متابعة/المدى
في مواجهة موجات الجفاف المتلاحقة والعواصف الترابية المتكررة وارتفاع درجات الحرارة، يتجدد الحديث في العراق عن أهمية التوسع في المساحات الخضراء بوصفها أحد الحلول البيئية القادرة على التخفيف من تداعيات التغير المناخي واستعادة التوازن المفقود بين التنمية العمرانية والحفاظ على البيئة.
ومع تنامي المخاطر البيئية التي تشهدها البلاد، عاد مشروع الحزام الأخضر ليطرح مجدداً كخيار استراتيجي لمواجهة التصحر وتحسين الواقع البيئي للمدن العراقية. وبينما تؤكد المؤسسات الحكومية إدراجه ضمن برامج مكافحة التصحر، يشدد مختصون على أن نجاحه يتطلب رؤية شاملة تتجاوز عمليات التشجير التقليدية نحو مشروع تنموي مستدام متعدد الأهداف.
وترى الخبيرة في التلوث البيئي إقبال لطيف، خلال حديث تابعته(المدى) أن فكرة الحزام الأخضر تقوم على إنشاء نطاقات نباتية واسعة تحيط بالمراكز الحضرية، وتضم أشجاراً ونباتات دائمة الخضرة، مع إمكانية إدخال أصناف مثمرة تتيح الاستفادة الاقتصادية إلى جانب دورها البيئي.
وأوضحت أن المشروع لا يقتصر على الحد من تأثير الرياح والعواصف الغبارية أو التقليل من انجراف التربة، بل يمكن أن يشكل منظومة متكاملة تحقق فوائد اقتصادية وبيئية في آن واحد، من خلال استثمار الأراضي المزروعة وتحويلها إلى مورد إنتاجي مستدام.
وأضافت أن هذه الأحزمة قد تمتد لعدة كيلومترات حول المدن، الأمر الذي يسهم في تنظيم التوسع العمراني ومنع الزحف العشوائي للبناء، فضلاً عن منح المدن مظهراً عمرانياً أكثر توازناً وتنظيماً.
وأكدت لطيف أن للمشروع أبعاداً بيئية واسعة تشمل الحد من ظاهرة التصحر، وحماية التربة من التدهور، ودعم التنوع الحيوي من خلال توفير بيئات مناسبة للكائنات الحية النافعة، لاسيما الحشرات الملقحة، فضلاً عن دوره في تنقية الهواء عبر امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون وزيادة مستويات الأوكسجين، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على صحة السكان.
كما لفتت إلى أهمية الغطاء النباتي في إدارة مياه الأمطار وتقليل ضياعها، بما يعزز تغذية المياه الجوفية ويساعد على دعم الموارد المائية مستقبلاً.
وأشارت إلى أن المشروع ينسجم مع مبادئ الاقتصاد الدائري المستدام، إذ يمكن استثمار منتجات الأشجار المختلفة في صناعات متعددة، إلى جانب إمكانية استغلال هذه المناطق كمرافق سياحية وترفيهية ورياضية توفر فرص عمل وتسهم في تنشيط الحياة الاجتماعية.
ورغم هذه الفوائد، أعربت لطيف عن تشككها بإمكانية تنفيذ مشاريع بيئية بهذا الحجم في الظروف الراهنة، مشيرة إلى أن التحديات السياسية والأمنية وضعف الإدارة وانتشار الفساد تمثل عقبات رئيسية أمام إنجاز مشاريع استراتيجية طويلة الأمد.
واستحضرت ما تعرضت له مساحات زراعية واسعة وبساتين في عدد من المحافظات من أضرار خلال السنوات الماضية نتيجة العمليات العسكرية أو الإهمال، فضلاً عن الخسائر الناجمة عن الحرائق والتجاوزات على الأراضي الزراعية.
وأكدت في ختام حديثها أن مشروع الحزام الأخضر يمتلك أهمية بيئية واقتصادية وصحية كبيرة، إلا أن نجاحه يتطلب إرادة سياسية حقيقية وإدارة كفوءة قادرة على تنفيذ المشاريع الاستراتيجية وحمايتها من الفساد وسوء التخطيط.
من جانبها، قالت الناشطة البيئية نجوان علي، خلال حديث تابعته(المدى) إن النظر إلى الأحزمة الخضراء يجب ألا يقتصر على كونها حملات لزراعة الأشجار، بل ينبغي التعامل معها كجزء من سياسة بيئية شاملة تهدف إلى مواجهة التدهور البيئي الذي تشهده المدن العراقية.
وأوضحت أن العراق فقد خلال العقود الماضية مساحات كبيرة من أراضيه الزراعية وبساتينه نتيجة التوسع العمراني غير المنظم والإهمال والتغيرات المناخية، ما يجعل أي مشروع للحزام الأخضر مرتبطاً بضرورة حماية الغطاء النباتي وإعادة تأهيله ضمن خطة وطنية أوسع.
وأضافت أن آثار التغير المناخي أصبحت أكثر وضوحاً على المدن العراقية من خلال ارتفاع درجات الحرارة وتزايد العواصف الترابية وموجات الجفاف، الأمر الذي يجعل التوسع في المساحات الخضراء ضرورة ملحة لمواجهة هذه التحديات.
وأشارت إلى أن افتقار المدن للمناطق الطبيعية القادرة على امتصاص الآثار السلبية للتغير المناخي ينعكس بشكل مباشر على صحة السكان وجودة حياتهم، مؤكدة أن تطوير البنية التحتية الخضراء يمثل استثماراً طويل الأمد في الأمن البيئي والصحي.
وشددت على أهمية الابتعاد عن الحملات المؤقتة والمشاريع الموسمية التي سرعان ما تتوقف بعد انتهاء الاهتمام الإعلامي بها، مبينة أن العديد من مبادرات التشجير السابقة لم تحقق أهدافها بسبب ضعف المتابعة والصيانة وعدم وجود معايير واضحة لتقييم النتائج.
وأكدت أن نجاح مشاريع الأحزمة الخضراء يتطلب برامج مستدامة ترتبط بخطط تنموية وبيئية قابلة للقياس والتقييم، بما يضمن استمرارها وتحقيق أهدافها على المدى الطويل.