانحياز إلى أي طرف من أطراف الخلاف الليبي.
وامتدت تداعيات الجدل البحري إلى اليونان، حيث ربط وزير الهجرة واللجوء ثانوس بليفريس بين تصاعد تدفقات المهاجرين القادمين من ليبيا وتجدد الخلاف بشأن الاتفاق التركي الليبي، معلنا وصول نحو 1700 مهاجر إلى جزيرة كريت خلال الأيام الثلاثة الأولى من نوفمبر/تشرين الثاني، ومتهما السلطات الليبية بالتقصير في منع انطلاق القوارب، دون تقديم أدلة تثبت وجود صلة مباشرة بين حركة الهجرة والخلاف البحري.
توسيع مجالات التعاون
وتشير مجمل التحركات إلى مرحلة جديدة من الاتصالات الليبية المصرية تحاول خلالها القاهرة وطرابلس توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، بالتوازي مع إدارة الخلاف بشأن شرق المتوسط، لكن اختبار هذه التفاهمات سيبقى مرتبطا بقدرة اللجنة المشتركة على تحقيق تقدم فعلي في الملف البحري، وتحويل مشروعات الطاقة وإعادة الإعمار المطروحة إلى خطوات عملية، في ظل استمرار الانقسام السياسي الداخلي وتعقيدات المصالح الإقليمية المحيطة بليبيا.