«قد يجادل البعض بأن ما شاهدناه بصدمة وهلع [في غزة] هو العاقبة المحتومة للاستعمار الصهيوني الاستيطاني الذي انطلق في أواخر القرن التاسع عشر»، يقول عومير بارتوف، الأكاديمي الإسرائيلي الناقد لإسرائيل الحالية، قبل أن يستأنف: «جزئياً، هذا صحيح، لكن يفوت التركيز على واقع الاستيطان الوظيفي في فلسطين الدوافع الإيديولوجية والعاطفية وراء هذه الحركة، وكذلك ما يبطنها من إدراك ذاتي لأجيال من ناشطي الصهيونية وداعميها». ربما، لكن هذا لا يغير أي شيء. احتمال الإبادة يبقى ممكناً قويا من ممكنات «الاستعمار الصهيوني الاستيطاني» لفلسطين. كل ما في الأمر أن «الدوافع الإيديولوجية والعاطفية» و»إدراك الذات الخاص بناشطي الصهيونية وداعميها» تزود الإبادة بضمير مرتاح بينما إسرائيل تدمر المجتمع الفلسطيني وحياة الفلسطينيين طوال عقود وأجيال، وليس فقط خلال آخر عامين أو ثلاثة. المؤلف يقدم أمثلة وافرة في كتابه على دعم واسع من مواطنيه لإبادة الفلسطينيين.
وليس المرء مضطراً لأن ينفي ما يقوله بارتوف من وجود وجه تحرري للصهيونية في عين معتنقيها وليس فقط وجه استعماري وقومي إثني، لكن التجربة المؤسسة لنشوء الكيان الإسرائيلي، وهي تطهير عرقي استعماري، تحقق بالسلاح والتنظيم المتفوقين، وأفضى إلى طرد ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني من أرضه، هذه التجربة هي الأساس الذي قامت عليه الإبادة السياسية للفلسطينيين طوال الوقت، ودرجات متفاوتة من الإبادة الفيزيائية، بلغت الذروة في غزة بعد أكتوبر 2023. الجانب التحرري المحتمل اقتصر على اليهود، ولم يشمل قط الفلسطينيين. وبارتوف نفسه يقول إن الوجه الثاني، الاستعماري والإثني القومي، هو الذي ساد السياسات الإسرائيلية بعد 1948. ولذلك تبدو أطروحة كتابه واهية الأسس، ربما تصدر عن صعوبة تقبل المؤلف، وقد كان صهيونياً مؤمناً، وبصورة ما لا يزال، أن الجينوسايد قائم في قلب الصهيونية بوصفها مشروعا استعمارياً استيطانياً، وإحلالياً، فكر بنفسه منذ أيام هرتزل كمخفر أوروبي متقدم في وجه آسيا، وليس انزلاقاً مؤسفاً قادت إليه تطورات تاريخية عارضة.
ما هي أطروحة بارتوف؟ هي أن إسرائيل بلا دستور، وهنا المشكلة التي آلت أخيراً إلى الجينوسايد. كان من شأن «دستور قائم على المبادئ التقدمية لإعلان الاستقلال الإسرائيلي أن يخدم في الحد من أسوأ نوازع الصهيونية، ويفتح درباً نحو مجتمع ليبرالي لجميع المواطنين. وعلى الأقل كان يمكن للدستور أن يمنع، وفي الحد الأدنى أن يحد من امتداد الحكم العسكري الإسرائيلي المفروض على المواطنين العرب بين 1948 و1966 [تمتعوا بعدها بقدر محدود من مساواة حقوقية]، بالرغم من مصادرة أجزاء واسعة من أراضيهم من قبل الدولة. ولربما سهل عملية إعادة توطين قسم من الفلسطينيين الذين فروا أو طردوا عام 1948». إعلان الاستقلال كان قد نص على موعد نهائي لصدور دستور لدولة إسرائيل الناشئة: 1 تشرين الثاني 1948. لكن أليس ثمة غير قليل من ضيق العين في تبعيضات بارتوف، يكمن خلف أخلاقية فرك اليدين المرتبكة التي تسود كتابه؟ «الحد من أسوأ نوازع…»، «حد أدنى من عدم امتداد الحكم العسكري»، و»إعادة توطين بعض اللاجئين»! بن غوريون الذي عارض وضع دستور ورفض إعلان حدود لإسرائيل، تاركاً الأمر للتطورات العسكرية التي كان يدرك أنها لمصلحة كيانه، كان أصفى ذهناً وأكثر اتساقاً من بارتوف وليبراليي الصهيونية المتأخرة. وبطبيعة الحال، أول رئيس وزراء لإسرائيل أوثق علاقة بالتجربة المكونة إسرائيل، تجربة التوسع والتطهير العرقي. هذا كي نقول إن سبب عدم وجود دستور، وحدود، هو تكوين إسرائيل وقيامها على حساب شعب آخر، أي لأنها حيال الفلسطينيين، والعرب، غير قابلة للدسترة. كدولة لليهود، إسرائيل لا تستطيع أن تقوم على وطنية دستورية، يقوم ولاء سكانها لها على الدستور والمؤسسات والقوانين، لا على العرق والإثنية والدين. هذا تكويني، وليس شيئاً حدث بفعل مقاومات الفلسطينيين أو رفض العرب لعقود الاعتراف بشرعية إسرائيل.
كان أول رئيس وزراء لإسرائيل، ومعه الميليشيات اليهودية، ثم الجيش الإسرائيلي الذي تكون منها «منشغلين بتحويل أكثرية أهل البلد من الفلسطينيين إلى أقلية عبر الترهيب والطرد العنيف» حسب المؤلف. الجينوسايد هو المنهج الجذري لتحويل الأكثرية إلى أقلية، يتحقق حين تواتي الظروف. وإسرائيل لا تكف عن خلق الظروف لذلك، يحميها من أخطائه وجرائمها عمقها الاستراتيجي والدبلوماسي الأمريكي والألماني والغربي.
بنيامين نتنياهو الذي اعترض على اتفاق أوسلو لأنه يقوم على فكرة حل سياسي [ولو غير عادل إلى أقصى حد] للمسألة الفلسطينية، بينما يعتقد هو أن الأمر يتعلق بأزمة يمكن لإسرائيل وبمعونة الأمريكيين إدارتها، ينتمي إلى عالم أقرب إلى عالم بن غوريون الذي أسف في أيامه على أن إسرائيل لم تستطع تهجير الفلسطينيين كلهم (شاركه الأسف بعد عقود، بني موريس، أول المؤرخين الجدد، وأول الناكصين عما رآه هو نفسه من قيام إسرائيل على التطهير العرقي). نتنياهو القادم من جذور ليكودية هو استمرار بهذا المعنى لبن غوريون العمالي، وليس على قطيعة معه.
حتى متى تستطيع إسرائيل الاستمرار كدولة تسلطية عنصرية؟ يتساءل بارتوف. وهو يقدر أن إسرائيل يمكن أن تستمر هكذا لعشرين أو ثلاثين عاماً، لكنها لا تقبل الحياة على المدى الطويل. ستصير دولة منبوذة، معزولة باطراد عن حلفائها وعن الدياسبورا اليهودية. ويتوقع المؤلف أن نظام الأبارتهايد [الفصل العنصري] الإسرائيلي سينهار مثلما حدث في جنوب أفريقيا. وبينما ستبقى وصمة الجينوسايد في غزة في المجتمع الإسرائيلي لعقود، فإن هذا المجتمع الإسرائيلي في حاجة قصوى إلى علاج بالصدمة، يمكن أن يأخذ واحداً من شكلين، إما كارثة عسكرية يرجو ألا تقع يوماً، أو ضغط خارجي هائل.
التجربة المؤسسة لنشوء الكيان الإسرائيلي، وهي تطهير عرقي استعماري، تحقق بالسلاح والتنظيم المتفوقين، وأفضى إلى طرد ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني
الكارثة العسكرية مستبعدة، فإسرائيل قوة نووية، وهناك التزام أمريكي وغربي بالغ القوة بأمنها وتفوقها العسكري. وهو ما يرجح كذلك استبعاد الضغط الخارجي المؤثر.
على أن هذه المناقشة التي تجد تفسيرات بارتوف للإبادة الجارية أقل إقناعاً، تسجل له تصاعداً في موقفه النقدي من إسرائيل وإصراره على الجينوسايد كتشخيص للممارسات الإسرائيلية. أشرنا إلى تحول موقفه في مقالة سابقة هنا. وفي أحدث مقالة له، نشرت في نيويورك تايمز قبل يومين يرى بارتوف أننا ندخل عصراً مرعباً إثر جينوسايد غزة. فبينما كان ينتهي الجينوسايد بإنجاز مرتكبيه لمهمتهم دون عواقب (إبادة المستعمرين الألمان لشعبي الهيريرو والناما في ناميبيا عام 2004، الإبادة الأرمنية عام 2015)، أو سقوط المرتكبين ومحاسبتهم بقدر ما (الهولوكوست النازي، الإبادة الكمبودية على يد الخمير الحمر، وإبادة التوتسي في رواندا)، هذه المرة يحدث الجينوسايد، وتبيع إسرائيل عام 2024 أسلحة جربت في غزة بأكثر من 19 مليار دولار، وتعمل إدارة ترامب على تحويل غزة إلى استثمار سياحي عالمي تحرسه قوات دولية، ويصير فلسطينيو القطاع أقناناً في أرضهم، بينما تحتفظ إسرائيل بسيطرتها على مناطق منه وتبني فيها مستوطنات جديدة. والدرس الذي يتعلمه آخرون هو أنه يمكن فعل شيء مماثل دون عواقب. هذه هو عالم ما بعد غزة المخيف.
يبقى أن كاتباً عربياً يتناول كتاب بارتوف لا يستطيع الاكتفاء بعرض أفكاره ونقدها، مثلما قد يفعل غيره. بارتوف في موقع نقدي تجاه مجتمعه وعقيدته ووعيه الذاتي، وأقل ما يلزم هو أن يشغل أمثالنا موقعاً مقارباً حيال مجتمعاتنا لموقعه حيال مجتمعه الإسرائيلي. وما يضفي أهمية خاصة على هذا الواجب هو أنه من موقعنا يمكن التفكير في شيء ثالث، غير إلحاق هزيمة كارثية بإسرائيل تتجاوز قدراتنا، وغير ضغط خارجي هائل فرصنا محدودة للدفع باتجاهه. هذا الشيء الثالث هو أوضاع عاقلة وأكثر إنسانية في البلدان العربية أو بعضها. ليس فقط لأن هذا هو التطلع البديهي لحياة تعاش لمئات ملايين الناس، وإنما كذلك لأن من شأن حياة أكرم لدينا أن تشجع يهوداً من أصول عربية، وربما غيرهم، على العودة إلى مواطنهم الأصلية، وتوفر خياراً إضافياً للجميع يحررهم من الغيتو الإسرائيلي. ولكان ذلك وسع من حرية الباحثين غير العرب الذين لا يجدون، مهما يكونون جذريين حيال إسرائيل، ما يُستند إليه في جهة العرب لتزكية خيارات سياسية وحقوقية ذات صدقية. العرب إما ضحايا أو تابعون فيما يكتب عن قضية فلسطين في الغرب، وفي الحالين ليسوا حلاً أو مصدراً لحل.
لكن ما ينبغي قوله للنفس هو أنه في مواجهة إسرائيل ليست مشكلتنا، العرب، أننا بلا قوة، بل أننا بلا قصة بالأحرى. ليس أننا ضعفاء عسكرياً في مواجهة قوة مسلحة متمرسة بالحرب، بل في أننا بلا معنى تقريباً، لا نكاد نضيف إلى عالم اليوم شيئاً على مستوى القيم والأفكار والأخلاقيات والرموز والحقوق والمؤسسات. فإذا كانت إسرائيل وحُماتها ما يتكفلون ببقاء قوتنا محدودة، فليسوا هم ما يتركوننا بلا قصة تُروى أو معنى يُلهِم. المواجهة في هذا الشأن مواجهة مع النفس لا مع أي كان غيرها.
كاتب سوري