خلال فرز الأصوات في الانتخابات المحلية الفلسطينية في أبريل الماضي (أ.ف.ب)
رام الله – «القدس العربي»: يرفض المواطن الفلسطيني جاد قدومي صفة ناشط سياسي عند حديثنا معه حول الأسباب التي دفعته إلى الكتابة ودعوة المواطنين إلى التسجيل والمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة. يؤكد قدومي أنه «مواطن يطالب بحقه، وما يفعله هو واجب كل مواطن فلسطيني إزاء حق من حقوقه».
يقول الناشط قدومي: «ما يُرسم لنا اليوم هو حياتنا اليوم ومستقبلاً، وبالتالي علينا المساهمة فيها مهما كان السبب، وما أعلنته لا أريد شكراً عليه أو إشارة إعجاب، أنا أقوم بما يمليه عليّ فهمي لمواطنتي».
ونشر قدومي بوستاً على صفحته الخاصة على فيسبوك قال فيه: «أنا حدّثت بياناتي في السجل الانتخابي، وما تخلوا العقبة اللي اخترعوها تمنعكم من تحديث بياناتكم (يقصد الشرط الإقصائي)». وتابع في منشوره القصير: «الحكي لمن لا يريدون الانتخاب، حدّثوا بياناتكم ووقت الانتخابات بتقرروا تنتخبوا أو لا.. اعملوا اللي عليكم.. واللي شايف مشاركته اعتراف فُرِض عليه، عادي شاركوا وانتخبوا اللي بتشوفوه مناسب.. وبعد أربع سنين بنعمل انتخابات وبنطالب المجلس التشريعي يسن قانوناً حول من يعترف بالتزامات «منظمة التحرير» ممنوع يشارك.. إنها مسألة سهلة.. وهكذا.. المهم روحوا سجلوا وحدّثوا وترشحوا».
وتابع في حديث لـ«القدس العربي» أنه تلقى من مواطنين كثر طلبات للحصول على رابط التسجيل، في إشارة إلى أنهم اقتنعوا بوجهة نظره التي أعلن عنها بوضوح.
وشدد على أن دعوته البسيطة تأتي في ظل «غياب أي جهة توجه الناس وتطالبهم بالعمل على التسجيل وتشجعهم على التصويت، وهو أمر مهم رغم صعوبة الوضع الذي تمر به الضفة الغربية». وقال إن من يمتلك حرية الحركة داخلياً في الضفة هم جماعة السلطة وحركة «فتح»، أما الأطراف المعارضة فهي تغيب، وكذلك بقية الأحزاب الكبيرة، وهو أمر يتكرس في ظل حالة الخوف من أي تحرك، فالبلد يحكمه لون سياسي واحد فقط، وتغيب السياسة فيه».
وقال قدومي إن الواقع يقول إنه ليس هناك أي مدخل للتغيير إلا من خلال التسجيل والمشاركة، «حتى لو كان الأمل ضئيلاً، وحتى لو كنا غير مقتنعين بالانتخابات، وحتى لو أُلغيت الانتخابات، فالمطلوب من المواطنين التسجيل في هذه المرحلة».
نسبة التسجيل في الضفة
وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية الخميس أنها نجحت في رفع نسبة المسجلين للانتخابات التشريعية إلى 87.2%، وذلك بعد إضافة أكثر من 32 ألف ناخب جديد إلى سجل الناخبين، ليصبح عدد المسجلين في محافظات الضفة الغربية أكثر من مليون وستمائة وعشرين ألف ناخب وناخبة، وهي نسبة مرتفعة جداً بالمقاييس المحلية والدولية.
وأكدت اللجنة في بيان صحافي وصلت «القدس العربي» نسخة منه أن الأرقام المعلنة تخص سجل الناخبين في محافظات الضفة الغربية، ولا تشمل المواطنين في قطاع غزة وحملة الهوية المقدسية، إذ إن حقهم في المشاركة في الانتخابات محفوظ دون الحاجة إلى التسجيل.
نسبة المسجلين للانتخابات في الضفة 87,2%
وأوضحت اللجنة أن حوالي 410 آلاف مواطن ومواطنة استعلموا عن تسجيلهم إلكترونياً خلال فترة التسجيل، ما يعكس اهتماماً بالغاً من المواطنين بالتأكد من تسجيلهم.
يُذكر أن تاريخ السبت الموافق 15 آب/ أغسطس دشن مرحلة التسجيل الميداني للانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، على أن يُفتح باب الترشح في 26 أيلول/ سبتمبر، ويُغلق في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وتبدأ الدعاية الانتخابية في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر.
وفي حال اكتملت العملية في موعدها، فستكون أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ عشرين عاماً تقريباً.
يتابع قدومي حديثه لـ«القدس العربي»: «بعد التسجيل، وفي حال انتهكوا حقنا عبر قرار الإلغاء، وهو أمر متوقع منهم، فإننا سنسجل عليهم نقطة ونكسب الرهان».
يُذكر أن الفلسطينيين يدخلون الاستحقاق الانتخابي في ظل تراجع واضح لشعبية القوتين الرئيسيتين، «فتح» و»حماس»، حسب ما أظهر أحدث استطلاع للرأي العام، ووسط احتمال تأجيل الانتخابات والأزمات السياسية والاقتصادية المتصاعدة، غير أن الناشط قدومي يرى الأمر عبارة عن «لحظة مهمة للإصلاح والتغيير السلمي».
ويشدد: «قد أكون داخلياً غير مقتنع بكل ما يجري، والواقع لا يلبي الطموح، لكن مدخلي في هذه المسألة هو قاعدة «لعل وعسى» أن يحمل هذا الأمر خيراً للفلسطينيين».
ويصف قدومي الفكرة التي يدعو إليها أنها «تحايل إيجابي، نريد حياة ديمقراطية، والشرط الإقصائي يمكن أن نطالب النواب المنتخبين بإلغائه، وهذا ممكن جداً».
وشارك قدومي في الانتخابات التشريعية والرئاسية عامي 2005 و2006، وهو كذلك كان متحمساً للانتخابات عام 2021، لكنه صُدم من قرار الإلغاء، ويرى أن احتمالات التأجيل واردة في حال كانت هناك توقعات بخسارة من يمسك بزمام السلطة اليوم.
وأضاف: «الوقائع اليوم أكثر صعوبة، وقد تكون القدس حجة الإلغاء على سبيل المثال. نتوقع منهم كل شيء، لكن في المقابل، فيما لو حدثت الانتخابات، فإننا سنكون أمام نواب منتخبين، والمواطن غالباً ما تكون بوصلته صحيحة، وهو ما يجب الرهان عليه، البلد بحاجة إلى «تنفيسة»، مساحة تفريغ، وهي أرضية بسيطة وجزئية للتغيير، وهذا مهم».
تكرار لـ2021؟
أما الشاب أنس الأسطة، فلا يخشى من تكرار ما حصل عام 2021، وهو يرى أن الانتخابات «قائمة وقادمة برضا من يمسك بزمام السلطة اليوم أو من دون رضاه».
وشدد الأسطة في حديث خاص لـ«القدس العربي» على وجود احتمال بسيط لتأجيل الانتخابات، لكنه لن يصل إلى درجة الإلغاء كما حدث سابقاً. «في حال حصل التأجيل، وهو مستبعد، فإن ذلك سيكون منتصف عام 2027 وليس أكثر من ذلك».
وتابع الأسطة، الذي كان على رأس قائمة شبابية في الانتخابات التي أُلغيت عام 2021، حيث ضمت مجموعة كبيرة من الشباب الفلسطيني، وكان بمثابة أصغر مرشح عن عمر 31 عاماً، أنه سيكون جزءاً من قائمة مروان البرغوثي وقدورة فارس، وممثلاً لفئة الشباب فيها.
وأضاف: «كنت أريد تشكيل قائمة كما حدث في التجربة الماضية، ولكني عندما وجدت قائمة تمثلني وتتقاطع معي وتعبر عني وتسعى إلى إيصال صوت الشباب الفلسطيني، قررت الانخراط بها».
وتابع الأسطة بحماس: «قدورة مؤمن بالشباب، وهو قيادي مجرب بالنسبة لي، لقد اختبرت مواقفه الوطنية المختلفة، وتنازل عن المناصب في سبيل الموقف الوطني، وكلنا شهود على ذلك».
يُذكر أنه سبق للفلسطينيين أن وصلوا إلى النقطة نفسها، أو أقل قليلاً، قبل خمس سنوات في الانتخابات التشريعية التي كان مقرراً إجراؤها في 22 أيار/ مايو 2021، حيث وافقت لجنة الانتخابات على 36 قائمة تضم 1391 مرشحاً، منها سبع قوائم حزبية و29 قائمة مستقلة، لكن قرار التأجيل صدر مساء 29 نيسان/ أبريل 2021، أي قبل يوم من انطلاق الدعاية الانتخابية.
ويعكس أحدث استطلاع لـ«المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية» حجم أزمة الثقة، إذ قال 44% من المشاركين إن أياً من الحركتين لا تستحق قيادة الفلسطينيين، فيما تساوى التأييد العام لـ«فتح» و«حماس» عند 24% لكل منهما، وإن تقدمت «فتح» بين الذين يرجحون مشاركتهم في الانتخابات إلى 32% مقابل 29% لـ«حماس».
وحسب عمار دويك، رئيس «الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان» (حكومية مستقلة)، فإن قطار الانتخابات انطلق، وستُجرى في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الجاري، حيث أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الإطار الزمني لهذه الانتخابات، وانتهت عملية التسجيل.
وشدد على أن الموقف العام هو أننا لا نريد تكرار تجربة عام 2021 التي أوصلتنا إلى أوضاع كارثية، فما نمر به اليوم من حالة كارثية كان أحد أسبابها تأجيل الانتخابات السابقة.
وقال إن تأجيل الانتخابات أو إلغاءها سيكون له ثمن سياسي أكبر بكثير من إجرائها، إذ ستكون هناك آثار سلبية كثيرة قانونياً وحقوقياً ومجتمعياً وعلى كامل النظام السياسي.
وقال دويك لـ»القدس العربي»: «شعبنا الفلسطيني دائماً ما كان يمارس خياره الديمقراطي في أصعب الظروف، مثل الانتخابات التي جرت بعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات، رحمه الله، حيث كان الوضع معقداً جداً، وكانت الضفة تمر بوضع أمني هو الأكثر سوءاً».
ورأى أن «السياق اليوم يختلف تماماً عن السياق في عام 2021، حيث كان هناك هامش مناورة بالتأجيل، لكنه اليوم غير موجود، كما أن الأطراف الدولية ليست مجمعة على الدفع بإجراء الانتخابات، فهناك من هو متحمس، مثل الأوروبيين ومن اعترف بفلسطين دولةً، إذ اشترط أن تكون هناك انتخابات وإصلاحات سياسية، وهناك من لا يريد إجراء الانتخابات أيضاً».
كما رأى أن الأهم هو أن يرتبط القرار الفلسطيني بموقف الشارع الفلسطيني، إذ إن الأغلبية تنادي بهذه الانتخابات، وتحديداً في قطاع غزة، حيث الحماس هناك أكبر من الضفة الغربية.
ورأى أن دولة الاحتلال ستقوم بما هو طبيعي بالنسبة لها، «حيث من المتوقع اعتقال مرشحين ومنع دعاية انتخابية.. إلخ، لكن كل ذلك لا يجب النظر إليه على أنه أسباب كافية لمنع انعقاد الانتخابات». وتابع قائلاً: «نحن نثق بقدرة لجنة الانتخابات المركزية على إيجاد حلول لمختلف المشاكل التي قد تحدث، فيما منحها القرار بقانون المرونة التي تحتاجها للعمل وإنجاز المطلوب منها».
وطالب دويك أن تكون الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتزامن، كما نص القانون، أما إذا تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية بشكل متزامن، فيمكن أن تُجرى، أي بمواعيد مختلفة. أما في حال تعذر ذلك، فإنه يمكن لجهة فلسطينية أن تقول ذلك وتبرره، وعندها يمكن أن يصدر مرسوم رئاسي جديد بتحديد موعد جديد لها.
وقال: «إجراء الانتخابات ليس ترفاً، بالعكس، عدم إجرائها خطير علينا وطنياً وسياسياً وحقوقياً، فالانتخابات حق معطل منذ 16 سنة طال انتظارها».
استطلاع: عدم رضا
وأشارت نتائج استطلاع للرأي أُجري في آب/ أغسطس الجاري إلى بروز مروان البرغوثي بوصفه المرشح الأكثر شعبية بين الفلسطينيين من بين المرشحين المحتملين للرئاسة، في ظل استمرار مستويات مرتفعة جداً من عدم الرضا عن القيادة الفلسطينية الحالية.
وقام «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية» بإجراء استطلاع للرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك في الفترة ما بين 5 و8 آب/ أغسطس 2026. وأظهر الاستطلاع، الذي يأتي قبل الانتخابات المنوي عقدها، نتائج متباينة من ناحية تراجع شعبية الفصائل، بالإضافة إلى رغبة في التغيير السياسي.
كما أظهرت النتائج أن حالة انعدام الأمن وعدم الرضا عن أداء السلطة الفلسطينية لا تزال واضحة. فلا يشعر بالأمن والسلامة الشخصية والأسرية سوى 23%، بينما يشعر 76% بانعدام الأمن.
ويظهر الاستطلاع أنه لو جرت انتخابات رئاسية للسلطة الفلسطينية اليوم، وترشح فيها ثلاثة هم الرئيس محمود عباس وقائد حركة «حماس» خليل الحية والأسير الفتحاوي مروان البرغوثي، فإن البرغوثي يحصل على 54% من الأصوات، يتبعه الحية بنسبة 26%، ثم الرئيس عباس بنسبة 14%.
ووفق الاستطلاع، فإن نسبة الرضا عن أداء الرئيس عباس تبلغ 20% (مقارنة مع 23% قبل عشرة أشهر)، ونسبة عدم الرضا 76%. وتبلغ نسبة الرضا عن عباس 16% في الضفة الغربية (مقارنة مع 18% قبل عشرة أشهر)، وفي قطاع غزة 26% (مقارنة مع 31% قبل عشرة أشهر).
وترى نسبة كبيرة تبلغ 83% أن الفساد موجود في مؤسسات السلطة الفلسطينية، فيما تصف نسبة 65% السلطة الفلسطينية الآن أنها عبء على الشعب الفلسطيني، وليس إنجازاً له. كما يرى معظم المستطلعين أن انتخابات قيادتي «فتح» و»حماس» الأخيرة لم تُحدث تغييراً جوهرياً في قيادة الحركتين.
ويظهر الاستطلاع أن «فتح» ستحصل لو جرت الانتخابات على 32% من الأصوات، مقابل 29% لـ»حماس». وفي غزة تحديداً، تتقدم «حماس» بـ34% مقابل 30% لفتح و27% للقوائم أو القوى الثالثة مجتمعة.
وعلى مستوى الانتماء السياسي، قال 24% إنهم يفضلون «فتح»، والنسبة نفسها فضلت «حماس»، بينما اختار 14% قوى ثالثة، في حين قال 38% إنهم لا يؤيدون أياً من هذه الأطراف أو لا يعرفون لمن يميلون.
وتقول نسبة 49% إنها تعتقد أن الانتخابات التشريعية ستُجرى فعلاً في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، فيما تقول نسبة 44% إنها تعتقد أن الانتخابات لن تُجرى في الموعد المحدد. فيما ترتفع نسبة الاعتقاد بأن الانتخابات ستُجرى فعلاً في موعدها في قطاع غزة مقارنة بالضفة الغربية: 55% و45% على التوالي.
وتعارض أغلبية الثلثين وجود شرط على الترشح للانتخابات بحيث يكون مطلوباً قبول التزامات «منظمة التحرير»، بما في ذلك الاتفاقات مع «إسرائيل». وتؤيد وجود هذا الشرط نسبة 27%. وترتفع نسبة تأييد هذا الشرط في قطاع غزة مقارنة بالضفة الغربية: 35% و21% على التوالي. وقبل عشرة أشهر قالت نسبة 63% إنها تعارض وضع هذا الشرط.