نواكشوط-القدس العربي»: بعد قرون من مرافقة الشعر والغناء وتوثيق الذاكرة الشعبية، تعود آردين إلى الواجهة عبر مهرجانها السنوي، حاملةً معها قصة فنٍّ قاوم التهميش ونجح في استعادة مكانته بين الأجيال الجديدة.
في المساء الموريتاني، حين تهدأ حركة المدن وتستعيد الصحراء إيقاعها الأزلي، يخرج صوت مختلف من بين الأوتار. ليس مجرد لحن عابر، بل حكاية عمرها قرون، تختزن أشعار الفرسان، وأخبار القبائل، وأفراح الناس وأحزانهم. ذلك هو صوت آردين، الآلة الموسيقية التي لم تكتف بأن تكون أداة للعزف، بل تحولت إلى رمز ثقافي يختصر جانباً مهماً من هوية موريتانيا الفنية.
ومع انطلاق النسخة التاسعة من مهرجان آردين في نواكشوط، بالتزامن مع اليوم العالمي للموسيقى، عادت هذه الآلة العريقة إلى واجهة المشهد الثقافي، مؤكدة قدرتها على مقاومة النسيان في زمن تتسارع فيه التحولات الفنية والتقنية.
آلة نسائية نادرة في العالم
ما يمنح آردين خصوصيتها الاستثنائية أنها ارتبطت تاريخياً بالنساء، في ظاهرة نادرة داخل الثقافات الموسيقية التقليدية. ففي الوقت الذي ارتبطت فيه آلة التيدينيت بالرجال، ظلت آردين المجال الفني الأبرز للمرأة الموريتانية، التي لم تكن مجرد مؤدية للألحان، بل حافظة للذاكرة الجماعية وناقلة للتراث الشفهي عبر الأجيال. وقد منحت هذه الخصوصية للآلة مكانة فريدة داخل المجتمع، حيث تحولت العازفة إلى مؤرخة وفنانة وراوية في آن واحد، تنقل عبر الأوتار ما تحفظه الذاكرة من قصص ومآثر وأشعار.
هندسة موسيقية ولدت من روح الصحراء
لا تكمن جمالية آردين في صوتها فقط، بل في شكلها أيضاً. فالآلة التي تُصنع يدوياً من مواد محلية بسيطة، تجمع بين الخشب والجلد والقرع المجفف والأوتار، تبدو وكأنها قطعة فنية أكثر من كونها أداة موسيقية.
وعلى الرغم من بساطة مكوناتها، فإن صناعة آردين تتطلب خبرة متوارثة ودقة كبيرة، ما جعل كل آلة تحمل بصمة صانعها وشخصيتها الخاصة، تماماً كما تحمل كل قصيدة روح قائلها.
ذاكرة المجتمع
قبل أن تعرف المنطقة أجهزة التسجيل أو وسائل الإعلام الحديثة، كانت الموسيقى إحدى أهم وسائل حفظ التاريخ. وهنا لعبت آردين دوراً يتجاوز الفن إلى التوثيق.
فقد ارتبطت عبر قرون طويلة بتسجيل الأحداث الكبرى، وتخليد البطولات، وحفظ الأنساب، ونقل الأشعار، حتى أصبحت بمثابة أرشيف شفهي للمجتمع الموريتاني. ومن خلال الأغاني المصاحبة لها، انتقلت أخبار الناس وتجاربهم من جيل إلى آخر، في صورة فنية حافظت على جزء مهم من الذاكرة الوطنية.
ولم تسلم آردين من التحولات التي شهدها العالم الموسيقي خلال العقود الأخيرة. فمع انتشار الآلات الإلكترونية وتغير الأذواق الفنية وظهور أنماط موسيقية جديدة، تراجع حضور الآلات التقليدية عموماً، ومنها آردين.
كما أن تعلم العزف عليها ظل يعتمد على التلقين الشفهي داخل الأسر الفنية، دون وجود مؤسسات أكاديمية متخصصة أو مناهج مكتوبة، ما جعل انتقال المعرفة أكثر صعوبة في ظل تغير أنماط الحياة.
غير أن هذا التراجع لم يكن نهاية الحكاية؛ فخلال السنوات الأخيرة ظهرت مبادرات متعددة لإحياء هذا التراث، كان أبرزها مهرجان آردين الذي تحول إلى منصة سنوية تجمع العازفات والباحثين والمهتمين بالموسيقى التقليدية.
مهرجان يعيد الاعتبار للوتر القديم
لم يعد مهرجان آردين مجرد مناسبة فنية، بل أصبح مشروعاً ثقافياً متكاملاً يسعى إلى إعادة ربط الأجيال الجديدة بجذورها الموسيقية.
وتسعى النسخة الحالية إلى تحقيق هذا الهدف من خلال مسابقات للمواهب الشابة، وعروض فنية متنوعة، وورشات للأطفال، وندوات علمية متخصصة، إضافة إلى قرية ثقافية تعرف الزوار بتاريخ الآلات الموسيقية التقليدية.
كما تعمل الجهات المنظمة على دعم صناعة الآلة محلياً، وإنشاء فضاءات ثقافية ومتاحف متخصصة، وإطلاق منصات رقمية تتيح للجمهور التعرف على تاريخ آردين وطرق العزف عليها ومشاهدة نماذج من أدائها.
ربما تكمن المفارقة الجميلة في أن آلة ولدت في بيئة صحراوية بسيطة، وأمضت قروناً داخل المجالس التقليدية والخيام، تجد نفسها اليوم حاضرة على المنصات الرقمية والشاشات الحديثة.
إنها رحلة انتقال من الذاكرة الشفوية إلى الأرشفة الرقمية، ومن المحيط المحلي إلى الفضاء العالمي، دون أن تفقد روحها الأصلية أو علاقتها العميقة بالمجتمع الذي أنجبها.
آردين حارس الهوية
في عالم تتشابه فيه الأصوات وتتقارب الأنماط الفنية، تظل آردين واحدة من العلامات الفارقة في الشخصية الثقافية الموريتانية. فهي ليست مجرد آلة موسيقية تقاوم الزمن، بل رمز حي لقدرة التراث على التجدد والاستمرار.
ولعل القيمة الحقيقية للمهرجان لا تكمن فقط في الاحتفاء بآلة عريقة، بل في تأكيد أن الثقافة ليست ماضياً يُحفظ في المتاحف، وإنما ذاكرة حية تُعزف من جديد كلما امتدت يد إلى وتر، وكلما آمنت أجيال جديدة بأن بعض الأصوات القديمة ما زالت قادرة على صناعة المستقبل.
وفي ليالي مهرجان آردين، بدت نواكشوط وكأنها تخلع عن كتفيها عباءة الإرهاق والازدحام، وتستعيد شيئاً من روحها الأولى.
فجاءت أوتار آردين العريقة تنساب في الهواء الدافئ كنسيم صحراوي عابر، فتوقظ في القلوب ذكريات بعيدة، وتفتح نوافذ الحنين على زمن كانت فيه الحكايات تُروى غناءً، والأفراح تُقاس بصدق الطرب لا بصخب الحياة.
ومع كل نغمة تنبعث من آردين، كانت الوجوه تسترخي، وتبتسم العيون، وتتمايل الأجساد على إيقاع موسيقى تحمل عبق الماضي ودفء الأمكنة القديمة.
ولعدة أمسيات، تحولت العاصمة إلى فضاء واسع للمحبة والفرح، حيث اجتمع الكبار والصغار حول تراثهم المشترك، وغسلت الألحان عن النفوس شيئاً من غبار الهموم اليومية، ومنحت سكان المدينة فرصة نادرة للتصالح مع ذاكرتهم ومع أنفسهم في آن واحد.