الجراح البريطاني-الفلسطيني غسان أبو ستة يواصل معالجة ضحايا حروب إسرائيل ويواجه حملة من اللوبي المؤيد لها لإسقاطه


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “ذي أوبزيرفر” تقريرا أعده أوليفر مارسدن قال فيه إن الجراح البريطاني-الفلسطيني غسان أبو ستة يواصل عمله في معالجة ضحايا الحروب الإسرائيلية بالمنطقة ويواجه دعوى قضائية في المحكمة العليا البريطانية تتهمه بمنشورات تدعم الإرهاب ومعاداة السامية.

وفي مقابلة مع أبو ستة، 57 عاما، في مستشفى الجامعة الأمريكية ببيروت، حيث يترأس وحدة طب النزاعات بالجامعة ويعالج الأطفال ضحايا الحرب الجديدة في جنوب لبنان، شاهدته الصحيفة وهو يمر على الضحايا ويضمد جراحهم ويتابع نتائج صور الأشعة ويقدم الطمأنينة للأطفال ويعطي طلاب الطب الدروس في الجولات اليومية، وعندما لا يكون في العنابر، تجده في غرف العمليات.

أبو ستة: “المشكلة تكمن في أنه على الرغم من توفيرنا للدعم النفسي، فإن الأطفال يعانون من صدمة نفسية شديدة لدرجة أن قدرتهم على تحمل الألم قد تغيرت تماما، فكل شيء يؤلمهم”.

وقال أبو ستة للصحيفة: “المشكلة تكمن في أنه على الرغم من توفيرنا للدعم النفسي، فإن الأطفال يعانون من صدمة نفسية شديدة لدرجة أن قدرتهم على تحمل الألم قد تغيرت تماما، فكل شيء يؤلمهم”.

وتضيف أن أبو ستة يواجه معركة مفتوحة للحفاظ على مصداقيته المهنية، إذ ستؤدي اتهامات معاداة السامية إلى مثوله أمام المحكمة العليا البريطانية العام المقبل، وذلك بعدما استهدفته المجموعة المعروفة باسم “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل” وقدمت ملفا عنه للمجلس الطبي العام في بريطانيا عام 2023. وسلطت الضوء على مقال نشر في إحدى الصحف عام 2018 ومنشورات أعيد نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، وصف فيها “العنف الثوري” الفلسطيني ووصف المقاتلين الفلسطينيين القتلى بـ”الشهداء”.

وفي المقال المنشور في صحيفة “الأخبار” اللبنانية، وصف أبو ستة أحمد جرار، وهو شاب فلسطيني يعتقد أنه عضو في حركة حماس ويشتبه في قتله الحاخام رازيل شيفاخ، وهو حاخام إسرائيلي، بأنه “بطل”.

ويجادل محامو أبو ستة بأن الجراح لم يكن على علم بقتل جرار للحاخام، وأن المقال كان يهدف إلى إدانة ما اعتبره أبو ستة إعداما فوريا وخارج نطاق القانون لجرار نفسه، وليس “تأييدا للجريمة”. وكتب: “لم يبقَ للشعب سلاح سوى العنف الثوري”. كما أعاد أبو ستة نشر تغريدة جاء فيها: “نهنئ إخواننا في حماس ورفاقنا في الجبهة الشعبية بمناسبة ذكرى تأسيسهما”.

وادعى من استهدفوه أن هذه التعليقات تعد دعما للإرهاب ومعاداة للسامية. إلا أن لجنة الممارسين الطبيين خلصت في كانون الثاني/يناير إلى عدم إمكانية إثبات هذه الادعاءات. وبعد الاستماع إلى شهادات الخبراء في اللغة العربية والخطاب السياسي الفلسطيني وسياق المنشورات، لم تجد اللجنة أي أساس لسوء السلوك، وسمحت لأبو ستة بمواصلة ممارسة مهنته.

لكن مجموعة “محامون بريطانيون من أجل إسرائيل” رفضت النتيجة وقدمت شكوى إلى “سلطة المعايير المهنية”، وزعمت أنه لم يتم النظر في الأدلة ذات العلاقة. وفي خطوة غير مسبوقة، انضمت سلطة المعايير المهنية إلى المجلس الطبي العام للطعن في قرار تبرئة أبو ستة.

في تقرير صدر في شباط/فبراير، اعترفت لجنة تابعة للمجلس الطبي العام بأن أبو ستة قد كرس حياته المهنية للعمل في مجال الطب الإنساني

وفي تقرير صدر في شباط/فبراير، اعترفت لجنة تابعة للمجلس الطبي العام بأن أبو ستة قد كرس حياته المهنية للعمل في مجال الطب الإنساني. إلا أنها أشارت إلى أن المقال الصحافي ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي “تبدو، موضوعيا، داعمة للعنف والإرهاب، ولمنظمة مصنفة”. وفي المحكمة العليا في كانون الثاني/يناير، سيجادلون بأن الحكم الأصلي بتبرئة أبو ستة لم يحقق الحماية اللازمة للجمهور.

ويعتقد أبو ستة أنه استهدف بعد مشاركته أدلة على جرائم حرب إسرائيلية مزعومة في غزة مع المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. وقد وضعت القضية عند مفترق طرق الطب والقانون والسياسة العالمية، وهو ما يثير جدلا واسعا في الأوساط الطبية منذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر.

وقالت الصحيفة إن أبو ستة يعالج الأطفال حول العالم منذ 40 عاما، وقام بأول رحلة له إلى غزة كطالب طب خلال الانتفاضة الأولى عام 1989، ثم عاد إلى القطاع لتقديم المساعدة الطبية خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000.

ومنذ ذلك الحين، قام بثلاث رحلات أخرى إلى غزة، وعمل في مناطق النزاع في لبنان واليمن وسوريا، بالإضافة إلى بعثات لعلاج “الشفة الأرنبية” وتشوهات الوجه في الهند والإكوادور وفيتنام.

ويعتقد أن الصدمة النفسية تغير أكثر من مجرد تغير في العقل. ويقول: “هناك أدلة على أن مستقبلات الألم تصبح أكثر حساسية بعد الصدمة، وهذا قد يؤدي لاحقا في الحياة إلى الاعتماد على الأدوية المخدرة”. و”أنت لا تجري عملية جراحية لهذا الطفل فحسب، بل تجري عملية جراحية للأطفال الذين يكبرون بعد ذلك”.

ومع بدء إسرائيل عدوانها على غزة عقب هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر التي نفذتها حماس عام 2023، سارع أبو ستة بالعودة إلى القطاع الذي مزقته الحرب.

ودخل إلى قطاع غزة من مصر في 9 تشرين الأول/أكتوبر، وهو اليوم الذي توعد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، برد من شأنه أن “يغير وجه الشرق الأوسط”.

وعمل الجراح على مدى الأيام الـ43 التالية بين مستشفيي الشفاء والأهلي في مدينة غزة، بينما كانت الغارات الجوية الإسرائيلية تقصف المنطقة وتتناقص الإمدادات. وتحدث بصراحة عن الأهوال التي شهدها، حيث كانت أجنحة المستشفيات مكتظة بالقتلى والجرحى.

وفي إحدى المرات، اضطر إلى استئصال شظايا وأنسجة ملتهبة من فتاة مصابة بدون تخدير.

وقال متنهدا: “صرخت، بينما كان والدها يبكي ويحتضنها، تمنيت الموت وأن يتوقف كل شيء ولو كنت في مكان آخر”، و”حينها فكرت: ‘لقد بدأت بتعذيب الأطفال’”.

وقد تحول المستشفيان إلى محور حملة دعائية شرسة في الأسابيع الأولى من الحرب. ولا تزال المزاعم الإسرائيلية بأن مقاتلي حماس يستخدمون مستشفيات غزة كمراكز قيادة، والمرضى كدروع بشرية، محل جدل حاد. تبادل الطرفان الاتهامات عندما قتل صاروخ عشرات المدنيين الذين كانوا يحتمون في موقف سيارات مستشفى الأهلي. وعلى الرغم من كل ذلك، واصل أبو ستة وزملاؤه العمل تحت الحصار.

وقال: “أتعرف ذلك الشعور عندما تكون في البحر، وتأتي موجة، فتفقد توازنك، وتغمرك الموجة، وعندما تغمرك المياه تماما، ولا تستطيع…” ثم انقطع صوته.

