كيف استخدمت إسرائيل “أساطيل الحرية” لاختبار مدى قدرتها على انتهاك القانون الدولي؟


لندن – “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي نيويورك ريفيو أوف بوكس” مقالا مطولا أعده بايبر فرينتش استعرض فيه حركة أساطيل الحرية من أجل فك الحصار عن غزة. وتناول فيه مواقف الدول التي تدعو إلى التمسك بمبادئ القانون الدولي من تحدي إسرائيل لهذه المبادئ. وقال إن أي سفينة ترسل نداء استغاثة في عرض البحر، فإن المسؤولية تقع على السفن القريبة لتقديم المساعدة لها. فهذا مبدأ أساسي في القانون البحري. لكن يوم الاثنين 18 أيار/مايو، عندما بدأت مجموعة من نحو خمسين قاربا في المياه الدولية بإرسال نداءات استغاثة عبر اللاسلكي، لم يستجب أحد.

فلم تتخذ قبرص، الدولة الأقرب وبالتالي المسؤولة عن سلامتهم، أي إجراء. وسرعان ما اقترب مسلحون من القوارب وصعدوا على متنها وسيطروا على الركاب واقتادوهم إلى السجن، حيث رووا لاحقا أنهم تعرضوا للضرب والصعق بالكهرباء وإطلاق الرصاص المطاطي عليهم وقذفهم بقنابل صوتية، بالإضافة إلى السخرية والإذلال الجنسي، واحتجازهم في أوضاع مؤلمة لساعات طويلة.

الأسطول لم يعبر أي خط وهمي ولم يرتكب أي عمل عدواني، بل كان يمر عبر جزء من البحر الأبيض المتوسط تعبره اليخوت وسفن الشحن بانتظام

ويضيف فرينتش أن الأسطول لم يعبر أي خط وهمي ولم يرتكب أي عمل عدواني، بل كان يمر عبر جزء من البحر الأبيض المتوسط تعبره اليخوت وسفن الشحن بانتظام. ولا يعقل السماح بوقوع هذا العنف إلا إذا أخذنا في الاعتبار أن السفن كانت في المرحلة الأخيرة من رحلتها نحو غزة، على أمل كسر الحصار الإسرائيلي الشامل للقطاع وإيصال الإمدادات إلى القطاع المحاصر، وقد اعترضتها البحرية الإسرائيلية.

وأشار الكاتب إلى تصرفات إيتمار بن غفير، وزير الأمن الإسرائيلي، ونشره مقطع فيديو يظهر فيه وهو يوبخ بسخرية نشطاء أسطول الحرية المحتجزين ويصرخ قائلا: “مرحبا بكم في إسرائيل، نحن أصحاب الأرض!”، بينما أجبر العشرات منهم على السجود. وحتى 22 أيار/مايو أطلق سراح جميع الأشخاص الـ430 الذين تم اعتقالهم، وقد أدلى العديد منهم بشهادات تفيد بتعرضهم أو مشاهدتهم للضرب وغيره من أشكال الإساءة. ووصف الصحافي الأمريكي أليكس كولستون، الذي وثق رحلته إلى غزة واحتجازه اللاحق لصالح موقع “زيتيو”، حارسا وهو يمزق أصفاده المعدنية بعنف حتى فقد وعيه من شدة الألم. وقد وردت خمس عشرة حالة على الأقل من حالات الاعتداء الجنسي.

ويقول فرينتش إن حركة “أسطول الحرية” قامت، على مر السنين، بعشرات المحاولات لاختراق منطقة الحصار التي تعزل فلسطين عن العالم. وتؤكد هويدا عراف، المحامية الفلسطينية الأمريكية التي ساهمت في ريادة هذا التكتيك عام 2008، أن هذا ليس مجرد جهد رمزي. وفي مقابلة مع الكاتب في 16 أيار/مايو قالت: “لن تحمل قواربنا الصغيرة أبدا كمية المساعدات التي يحتاجها الفلسطينيون، لكن هدفنا دائما هو تحدي الحصار غير القانوني، وذلك من خلال العمل المباشر”.

ويضيف فرينتش أن التحرك له أثر رمزي أيضا، فكثيرا ما تصف منظمات حقوق الإنسان غزة بأنها سجن مفتوح، وكما هو الحال مع أي سجن تقليدي، يميل المراقبون الخارجيون إلى افتراض أن الفظائع التي ترتكب بحق سكانها تحدث في عالم مواز لا يمت لعالمنا بصلة.

ومن هنا، فالسفر إلى غزة بحرا هو بمثابة تأكيد على أنها ليست بمعزل عن الإنسانية، بل تقع على شاطئ ليس ببعيد في جنوب شرق البحر الأبيض المتوسط، شاطئ يمكن الوصول إليه، بل وقد وصل إليه بالفعل عدد قليل من النشطاء الذين يبحرون في أسطول متواضع من القوارب.

فهذا في النهاية، ليس أسطولا أنيقا ومتجانسا: بعض القوارب صغيرة جدا، وبعضها الآخر غير صالح للإبحار. ويقوم المتطوعون برسم كلمات وصور على هياكل القوارب وأشرعتها: أعلام فلسطينية، ووجوه أطفال، ورسائل سلام.

وقد تم التخطيط للأسطول الأخير وتنفيذه وسط سلسلة من التصعيدات التكتيكية والقانونية المقلقة من جانب إسرائيل منذ إعلانها الهدنة مع حماس في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ووسط مواصلة إسرائيل قصفها المتقطع للقطاع وترويع المستوطنين لسكان الضفة الغربية.

وأشار الكاتب إلى مقال نشرته قبل فترة مجلة “لندن ريفيو أوف بوكس” حول حملات الاغتيال الإسرائيلية في الخارج، واقتبس فيه أندرو كوكبيرن كلام محام عسكري إسرائيلي بارز قال، في عام 2009، بعد الحملة البرية في غزة المعروفة باسم “عملية الرصاص المسكوب”: “إذا فعلت شيئا لفترة كافية، سيتقبله العالم”.

وفي غزة، وفي جميع أنحاء المنطقة، والآن في البحر الأبيض المتوسط، تواصل إسرائيل اختبار مدى قدرتها على انتهاك القوانين التي تحكم الاستخدام المشترك للأرض والبحر، ومدى قدرتها على تطبيق نموذج غزة قبل تدخل الدول الأجنبية والمؤسسات الدولية.

في غزة، وفي جميع أنحاء المنطقة، والآن في البحر الأبيض المتوسط، تواصل إسرائيل اختبار مدى قدرتها على انتهاك القوانين التي تحكم الاستخدام المشترك للأرض والبحر، ومدى قدرتها على تطبيق نموذج غزة قبل تدخل الدول الأجنبية والمؤسسات الدولية

ومن هنا، فبوضعهم أجسادهم تحت رحمة الدولة الإسرائيلية، يواجه نشطاء أسطول الحرية تلك الدول والمؤسسات نفسها بتحد مواز، ضاغطين على بلدانهم للتمسك بمبادئ القانون الدولي التي تتجاهلها إسرائيل، وبتحد تام.

ويقول فرينتش إن البحر الأبيض المتوسط أصبح بمثابة مسرح لهذين الجهدين المتناقضين بشكل صارخ لتشكيل كيفية تعامل العالم مع الإبادة الجماعية في غزة.

وأشار الكاتب إلى ولادة فكرة أساطيل الحرية. ففي أثناء عملها في الضفة الغربية مطلع الألفية الثانية، حين كانت في العشرينيات من عمرها، شعرت عراف بالفزع لرؤية أن الفلسطينيين هناك لا يملكون أي سبيل فعلي لكي ينصفهم من القمع. وقالت للكاتب: “عندما لا يحتجون، تستمر انتهاكات حقوقهم وتصادر أراضيهم ويعتقل الناس وتهدم منازلهم. وعندما يحاولون الاحتجاج يقتلون بالرصاص ويعتقلون ويعاملون بوحشية، وما إلى ذلك، دون أي مساءلة على الإطلاق”.

وأسست عراف، مع عدد قليل من الزملاء، حركة التضامن الدولية. وأضافت: “وجهنا نداء عاجلا إلى العالم أجمع للوقوف إلى جانب الفلسطينيين في حركتهم”. وكان الاعتقاد السائد أن وجود شهود من الخارج قد يردع العنف. لكن بدلا من ذلك، بدأ الجنود والمستوطنون الإسرائيليون بقتل الشهود وتشويههم، بعد أن دهست جرافة إسرائيلية المتطوعة الأمريكية الشابة في حركة التضامن الدولية، راشيل كوري، حتى الموت. ثم طردت إسرائيل نشطاء السلام الدوليين من قطاع غزة.

وبعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، فرضت إسرائيل حصارا تاما على القطاع. وراقبت حركة التضامن الدولية إسرائيل وهي تشيد هذا الجدار. وقالت عراف: “لم يكن هناك ما يكفي من الرسائل أو الاحتجاجات أو رسائل البريد الإلكتروني أو غيرها لتحدي هذه السياسة التي كانت غير قانونية بشكل واضح، بل كانت عقابا جماعيا واضحا”.

وفي آب/أغسطس 2008، قامت هي وعدد قليل من متطوعي حركة التضامن الدولية، تحت اسم “حركة غزة الحرة”، بقيادة قاربين صغيرين للصيد، لا يحملان سوى ركابهما وبعض البالونات وصندوق من أجهزة السمع، متجهين نحو غزة. وبشكل غير متوقع، نجحوا، إذ كانوا أول سفن تصل إلى الشواطئ الفلسطينية دون المرور عبر إسرائيل منذ عام 1967. وهرع الناس إلى الميناء لاستقبالهم. وقالت عراف: “بصراحة، كانت تلك من أجمل لحظات حياتي”.

وبعد أن شنت إسرائيل عملية الرصاص المسكوب في كانون الأول/ديسمبر 2008، والتي دمرت أكثر من عشرة آلاف منزل وأطلقت الفوسفور الأبيض على السكان المدنيين، غيرت إسرائيل استراتيجيتها البحرية أيضا، فبدأت بصدم القوارب أو الاستيلاء عليها وأسر جميع من على متنها. وقررت عراف وزملاؤها تصعيد الموقف أيضا، فتعاونوا مع مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية (إي إتش إتش) وشكلوا أول أسطول حرية: قافلة من ستة قوارب، ثلاثة منها لنقل الركاب وثلاثة لنقل البضائع تحمل حوالي 10 آلاف طن من الإمدادات، بقيادة عبارة إسطنبول المعاد استخدامها “مافي مرمرة”.

وفي حوالي الساعة 4:30 صباحا من يوم 31 أيار/مايو 2010، ورغم بقاء الأسطول بعيدا عن المياه الإقليمية، اقتربت منه مروحيات وسفن حربية إسرائيلية. وخلص تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن ستة من القتلى التسعة سقطوا في “إعدام خارج نطاق القانون، وتعسفي، وبإجراءات موجزة”. أما الراكب العاشر فقد توفي متأثرا بجراحه بعد أربع سنوات قضاها في غيبوبة، وأصيب العشرات بجروح جراء إطلاق النار.

وبعد هذه المجازر، ظهر نمط واضح: تقترب السفن من غزة لمسافة معينة من أميالها البحرية، فيتم اعتراضها ويحتجز ركابها ويعاملون بقسوة، ثم يطلق سراحهم ويرحلون. كما قيدت دول أخرى تحركات الأساطيل، فقد منعت اليونان وتركيا، في أوقات مختلفة، السفن من مغادرة موانئهما.

وفي السنوات الأخيرة، تراجعت جهود الأسطول بسبب التحديات العملياتية وتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة في غزة. لكن بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، ومع تقييد إسرائيل بشكل جذري للمساعدات الإنسانية العاجلة للقطاع، وبدئها بقتل عمال الإغاثة بمعدلات غير مسبوقة، عادت الحيوية إلى الحركة.

ولطالما كان الأسطول جهدا دوليا مشتركا، يضم أتراكا وأوروبيين وأمريكيين شماليين وجنوبيين، وقد توسع نطاقه مع مرور الوقت. وفي الصيف الماضي، ظهر تحالف جديد يدعى “أسطول الصمود العالمي”، وسرعان ما لفت الأنظار بفضل ركابه البارزين، ومن بينهم غريتا ثونبرغ (التي أبحرت مع “تحالف أسطول الحرية” في وقت سابق من ذلك الصيف).

وما حدث هو أنه في أوائل تشرين الأول/أكتوبر، وبعد تعرض القوارب لهجمات متكررة بطائرات مسيرة، استولت البحرية الإسرائيلية على الأسطول وأعادت ركابه إلى إسرائيل، حيث احتجزوا لمدة خمسة أيام في سجن كتسيعوت شديد الحراسة، ثم رحلوا. ومنذ ذلك الحين، سعت إسرائيل إلى تصوير نشطاء الأسطول على أنهم منتمون متشددون لحماس، وفي الوقت نفسه أشخاص أنانيون يركزون على العلاقات العابرة أكثر من تركيزهم على تقديم المساعدات الإنسانية لسكان غزة المنكوبين.

وكانت أول نتيجة بحث ممولة عند البحث عن “أسطول الصمود العالمي” على غوغل الأسبوع الماضي صفحة ويب رسمية للحكومة الإسرائيلية بعنوان “موجات الكراهية”، تزعم توثيق العلاقات المشبوهة للنشطاء. وقد تضمنت أحدث حملة دعائية للبلاد وصف أسطول الصمود العالمي بأنه “أسطول الواقي الذكري”.

تواطؤ وسلبية الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا، فضلا عن المؤسسات الدولية، سهلا عنف إسرائيل ضد النشطاء الدوليين. فقد اعتقلوا وتعرضوا للإذلال وسوء المعاملة

ويقول فرينتش إن تواطؤ وسلبية الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا، فضلا عن المؤسسات الدولية، سهلا عنف إسرائيل ضد النشطاء الدوليين. فقد اعتقلوا وتعرضوا للإذلال وسوء المعاملة في الخريف الماضي، بما في ذلك عدة مزاعم بالاعتداء الجنسي، لكن القوات الإسرائيلية مارست مستويات جديدة من “العنف المفرط” هذه المرة.

ومع أن الاستفزازات الواضحة هذا الشهر أثارت ضجة إعلامية واسعة وأدت إلى ردود فعل غاضبة، فقد وصفت جورجيا ميلوني معاملة النشطاء بأنها “غير مقبولة”، وقال وزير الخارجية الإيطالي للصحافيين إنه يجري محادثات مع نظرائه في الاتحاد الأوروبي حول إمكانية فرض عقوبات على بن غفير. إلا أنها في الولايات المتحدة لم تحظ باهتمام إعلامي يذكر، ولم تثر أي استنكار شعبي. وفي وقت سابق من هذا العام، أصدر البيت الأبيض في عهد ترامب بيانا يدين فيه أسطول الحرية، الذي وصفه بأنه “مؤيد لحماس”.

وقارن الكاتب هنا بين حركة فك الحصار وتلك التي حاولت مساعدة المهمشين الباحثين عن الحرية بالهجرة إلى أوروبا. ففي السنوات الثلاث عشرة التي تلت إنشاء أسطول الحرية وحتى 7 تشرين الأول/أكتوبر، أصبح البحر الأبيض المتوسط مسرحا لنوع آخر من العبور المثير للجدل.

وتسلك أساطيل الحرية مسارا مشابها، ولكن في الاتجاه المعاكس، لمسار المهاجرين الذين قدموا بالعشرات والمئات، في قوارب أصغر حجما، بحثا عن ملجأ على الشواطئ الأوروبية، والذين يلقون حتفهم بشكل متكرر في هذه المحاولة.

وقال فرينتش إن الانخراط في هذا العمل التضامني، سواء كان ذلك نيابة عن الفلسطينيين في غزة أو المهاجرين في طريقهم إلى أوروبا، أو طالبي اللجوء الذين يعبرون إلى الولايات المتحدة، يجرد الناس من الحماية التي توفرها لهم جوازات سفرهم أو لون بشرتهم. بل وقامت دول من فرنسا إلى بولندا إلى اليونان بمقاضاة متطوعين في المجال الإنساني بتهم مثل “تهريب البشر” أو “المساعدة والتحريض على الهجرة غير الشرعية”.

ومع استعداد أسطول الإنقاذ للإبحار مطلع هذا العام، وسط اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تصاعدت الانتقادات.

وشعر بعض الفلسطينيين أن الرحلة السابقة ركزت على الناشطين أنفسهم أكثر من تركيزها على الإبادة الجماعية التي تحدث في غزة.

وفي نيسان/أبريل، وخلال كلمة ألقتها في اجتماع “الصمود العالمي” في بروكسل، قالت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، والتي حظيت باعتراف واسع النطاق لوضوحها الأخلاقي في مواجهة الردود الدولية، إن “الأداء وحده لا يكفي”، وتساءلت عما إذا كان من الأفضل للناشطين الغربيين توجيه جهودهم نحو محاولة منع شحنات الأسلحة من مغادرة موانئهم.

وعندما سأل الكاتب عراف كيف يمكنها العودة إلى إحدى هذه السفن بعد فظائع عام 2010، أجابت: “لطالما كان لدي هذا الرفض العنيد للاستسلام للعنف”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *