لقطة عام لمدينة رام الله (أ.ف.ب)
الضفة – «القدس العربي»: رغم أن البحر الأبيض المتوسط بشواطئه الساحرة لا يبعد عن مدينة جنين شمال الضفة الغربية أكثر من نصف ساعة بالسيارة، إلا أن خيارات العائلات في المحافظة تبقى محصورة خلال فترة الأعياد والعطل الصيفية، حيث تنحصر في استئجار الفلل أو الشاليهات لكن من دون شواطئ.
وخلال فترة عيد الأضحى المبارك، تناوب المواطنون الذين يعيشون وضعا اقتصاديا صعبا في عموم مناطق الضفة الغربية بين خيار الشاليهات وخيار المسارات الطبيعية للترويح عن النفس وقضاء عطلة من دون تكاليف مالية كبيرة، كما هو الحال في السفر خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وخلال الأعوام العشرة الأخيرة، تنامت ظاهرة بناء الفلل أو الشاليهات السياحية، لتكون أحد أبرز مظاهر السياحة الداخلية في ظل واقع احتلالي يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى بحرهم القريب جدا، وكذلك يعيق عملية سفرهم إلى خارج فلسطين للترفيه عن النفس.
في جنين، يقدم الإعلان التجاري المصور الخاص بفيلا و»شاليه السلطان» وعدا للمواطنين بالأجواء الهادئة، وكذلك بالاستمتاع بأجمل الإطلالات على المدينة المحاصرة.
ويقدم الإعلان صورة جوية للمكان، ويقول إن المكان يخطف القلب، فيما تضيف الجلسات الرائعة وقت الغروب أجواء خاصة ومميزة على فصل الصيف.
وتقدم الفيلا الجديدة نسبيا خدمة توفير مسبح مع تدفئة، ويقول الإعلان إن الشاليه ليس فقط «مكانا للإقامة، بل هو تجربة كاملة للراحة والخصوصية».
موسم ضعيف في سلفيت
أما في محافظة سلفيت وسط الضفة الغربية، فيصف كمال الحريم، صاحب شاليه «بوابة النجوم»، الموسم السياحي في عيد الأضحى بالضعيف نسبيا، وحول الأسباب يقول في حديث خاص لـ»القدس العربي» إنها تتنوع بين ثلاثة عوامل، أولها أن العيد جاء في أواخر فصل الشتاء، حيث ما زالت الأجواء باردة، إلى جانب تزامن العيد مع فترة الامتحانات في المدارس ثانيا، أما العامل الثالث في سوء الموسم فيرتبط بسوء الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية عموما.
وبدأ الحريم مشروعه في الشاليه عام 2020، خلال فترة جائحة كورونا، حيث دشنه بالقرب من بلدة ديرستيا شمال مدينة سلفيت، وكان الهدف من وراء المشروع تحقيق استثمار مربح نسبيا.
وحول طبيعة المواطنين الذين يستأجرون الشاليه، قال إن الغالبية العظمى من المواطنين هم فلسطينيون من محافظة سلفيت والبلدات المجاورة.
وحول أسعار الاستئجار، أكد أن فترة الأعياد التي تبلغ ثلاثة أيام لها سعر خاص، حيث يصل اليوم إلى 1200 شيقل، أي 400 دولار أمريكي، أما في الأيام العادية فإن استئجار الشاليه لا يتجاوز 600 شيقل لليوم والليلة.
وفي مدينة مثل أريحا، وفي بعض الفلل والشاليهات، ترتفع قائمة الأسعار لتصل إلى نحو ضعف المبلغ السابق، والأمر يعتمد بالأساس على طبيعة الخدمات المقدمة والفترة الزمنية التي تتم فيها عملية الاستئجار. وشدد الحريم على أن أبرز الأسباب التي تشجع المواطنين على الإقبال على استئجار الشاليهات ترتبط بقدرة الشاليه على توفير الراحة للعائلة، وكذلك الخصوصية الكاملة، حيث توفر الفيلا المسبح والغرف والجدران والحماية أيضا.
ترخيص بلا خدمات
ويعلق الحريم على إجراءات الحكومة، ممثلة بوزارة السياحة الفلسطينية، المتعلقة بالترخيص وضبط المجال الجديد والناشئ، ويشدد على أن الوزارة «لا تقدم أي خدمات لأصحاب الشاليهات، وبالتالي لا يحق لها أن تشترط الترخيص لتقديم الخدمة».
ويرى أن بعض الشاليهات في المنطقة القريبة منه تعاني من هجمات المستوطنين، فيما لا تقدم أي خدمات أمنية للسكان.
وتابع: «هناك مستوطن قام بالاستيلاء على شاليه قريب، ويمكن رؤيته يلعب كرة القدم فيه، فيما يمنع المواطنين من الاقتراب منه… كما أن شاليها آخر في منطقة وادي الشاعر في سلفيت أغلق تماما بسبب هجمات المستوطنين».
وتقدم فلل وشاليهات أخرى في منطقة أريحا بركا خارجية وداخلية، وبركا خاصة بالأطفال، كما تعد المواطنين بالخصوصية الكاملة، وهو أمر يرى مواطنون تحدثت معهم «القدس العربي» أنه أحد أبرز الأسباب التي تدفعهم إلى الإقبال على هذا النوع من السياحة الداخلية والمحلية.
وتقدم فلل حدائق وألعابا للأطفال، وغرف نوم متنوعة، وعددا أكبر من الحمامات، وخدمات إنترنت ومواقف سيارات، ومناطق للشواء.
وعلى منصات مثل: إنستغرام وتيك توك، يقدم أصحاب الفلل إعلانات لا حصر لها، تقدم بدورها الفلل والمميزات الخاصة بالمشروع السياحي المحلي.
وزارة السياحة تسعى إلى الترخيص
وحسب جريس قمصية، الناطق باسم وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، فإن الوزارة استدركت في هذا القطاع، وتسعى إلى ترخيص هذه المؤسسات، ويقر بأن هناك صعوبات كثيرة، من ضمنها أن بعض الفلل لا توجد في أماكن مخصصة للنشاط السياحي.
ويفرض الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية أنماطا جديدة من الترفيه والترويح عن النفس، وتحديدا في فترة الأعياد، فبدلا من زيارة البحر القريب نسبيا من كافة المناطق الفلسطينية في الضفة، يلجأ المواطنون إلى استئجار الشاليهات التي توفر بركا خاصة للسباحة.
ومنذ السابع من تشرين الأول / أكتوبر، يحرم كل الفلسطينيين في الضفة الغربية من زيارة المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948، وهو أمر كان متاحا سابقا لعدد قليل من الفلسطينيين، شريطة الحصول على تصاريح أمنية خاصة.
وتقوم عائلة أو عائلات أو مجموعة من الأصدقاء بتجميع أنفسهم لاستئجار الفيلا أو الشاليه، بهدف تقاسم أوقات الفرح والبهجة، وكذلك تقاسم تكاليف عملية الاستئجار.
ويمارس المشاركون في الفيلا السباحة والألعاب والشواء والنوم في المكان ذاته، وهو أمر يكلف مبالغ مالية تبدو مرتفعة على بعض الفئات، لكنها لا تقارن بتكاليف السفر إلى الخارج.
السياحة الداخلية وتعزيز الصمود
ويرى جريس قمصية، الناطق باسم وزارة السياحة والآثار، في حديث خاص لـ»القدس العربي»، أن مظاهر الإقبال على الشاليهات ومختلف مجالات الترفيه تعكس حب الشعب الفلسطيني للحياة، «فالحياة هي جزء من المقاومة، والترفيه عن النفس يعزز الصمود، وهو أمر لا يكون إلا بمواصلة الأمل والبحث عنه».
ويرى قمصية أن الإقبال على الشاليهات «محاولة لتغيير النفسية في ظل صعوبات السفر والواقع الاقتصادي المأساوي».
ويصنف عملية استئجار الشاليه أنها جزء من النشاط السياحي الداخلي الذي يدفع باتجاه تنشيط الاقتصاد، «لو تم استئجار 500 فيلا في أريحا في اليوم، فإن ذلك يعني حركة في عجلة الاقتصاد، وهو أمر يعود بالفائدة على مختلف القطاعات». وحسب إحصاءات غير رسمية، فإن عدد الفلل والشاليهات في مدينة أريحا يتجاوز 1200 فيلا وشاليه، حيث شهد هذا القطاع نموا سريعا وتحول إلى قطاع استثماري وتجاري واسع، وهي تتنوع بين فلل خاصة، أي يستخدمها ملاكها للاستجمام العائلي وتبنى بمواصفات عالية، وفلل استثمارية، يملكها أشخاص ويستخدمونها لأيام محددة، ويؤجرونها في بقية الأيام، وفلل تجارية تبنى خصيصا كمشروع استثماري للإيجار اليومي.
فيما قالت أرقام غير رسمية إن عدد الفلل السياحية في أريحا تجاوز 3500 فيلا، وهي تشهد نسبة إشغال تصل إلى 100% في فترة الأعياد.
ويقول قمصية إنه رغم أن العيد في فلسطين يقوم على فعل الزيارة، إلا أن آلاف العائلات يكون سؤالها الأساسي في ثاني أيام العيد هو: أين يمكن أن نقضيه بحيث تجتمع المتعة والراحة مع الماء؟
وأضاف: «في العالم العربي أو في الغرب مثلا، تكون هناك خطط لقضاء عطلة العيد في مكان ما، حيث تكون هناك خطط للسفر، أما في فلسطين وفي ظل واقع اقتصادي صعب، فإن هذا لا يكون خيارا، وبالتالي يلجأ المواطنون إلى الفلل والشاليهات».
الاحتلال يلاحق أماكن الترفيه
ويشدد قمصية على أن الاحتلال يحارب الفلسطينيين في أماكن ترفيههم، حيث يعوق عملية وصول الفلسطينيين إلى مسارات كثيرة في عموم الضفة الغربية، كما أنه يفرض خطة جديدة للسيطرة على منطقة «برك سليمان» في منطقة بيت لحم، «هذا أمر خطير ويجب مواجهته».
وأضاف: «لقد قمنا قبل أيام بالاتفاق مع الجهة المسؤولة عن موقع برك سليمان، حيث ستكون مفتوحة للعائلات، وهي بداية لعملية التفاف جماهيري».
ويرى قمصية أن المناطق التي يوجد فيها الفلسطيني جماهيريا تجعل سيطرة الغير، «المستوطنين»، عليها أكثر صعوبة.
وقبل أيام، قام وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بجولة في موقع «برك سليمان»، وصرح بأن استمرار وجود الموقع تحت إدارة فلسطينية «غير مقبول»، متعهدا بالعمل على تغيير ذلك.
أريحا تستقبل عشرات الآلاف
يذكر أن أيام عيد الأضحى شهدت إقبالا سياحيا كبيرا على مدينة أريحا، حيث استقبلت عشرات الآلاف من الزوار القادمين من مختلف المحافظات الفلسطينية وأراضي الداخل الفلسطيني، في مشهد أكد مكانة المدينة كواحدة من أبرز الوجهات السياحية والترفيهية في فلسطين.
وسجلت المدينة خلال ثاني أيام العيد دخول أكثر من 30 ألف زائر، توزعوا على المرافق السياحية والمتنزهات والمواقع الترفيهية والفلل والشاليهات، ما تسبب بضغط كبير على الطرق والمرافق العامة والمنشآت السياحية، التي شهد عدد منها نسب إشغال وصلت إلى الاكتمال الكامل.
ورغم الأزمة الخانقة التي شهدتها المدينة، إلا أن أصحاب المنشآت السياحية عبروا عن سعادتهم بعودة الحياة إلى المدينة خلال العيد، آملين أن تستمر هذه الحركة خلال فصل الصيف، حيث تعتمد المديــنة على السياحة الداخلية بشكل كبير.