أبو ستة: كنت أنام في غرفة العمليات، كنت أنظف إحدى عربات العمليات وأنام عليها، ثم أجري العملية، ثم أنام في الثانية صباحا، ولم يكن العمل ينتهي أبدا. كنت أجري 12 عملية جراحية يوميا، لكن لا يزال هناك 150 مريضا ينتظرون

وتابع قائلا: “كنت أنام في غرفة العمليات، كنت أنظف إحدى عربات العمليات وأنام عليها، ثم أجري العملية، ثم أنام في الثانية صباحا”، و”لم يكن العمل ينتهي أبدا. كنت أجري 12 عملية جراحية يوميا، لكن لا يزال هناك 150 مريضا ينتظرون. وكان علي الاستمرار في إجراء العمليات. لذلك كنت أشعر وكأنني أنهكت تماما”.

وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى مقتل ما لا يقل عن 20,179 طفلا في غزة وإصابة أكثر من 44,143 آخرين منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر. وفي لبنان، قتل ما لا يقل عن 257 طفلا جراء غارات إسرائيلية، وأُصيب 1,036 آخرون منذ استئناف إسرائيل وحزب الله الحرب في 2 آذار/مارس، وفقا لوزارة الصحة اللبنانية.

ومنذ مغادرته غزة، شن أبو ستة حملة ضد ما وصفه بـ”جرائم حرب” إسرائيلية، وندد بالهجوم ووصفه بـ”الإبادة الجماعية”، التي لم يشهد مثلها من قبل. وقد روى تجربته في الفيلم الوثائقي “حالة من العاطفة الشديدة” الذي بث عام 2024، حيث قدم شهادة مباشرة لوحدة جرائم الحرب التابعة لشرطة العاصمة وقدم أدلة إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ويعتقد أبو ستة أن الأدلة التي قدمها عام 2024 لكل من المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، قد جعلته هدفا للمساءلة.

قال: “أدليت بشهادتي، وأعتقد أن شهادتي كانت جزءا من القضية المرفوعة ضد [وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف] غالانت ونتنياهو”. وأضاف: “أعتقد أن سبب استهدافي هو أن جميع قضاة [المحكمة الجنائية الدولية] الذين وقعوا على أوامر الاعتقال قد أُدرجوا الآن على قائمة العقوبات [الأمريكية]”. وتابع: “إنهم يستهدفون قضاة المحكمة الجنائية الدولية، ويستهدفون تنظيم الدولة الإسلامية، هذا هو العالم الكئيب الذي صنعه الأمريكيون”.

وتتابع الصحيفة أن أبو ستة حظي برسائل دعم من مختلف أوساط المجتمع الطبي. لكنه قال إن القضية المرفوعة ضده، مثل الحملة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل لتشويه سمعة المحكمة الجنائية الدولية، ترسخ “سابقة خطيرة”، حيث يحاول المدعون عليه تقويض المحاكم الطبية “للحصول على النتيجة السياسية المرجوة” وإسقاطه.

وفي مستشفى الجامعة الأمريكية، كانت عيادته مكتظة بالمرضى أثناء حديثه مع صحيفة “ذي أوبزرفر”، حيث كان الأطفال الجرحى يتدفقون باستمرار إلى غرفة الفحص. ومن بينهم، عبد العزيز، البالغ من العمر 19 عاما، والذي دخل الغرفة بنفسه على كرسي كهربائي متحرك، متنقلا بمهارة بين المكاتب والكراسي. وأصيب عبد العزيز بشلل نصفي سفلي جراء غارة جوية إسرائيلية على غزة قبل عامين، بعد أن حطمت شظايا عموده الفقري. لم تعد هناك مرافق طبية متاحة لعلاجه داخل القطاع المحاصر، لكنه كان من بين المحظوظين الذين سمح لهم بالإجلاء الطبي.

رفعه أبو ستة على سرير وبدأ بتضميد قرح الفراش التي ظهرت على وركيه نتيجة استلقائه على جانبه معظم الوقت. ثم وضع نترات الفضة على الجروح العميقة في ظهر عبد العزيز. وأوضح أن الأنسجة الرخوة المتضررة يجب أن تلتئم قبل أن يتمكن الجراحون من محاولة تقويم عموده الفقري.

وقال أبو ستة: “ما ترونه في هذه العيادة هو فكرة أنه يمكنكم تحديد أين ينتهي الجرح الجسدي وأين يبدأ الجرح النفسي، أين ينتهي الجرح النفسي وأين يبدأ الجرح الاجتماعي، ولكن عالمهم بأكمله قد دمر”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *