هزمت إسبانيا الأرجنتين في نهائي كأس العالم هزيمة مهينة. لم تسحقها بالنتيجة، لكن بدرس تاريخي في الأداء الجماعي واللعب النظيف الخالي من كل خشونة ومحاولات غش أو تحايل على اللعبة والحكم.
لم أشعر بحاجة ماسة لمتابعة المونديال، بما في ذلك مباراته النهائية. لكن عندما أُتيحت لي فرصة مشاهدتها ضيفا عند أصدقاء، وجدت نفسي أتمنى فوز إسبانيا. هناك أكثر من سبب لهذا الانحياز، منها طريقة لعب المنتخب الإسباني وتصرف اللاعبين الراقي في الميدان، وأيضا لشعوري بالقرب من إسبانيا ورفضي لانحياز إسرائيل المنافق للأرجنتين بدواع سياسية انتهازية ونكاية في إسبانيا على مواقفها من حروب إسرائيل على جيرانها.
كنت أتوقع أن كثيرين في العالم ومنطقتنا يشجعون إسبانيا، لكنني في اليوم الموالي للمباراة فوجئت بنطاق الفرح لفوز إسبانيا والتشفي في انتكاسة الأرجنتين، ربما للأسباب ذاتها التي جعلتني أتمنى فوز إسبانيا.
المتخصصون في تحليل مزاج الجمهور في كأس العمل توصلوا إلى عبارة تُعرِّف هذه الحالة النفسية، وأطلقوا عليها «التشجيع بدافع (أو من أجل) الكراهية».
المراد منه بهذا المصطلح تشجيع منتخبات أو فرق ليست بالضرورة التي تمثل بلدك. في مونديال 2026 برز نطاق ظاهرة المشجعين (أو حتى مجتمعات بأكملها) الذين أُقصيت منتخباتهم، أو لم تشارك في البطولة، وتحمسوا لمشاهدة مباريات خصومهم التقليديين أو المنتخبات التي يكرهون، مدفوعين بالرغبة في رؤيتها تنهزم، ومن ثمة التشفي فيها وفي مشجعيها. الشعار هنا: إذا عجزنا عن الفوز فالأمل أن عدو عدونا هو طريقنا للانتقام وتخفيف آلامنا. في علم النفس يطلق على هذه الحالة مصطلح DISIDENTIFICATION أي «عدم التماهي»، وهي أن تعرّف نفسك بما (أو من) تكره أو تعارض. هو نوع من التعبير عن الحب والولاء عن طريق إشهار الكراهية.
تنتشر الظاهرة على مستوى الدوريات المحلية، حتى الكبيرة والشهيرة منها. ثم تتسع لتشمل المنافسات القارية وكأس العالم حيث تأخذ أبعادا قومية تتقاطع في أحيان كثيرة مع العنصرية واحتقار الآخر.
مباراتا نصف نهائي مونديال 2026 لم تكن قضية تخص فرنسا وإسبانيا، والأرجنتين وإنكلترا. لقد كانت قصة أكبر
وتنتشر خصوصا بين شعوب تشعر في كل مرة بأن منتخباتها أُقصيت ظلما أو بسوء حظ، فيشجعون المنتخب الذي ضد من كان وراء الإقصاء.
مباراتا نصف نهائي مونديال 2026 لم تكن قضية تخص فرنسا وإسبانيا، والأرجنتين وإنكلترا. لقد كانت قصة أكبر امتدت لتشمل مليارات البشر عبر العالم: من أضرت بهم الأرجنتين شجعوا إنكلترا، ومن يكرهون فرنسا شجعوا إسبانيا والعكس صحيح.
عقب إقصاء إنكلترا وصف الصحافي البريطاني المعروف بيرس مورغن لاعبي الأرجنتين بأنهم «حفنة من الأوغاد»، وتمنى أن يسحقهم الإسبان. عبارة مورغن تكفي ليعرف العالم أي فريق أُريد للإنكليز أن يشجعوا في مباراة النهائي، رغم أنهم لم يكونوا بحاجة لمن يذكرهم بأن الأرجنتين هي آخر من يمكن أن يفكروا في تشجيعه.
إلا أن هذه الحالة النفسية متفشية في منطقتنا أكثر. هنا تبلغ الحالة مستويات غير صحية، رغم أن الأمر يأخذ في أحيان كثيرة شكل مزاح. تنتشر هذه الحالة المزاجية بقوة في المنطقة العربية لأن المجتمعات موبوءة بالغلو في كل شيء، ولأن الخيبات كثيرة والمرارة غذاء يومي لسكانها، ولأن الناس يُحمّلون الكرة أكثر مما تتحمل ولا يتقنون فضيلة المضي إلى الأمام بعد الهزيمة.
المفارقة أن «المشاهدة بدافع الكراهية» مفيدة تجاريا.. لبيع التذاكر بأسعار باهظة، لتجار الماركات والأكسسوارات الرياضية، لأصحاب المقاهي والحانات، لشياطين السوشل ميديا، وللدورة الاقتصادية ككل. لكنها بدأت تولّد مشاعر سلبية وردود فعل عنيفة بعدما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أرضيتها الخصبة. وخطورة وسائل منصات التواصل الاجتماعي لا ترحم، لأنها عندما يتعلق الأمر بالكرة لا أحد يردعها طالما تنشغل بعدو خارجي ولا تزعج الحكومات.
هذه الخطورة تُبرز الحاجة إلى منظور أوسع وفهم أدق لامتدادات تأثير الكرة والتبعات التي قد تنجم عن استغلال خواء كثير من الناس وشحن مشاعرهم بدافع الربح.
قبل سنوات أنشأتُ مجموعة محادثة على تطبيق واتساب ضممت إليها أفرادا من عائلتي لتسهيل التواصل بدل مخاطبة كل واحد أو واحدة على انفراد.
تتكون المجموعة من شباب، فتيات وفتيان، يجمعنا تواصل شبه يومي، في مرحلة ما جعلني أشعر بأنني «شيخ الغفر»!
ليلة إقصاء المغرب أمام فرنسا في نهائيات كأس العالم الأخيرة، كتب أحدهم: «الليلة كل الجزائريين يرقدوا متهنيين»! أجبت بلا تردد: «تمنيت لو أنكم لم تقعوا في هذا الفخ. إقصاء المغرب لن يؤهل الجزائر ولن يفيدها في شيء». توقف النقاش هنا لأن كلمتي، كما أعتقد، لا تزال الأعلى في المجموعة.
لكن ما بين الجزائر والمغرب قصة أخرى تفوق مساحات الكرة ولحظاتها.
يفضل المتخصصون في التضليل التجاري تسمية المشاعر السلبية والمعادية «منافسة» لا كراهية. اختيار مسوِّقي الرياضة التوصيف الدقيق والتعبير الحذر ضرورة تمليها حاجتهم للحفاظ على استمرار تدفق الأرباح ضمن مستويات من العنف النفسي واللفظي بين المشجعين يجب أن تبقى تحت السيطرة كي لا تفتح أبوابا أخرى غير محمودة وتضر بتدفق الأرباح.
كاتب صحافي جزائري