البطيخ الأحمر: أبعد من سعار إسرائيلي


منظمو بطولة التنس الدولية في ومبلدون حظروا على اللاعبة التركية زينب سونمز استخدام أيّ رمز يوحي بالتضامن مع الشعب الفلسطيني عموماً، وإدانة حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة خصوصاً. لكنهم وقعوا في ارتباك وبلبلة وعجز (ما يستحقّ بالفعل التوصيف الشائع، عن حال الحيص بيص!)، حين تابعت اللاعبة تقليد التضامن، ولكن عن طريق استخدام قطعة مشروعة لامتصاص الصدمات، توضع على المضرب؛ مع فارق حاسم: أنها تحمل صورة بطيخة حمراء، هذه التي باتت رمزاً لفلسطين ولألوان علمها: الأحمر والأخضر والأبيض والأسود.
الواقعة مثال جديد على واحد من أبرع أنساق التحايل البارع لإعلان العلم الفلسطيني، عبر ثمرة نباتية طبيعية أنيسة ولطيفة ومحبّبة؛ يحدث أنها، أيضاً، حمّالة سمات جمالية عالية، تتيح الكثير من التنويع في التوظيف الفني، والتشكيل البصري الصريح الواضح أو الضمني المراوغ، فكيف إذا توجهت براعةُ تسخيرها إلى السياسة، والهوية الوطنية الفلسطينية، ومراوغة الرقابات الإسرائيلية أو الغربية المناصرة لدولة الاحتلال.
لافت، إلى هذا، أنّ البطيخة الحمراء، لأسباب أخرى غير التي سلفت الإشارة إليها، تفوقت من حيث الانتشار والتوظيف (وبالتالي: إثارة سعار الغضب الإسرائيلي!) على سلسلة رموز أخرى أشدّ وضوحاً، وأكثر تعبيراً عن فلسطين وأرضها ورموزها وتراثاتها؛ كما في أمثلة قبّة الصخرة أو الكوفية أو مفتاح العودة أو شقائق النعمان أو شجرة الزيتون أو بيارة البرتقال… وكان امتداداً منتظَراً تماماً أن تتجلى بعض مظاهر ذلك السعار لدى رقابات أمريكية أو ألمانية أو بريطانية أو فرنسية، إلى درجة أنّ وزيرة داخلية بريطانية سابقة أوشكت أن تشدّ شعرها حنقاً إزاء طوفان تمثيلات البطيخ الأحمر في تظاهرات لندن الماراثونية.
وللتقليد هذا، إذا افترض المرء أنه لم يكتسب بعدُ وضعية العرف الراسخ، جذور تذهب في التاريخ إلى مراحل أقدم من حرب الإبادة ضدّ قطاع غزّة؛ وربما منذ إقدام سلطات الاحتلال على تجريم رفع العلم الفلسطيني علانية في الضفة الغربية وقطاع غزّة، بل وحظر معارض لفنانين تشكيليين فلسطينيين (سليمان منصور، نبيل عناني، عصام بدري…) لأنّ لوحاتهم تلتقط العلم الفلسطيني، أو حتى تستخدم… ألوانه الأربعة!ّ إلى هذا، كان يكفي أن يحمل شاب فلسطيني شريحة من البطيخ الأحمر، خلال تظاهرة أو اعتصام أو تجمّع عام، حتى تسارع سلطات الاحتلال إلى اعتقاله.
لكنّ واقعة ومبلدون تشير، أيضاً، إلى أنّ الرمزية الفلسطينية التي أخذت تستقر بقوّة في صورة البطيخ الأحمر وألوانه الأربعة، تتجاوز السعار الإسرائيلي المتوقع حيال كلّ وأيّ عنصر يسهم في تكوين الهوية الفلسطينية أو تثبيتها أو إحياء ركائزها الكبرى والتأسيسية. إنها، أيضاً، جزء مكمّل لسيرورات تحريم الفنون الفلسطينية في المهرجانات والمؤتمرات والمحافل الغربية، ونمط رقابي إضافي يتوازى أو حتى يتساوى مع الرقابات الإسرائيلية التي تُفرض هنا وهناك على أرض فلسطين التاريخية. ولم تعد سرّاً الحقائق التي تكشفت سريعاً حول إقدام السلطات العليا، التي تتحكم بوسائل التواصل الاجتماعي الغربية المختلفة، على حذف مشاهد لتظاهرات تضامن مع فلسطين ترتفع في صفوفها رايات البطيخة الحمراء.
الأمر الذي لم يحجب حقوق البطيخة الحمراء، وسلطة ألوانها الأربعة كما يتوجب القول، في هزيمة أدوات المنع والحظر والحجب والرقابة؛ وليست قطعة امتصاص الصدمات على مضرب اللاعبة التركية سونمز سوى حبل الصدق الأحدث عهداً، الذي يلتفّ على جنون العنصرية وغليل التعصب ولوثة الرهاب من الفلسطيني. كذلك فإنّ الشعبية المتعاظمة التي باتت سونمز تتمتع بها، في المواقع ذاتها التي كانت قلاعاً حصينة للنفوذ الصهيوني والإسرائيلي، ليست سوى الصفة الأحدث لعلوّ العلم الفلسطيني؛ شاء مَن شاء وأبى من أبى، كما كان يحلو للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أن يردد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *