يحدث لمن يزور باريس أن يلحظ من بين ما يلحظ اصطفاف المئات أمام صرح نوتردام، الكنيسة التي عرفت حرائق متكررة، على رأسها أخير كاد يأتي عليها، جمعت تبرعات على إثره، ساهمت في اعادة بعث المكان، حيث جرت فصول رائعة هوغو «أحدب نوتردام».
غير بعيد عنها يدفع كثر مبلغ أكبر من عشرة يوروهات حتى يزوروا المنزل الذي عاش فيه كاتب الرواية، متسائلين حول الأماكن التي يكون الرجل قد جلس فيها ليخط رائعة «البؤساء»، والأرائك التي جلس عليها برفقة لامارتين وبالزاك، هو الذي أثرت المواقف اليومية في كتاباته، وحولته الى روائي مهم، كمناظر الاعدامات في ساحة «بلدية باريس» غير بعيد عن منزله في ساحة «لي فوج»، استعراضات تكون قد أثرت فيه أن كتب رائعته «أيام أخيرة في حياة محكوم بالإعدام»، نص قد أثار يومها – قرن ونيف الى الوراء – جدلا واسعا، وحوارا فكريا وحقوقيا حول الحكم الأعظم.
الاعدام كوجهة نظر
لا يتوانى الجزائري عامة في توظيف ما تحفظه ذاكرته من «ريف» (مجتزأة من الكلمة الفرنسية ريفيرونس، بمعنى مرجع)، أفلام، أغاني، تريندات سابقة، مواقف أشخاص وغيرها مما صنع ويصنع الثقافة الشعبية، هكذا يوم أعلن عن اكتشاف بؤرة كوليرا منذ قرابة عقد من الزمن تحول عنوان رواية غابرييل ماركيز الى عنوان لغضبهم، «الحب في زمن الكوليرا». «نعم نعرف هذه الرواية، ولكن فصولها بعيدة كيف يعود الى بلادنا مرض انقرض»، سخر الجزائريون يومها.
رغم المزاج العام، الذي عرف تحولات «جذرية» على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الاخيرة، والذي سيطر عليه شيء من الخفة، بين تريند الثمانينات، و»البرق برق» كوكب الأحلام، الا أن الجزائريين لم يستحضروا شيئا مما يحيل في ثقافتهم الشعبية والجماهيرية الممتدة الى رفع التجميد عن العقوبة القضائية القصوى في البلاد.
كان إعلان رئيس الجمهورية الجزائرية منذ أكثر من أسبوع عن رفع التجميد حول تطبيق عقوبة الإعدام في ما تعلق بجرائم قتل الأطفال واشعال الحرائق قد جاء بمثابة رد فعل مباشر على سلسلة الحرائق الواسعة التي أتت على مناطق كثيرة من شمال البلاد وأدخلت الجزائريين دوامة حزن شعبي لم تتوقف.
القرار على أهميته، ووقعه، إلا أن الجدل الذي أثاره بدا باهتا وخاليا من أي أبعاد فكرية ولا نقاش سياسي عميق ومؤثر.
راحت التيارات السياسية تقرأ القرار حسب ما يخدم كل منها، البعض رأى فيها قرارا مناسبا يتناسب مع مبادئ الشريعة الاسلامية، شريعة الجزائريين.
تيارات أخرى رأت في القرار تقهقرا وتراجعا في النظر الى الجزاء القانوني.
بين التيارين برز تيار آخر يبرر واقعية القرار في ظل انتفاء الظروف التاريخية التي جاء فيها قرار تجميده.
مواقع التواصل الاجتماعي تحولت الى ساحة تعبير بديلة في غياب منابر اعلامية جادة، هكذا عبر كثير من المثقفين عن معارضتهم للقرار، خاصة وأن ممثلي البلد لطالما دافعوا في الهيئات الدولية عن ضرورة الغاء العقوبة القصوى من مدونة العقوبات.
بين الفنانين بدت القضية ثانوية، نادرون من أعلنوا موقفهم من القضية، التوجه الذي أثار الاستغراب لدى المخرجة صوفيا جاما، التي عبرت عن استغرابها من الصمت الذي اتخذه زملاؤها، عن التراجع الذي يعرفه التشريع الجزائري حسبها.
أما بين العوام، فقد تحولت القضية الى مادة تلوكها الصفحات وصناع المحتوى في مختلف اهتماماتهم، أغلبها مهلل، الفضاء الذي يعمل تقليديا كمحرقة رقمية، ويتميز أداء وفعالية، ها هو يهلل اليوم ويبرر لموت محتمل «مجرمين» في تعاطي سطحي مع مفهوم القانون وتطبيقه: «من قتل يقتل، هذا شرع الله»، «لو طبق القانون منذ البداية لما رأينا حكايات الأطفال المغدورين تتكرر»، «لقد تجاوزوا المسموح، ما معنى أن تبيد قرى بأكملها وتعيش أنت؟»، «حكم مناسب، لم يعد السجن مكانا لإعادة التربية والتأهيل، يعلمون أنهم ولو حوكموا فسيظلون في مأمن»، تعليقات من بين كثيرة، تداولها جزائريون، لم يحضروا ساحات الاعدام العمومية.
محاكمات أخلاقية
يعيش التونسيون منذ أيام على وقع جدل فجره انتشار خبر شكوى مواطن تونسي، كشف وجود شبكة مصالح واسعة، الابتزاز الجنسي إحدى دعائمها. ولو لم تحضر صفة الجنسي في القضية لما اهتم التونسيون بها على ما يبدو.
فصول القضية التي تذكر بأفلام قديمة، وقصص باتت تراثا جماهيريا، يميزها الحضور الواسع للجنس المثلي، الذي على ما يبدو أهم ما يجمع أشخاصا نافذين من رجال أعمال، صحافيين ورجال قانون، على الأقل ذلك ما تتناوله الصفحات التونسية على نطاق واسع، مع اتهامات بالتآمر على الدولة، وادارة المصالح بطرق مشبوهة وغير قانونية. عناصر درامية كثيرة ووفيرة تثير اهتمام التونسيين، وتبعدهم عما نغص صيفهم، وعن التحديات التي تواجه الدخول الاجتماعي.
المتفاعلون على الـ»سوشيال ميديا» عبروا عن تفاجئهم، غضبهم والعقوبات المثلى: «لا نريد سجنهم، تكفيهم فضائحهم بين الناس»، «يعكسون تياراتهم السياسية»، «هذا ما نلناه من اليسار وجماعة حقوق الانسان».
الأبعاد الخطيرة، التي تأخذها القضية والمحرقة العمومية الرقمية التي نصبت لبعض المتهمين، واجهتها أسماء تونسية ثقيلة، بمواقف جريئة. رجاء بن سلامة الكاتبة والمحللة النفسية المعروفة علقت قائلة: هتك أعراض الناس وتحويل قضية قضائية الى فضيحة جنسية سقوط أخلاقي ما بعده سقوط. اهتموا بالعطش والموت في السجون واستمعوا الى شكوى المظلومين. لا يوجد إبستين ولا هم يحزنون»!
أما الممثلة وحيدة الدرديري فتعليقها جاء: «سامحونا لا نملك وقتا، لدينا قضية لواط، مهتمون بالتشهير والانتقام من المتهمين فيها، ولا يهم إن غرقتم أو سقط حائط لا نملك وقتا… لدينا شوارب وجب برمها دفاعا عن شرف الأمة.»
وتأتي القضية التي تشغل الرأي العام التونسي هذه الأيام في خضم نقاش حول حقوق السجناء وظروف السجن، خاصة سجناء الرأي من صحافيين وسياسيين، والتي يرى ملاحظون أنها تراجعت كثيرا، ويبدو التعسف أحد أهم مظاهرها.
القضية باتت تعرف بين التونسيين بـ»إبستين تونس» و»قضية البحيرة2» تغم، على الأقل على مواقع التواصل الاجتماعي، الصوت الحقوقي، والأدهى أن تضع العوام في مواجهة مع المثقفين التونسيين، الذين يبدو أنهم أصبحوا كتلة واحدة ومتجانسة ومادة اتهام طيبة، وجاهزة.
كاتبة من الجزائر