البحث عن كود لفك شفرة المجتمع الكندي


مثلما أكد نور الشريف أن نظرة الفنان تختلف عن نظرة الشخص العادي حيث يلتقط الأول تفاصيل تبدو للآخرين عادية لكنها بالنسبة له مختلفة كثيرًا، يرى الكاتب حسام مقبل، في كتابه «حكايات من بلاد القيقب..حواديت كندية»، أن الصحفي كذلك تختلف رؤيته للأشياء عن رؤية الآخرين، ودائمًا ما يكون له تفسسيره الخاص، عاقدًا مقارنات بين ما يراه وعشرات الأشياء الأخرى في عقله، فمشهد البحر الرائع، مثلًا، الذي يستمتع به الناس في كل مدينة ساحلية حين يقف أمامه الصحفي لا يرى البحر فقط، بل يراقب حركة الناس على الشاطئ وقد يلفت نظره طائر يُحلّق أو شيء بسيط على الرمال، ومنه يبدأ حكايته ويسرد قصته الصحفية. مقبل يشير هنا إلى أن شخصية الصحفي تملكته ولا يستطيع التخلص منها أبدًا، سواء أكان في راحة أو في رحلة لا علاقة لها بالعمل الصحفي، ودائمًا ما تعمل قرون الاستشعار بلا توقف في كل وقت وكل مكان، نافيًا عنه المبالغة حين يقول إنها تصاحبه حتى في أحلامه، ذاكرًا أنه هكذا رأى الأماكن والأشخاص في كندا، حيث الروتين اليومي الذي يعيشه الناس هناك على مدار العام ليس روتينًا بالنسبة له على الإطلاق، ودائمًا ما كان يدون كل ما تراه عيناه، حتى وصلنا عبر صفحات هذا الكتاب الذي يعتبر من الكتب التي تهتم بأدب الرحلات، وهي كتب تمتاز بأنها تنقل لقارئها ما لم يشاهده حقيقة، وتجعله يعيش أحداثًا ربما لن يتمكن أبدًا من معايشتها أو حتى رؤيتها على مسرح الواقع.

فكرة الهجرة

مقبل الذي ظلت فكرة الهجرة تلح عليه دائمًا وخطط لها كثيرًا لأنه بطبعه محب للتغيير، غير أنه لم يفلح في تنفيذها لسنوات طويلة لأسباب عديدة، ورغم أن فكرة السفر، أو الهجرة، كانت تتأجل عامًا بعد عام، إلا أنه كان مشغولًا بفكرة الرحيل إلى عالم آخر مختلف يحمل ثقافات متعددة ووجوهًا جديدة، باحثًا عن مجتمع لا يسعى فيه إلى المال فقط، بل للحياة، مجتمع لا يعيش فيه في «ساقية» تدور طوال الشهرليحصل على ما يكفيه هو وأسرته، مجتمع يوفر له أسباب السعادة، يسوده العدل ولا مكان فيه للمحسوبيات أو الفساد، ولا يتدخل أفراده في شؤون غيرهم ولا يفرقون بين شخص وآخر إلا بالعمل والكفاءة وليس بالمظهر والمذهب، متسائلًا: هل كنت أبحث عن المدينة الفاضلة؟ نافيًا وجود المدينة الفاضلة على وجه الأرض، ولعله كان بحاجة إلى البحث عنها في كواكب أخرى، ذاكرًا أنه سافر خلال سنوات إلى بلدان كثيرة وشاهد فيها الكثير من التجارب المختلفة حتى ظلت فكرة السفر ترافقه طوال الوقت. هنا يخبرنا مقبل أن الحلم قد يتأخر تحقيقه لأكثر من عشرين عامًا، لكن ليس هناك شيء مستحيل أمام الإصرار، وها هو يحقق حلمه بالسفر وكانت كندا هي البلد الذي رسا عليه مزاد خياله وكندا ليست بالطبع المدينة الفاضلة ولن تكون، لكن ربما تكون هي الأقرب إلى ما تخيله وبحث عنه، ذاكرًا أنه من الطرائف التي لا ينساها أن نظارته قد كُسرت نصفين وهو في مطار كازبلانكا، وقتها فكر للحظة: هل هو فأل سيئ؟ غير أنه تراجع على الفور وتذكر مبدأه بعدم ربط المصادفات بالخير والشر، وقد أكمل رحلته وهو لا يرى بشكل جيد، وحينما وصل إلى مطار مونتريال كان يرى ضابطة الجوازات بشكل مهزوز بعد إرهاق الرحلة، وكانت تسأله وهو يجيب لكنه لا يعرف حتى الآن ماذا قال لها في الحقيقة. ما إن وصل مقبل إلى كندا لم ترَ عيناه إلا مساحات خضراء ممتدة، ليس هناك شارع بلا أشجار، وأمام كل منزل حديقة صغيرة تحيط به، عرف بعدها أن كندا تمر على مدار العام بثلاثة ألوان: الأخضر لون الصيف المبهج، ثم يتحول تدريجيًّا مع بداية الخريف إلى الأصفر والأحمر قبل أن تتساقط الأوراق تمامًا ليأتي اللون الثاني وهو الرمادي حيث تتخلى الأشجار عن أوراقها وتصبح عارية في مشهد له مهابة خاصة، فيما يأتي اللون الثالث وهو الأبيض معلنًا عن فصل الشتاء الذي تصبح فيه كندا بيضاء تمامًا من كثرة الثلوج، مشيرًا إلى أنه سأل نفسه في بداية تعرفه إلى المجتمع الكندي بتفاصيله المختلفة: هل هو مجتمع يمكنني أن أقضي فيه بقية عمري أم أن الزيارة تكفي وبعدها أعود إلى بلدي؟

حجم المغامرة

حسام مقبل الذي قضى أسبوعًا ليستوعب حجم المغامرة والنقلة الكبيرة التي قام بها من مدينته الإسكندرية إلى كندا، يخبرنا أنه يعشق المغامرات ويحب التغيير والدخول في تحديات جديدة، لكن في هذه المرة كان الأمر مختلفًا حيث نُقل نقلة كمية ونوعية إلى عالم غريب مليء بالتنوع والاختلافات ورغم ذلك يعيش الجميع فيه بسلام، واكتسب هناك خبرات جديدة ومتنوعة في فترة قصيرة خاصة وأن طبيعة الحياة والبشر مختلفة، ذاكرًا أنه اكتشف أن هناك كودًا لفك شفرة المجتمع الكندي من يفهمه يستطيع العيش بسهولة وسعادة، ومن يجهله يعاني كثيرًا، الأمر يشبه العثور على ماكينة أو حاسوب معقد تظل تبحث عن الكود الذي يجعله طائعًا لك، معتقدًا أن من يظل متمسكًا بأكواد مجتمعه القديم يعيش في عزلة ولا يتكيف مع الجديد ويظل حائرًا بين ثقافته الأصلية وطريقة الحياة الجديدة. ما يذكره كذلك مقبل أن عبارة الإمام محمد عبده الشهيرة «وجدت هناك إسلامًا بلا مسلمين، ووجدت هنا مسلمين بلا إسلام» ستظل هي ملخص القول في الحياة بكندا مثلها مثل أمريكا وأوروبا، مشيرًا إلى أن المساجد والكنائس هناك كثيرة جدًّا وتشتهر مدينة مونتريال بأنها مدينة المائة كنيسة، والجميع يمارسون طقوسهم في حرية ما داموا لا يتدخلون في حرية الآخرين، فهناك قانون صارم يتيح الحرية بكل ما تعني الكلمة ويطبقها ويسمح لكل فئة أن تمارس عقائدها وشعائرها وإقامة كنائس ومساجد أو معابد بكل سهولة، وأن هناك تحيزًا كبيرًا للغة الفرنسية بمقاطعة كيبك باعتبارها المقاطعة الفرنسية بكندا ومن لا يتحدث فيها الفرنسية يُنظر إليه نظرة شك حيث يأخذ هذا بُعدًا تاريخيًّا بسبب الصراع بين إنجلترا وفرنسا على مقاطعات كندا المختلفة، وأن الكلمات تعجز عن وصف الجمال في منطقة لورينشانز التي وصفتها مجلة ناشيونال جيوجرافيك بأنها أجمل مكان في العالم وتحتل مساحة كبيرة في ولاية كيبك بكندا. وهكذا يكتب حسام مقبل هنا عن تجربة سفره وإقامته في كندا، متحدثًأ وواصفًا الناس والأماكن وطبيعة المجتمع وسلوكياته، مشيرًا إلى تفاصيل كثيرة يقابلها المغترب داخل المجتمع الكندي إن أدركها واستوعبها سهلت عليه إقامته فيها، وجعلته ينخرط بسرعة كبيرة داخل نسيج المجتمع كأنه مواطن كندي ولد على أرضها.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *