صدر للناقدة التونسيّة خيرة مباركي كتابها الموسوم بـ»الإيقاع في قصيدة النثر» عن دار رومنس في الجزائر: 2021 بطبعته الأولى التي احتفت بتجربة الشاعر العراقي فائز الحدّاد، من خلال مجموعته الشعريّة «غرانيق الأمس»، والكتابُ محاولةٌ جريئةٌ لرصد قضيّة الإيقاع في قصيدة النثر؛ تلك التي تخاصم النقاد في ما بينهم حولها؛ بين مؤيد لحضورها، وناكر لوجودها، وقد كُتب لتلك القصيدة أن تشيع في أجواء الثقافة العربيّة جميعها، فصار لزاما على النقد أن يتابع خطواتها، ومآلاتها، ولا سيّما إيقاعها الذي كان مدار عمل الناقدة.
بُني الكتابُ من مقدمة، وفصلين مستقلين، وخاتمة، ثمّ مسرد للمصادر والمراجع، كانت المقدمة قد بسطت القول في ظاهرة التمرد على العروض وعمود الشعر محيلة رؤيتها النقديّة على المسارات التي حاول من خلالها الشعراء العرب القدماء تحديث أدواتهم الشعريّة، من خلال تجاوز المعهود، وإيجاد بدائل تأخذ القصيدة نحو التجدّد، ونفض غبار الزمن عن شكلها ومضمونها القديمين، حتى قُدّر للنقاد في ما بعد الوقوف عند مصطلحي الفوضى، والنظام، فالمصطلح الأول يذكّر بالخروج التام عن تعاليم السلف الشعرية، والمصطلح الثاني يحيلُ على الإيقاع بكلّ ما فيه من انسجام، وقوانين، وتقانات، ولمّا كانت قصيدة النثر جديدة على الذائقة العربية، فقد استعانت المؤلفة بما كتبته الناقدة الفرنسيّة سوزان برنار، التي ربطت بين تلك القصيدة والفوضى، من دون أن تهمل التذكير بترابط المصطلحين بجملة من العلاقات التاريخية، والفنية التي رصدت ظاهرة الإيقاع بوصفها معطى حياتيا أسهم في تطور الشعر، وصولا إلى إيجاد مفصل رابط بين العروض، وتاريخ الأدب ليكون مفهوما أمام المتغيرات الحياتية، والنقدية حتى تصبح قصيدة النثر (نظاما)، على الرغم من فوضويّة التمثيل، وعصيان قواعد الشعر الموروثة.
وللناقدة أن تشير في المقدمة إلى مسوغ اختيارها للعنوان، وإجراءاتها التي لم تكن مصادفة، إنما جاء وفقا لرؤية مسبقة تعلّقت بقراءاتها السابقة، وإصرارها على ركوب موجة ليس من اليسير الإبحار معها، وهي تحاول أن تتلمّس حدود الإيقاع في شكل شعري يجافي العروض، ولا يقيم له وزنا، في ظلّ جدّة المنهج الذي اعتمدته، المنفتح على تحليل تكامليّ معنيّ باستحضار مناهج أخرى، وخلو الساحة النقدية من متون سابرة لإيقاع قصيدة النثر، إلا في محاولات مبتسرة ليس بينها رابط، والناقدةُ تدركُ بقوّة ثقافتها، أن الإيقاع يحضر في مظاهر الحياة كلّها، على الرغم من إشكالات تعقيده في الثقافة المعاصرة، فهو مجموعة علاقات منتظمة يتعدّد القول فيها، ويتمدّد التأويل بمستويات مختلفة، فالإيقاع حسب مقولات الناقدة يتجاوز حدود العَروض إلى مظاهر أخرى تكمن في نسيج النص الشعري نفسه.
في الفصل الأول من الكتاب (في ماهيّة الإيقاع وقصيدة النثر) الذي أعدّه بمنزلة التمهيد الذي يتقدّم تحليل ظاهرة الإيقاع في «غرانيق الأمس»، أشارت الناقدة إلى حقيقة تمرّد قصيدة النثر، وفوضويتها التي تجافي الموروث، وهو الذي أقام الحدّ بين الشعر والنثر بمعيار إيقاعي؛ ولهذا حملت تلك القصيدة تناقضها في ذاتها، بمعنى أنّها خارج مملكة الشعر، وفي الوقت نفسه بعيدة عن النثر، فهي نصٌ متمرّدٌ على الجنسين السائدين في الثقافة العربية، وكأن قصيدة النثر تريد أن تصنع لنفسها جنسا ثالثا هجينا، فأعلنت تمردها على ثقافة الشعر السائدة، وثقافة النثر المعهودة طامحة إلى إيجاد شعرية جديدة تقيم هيكلها على أسس غير معهودة.
توزّع الفصلُ على عدّة مباحث تناولت مفهوم الإيقاع في الدرس النقدي قديما وحديثا، وقد خلصت الناقدة إلى تقرير حقيقة ارتباط الإيقاع بحقل الموسيقى، والغناء، وعدم الاحتفاء بالمصطلح قديما، مارّة على مفهوم القدماء للإيقاع، ولا سيّما من تأثر بالفلسفة الغربية القديمة، فضلا عن وقوفها عند رأي البلاغيين، والعَروضين القدماء، حتى ظهر الإيقاع واضحا عند الجميع من خلال الوزن، ثم قُدّر لهم الربط بين الإيقاع والتخيّل، وهو ربط أسهم في تقديم رؤى نقديّة عامرة بتحسّس الوزن والإبداع معا، فتمكّنوا من الربط بين الإيقاع والموسيقى ليكون مفهوم الإيقاع حاضرا في وزن الشعر، ثم تطرق الفصل إلى علاقة الإيقاع بالنقد الحديث، الذي تجاوز مفهوم الشعرية المحيل على الوزن والقافية إلى إيقاع اللغة، وطرائق استخدامها لتقف الناقدة مليّا عند جهود المستشرقين، والنقاد: محمد مندور، وإبراهيم أنيس، وشكري محمد عياد، وكمال أبو ديب، ولها أن تمرّ على الإيقاع في الدرس الغربيّ الحديث الذي تنبه إلى أهمية التنظيم الداخلي المنفتح على ما هو لغويّ وبصريّ ودلاليّ.
في وقفة الناقدة أمام (قصيدة النثر ومظاهر حضور الإيقاع فيها) وقفت عند قصيدة النثر العربية بين التأسيس والتداعيات لتخلص إلى اعتماد تلك القصيدة على التكثيف في الفكرة، واعتماد الرمز، والموسيقى الخاصة باللغة، لتقف وقفة مهمّة عند (الخصائص الفنيّة لقصيدة النثر) وقد حصرتها في: إلغاء الحدود بين الشعر والنثر، والوحدة العضوية، وقِصَرِها، وكثافتها، فضلا عن إيجازها، وتوهجها، ومجانيتها التي ترتبط بالأزمنة، وقدرتها على تحويل الواقعي إلى خطاب أعماق، وأخيرا إيقاعها الداخلي، من دون أن تمرّ على سرديتها المنفتحة على آليات السرد المعروفة الخاصّة بالحدث، والشخصيات، والزمان، والمكان، بوصفها عناصر بناء تجمع بين التشكيل الشعري، وشعريّة النثر.
أما الفصل الثاني من الكتاب (جماليات التشكيل الإيقاعي في غرانيق الأمس) فقد كان قطب الرّحى الذي دارت حوله مشكلة الكتاب، والمدار الذي مارست فيه الناقدة إجراءاتها النقدية، التي كشفت من خلالها إيقاع قصائد الشاعر فائز الحداد الذي يؤمن – حسب قولها- بضرورة تقليص صخب الأوزان، ودويّ القوافي، ويؤمن بقدرات قصيدة النثر على خلق خطاب ذي أنساق شعرية مختلفة، لا صلة لها بنمطية القصيدة التقليدية؛ لأنّ إيقاع قصيدة النثر لا يعتمد على التفعيلات، أو الأوزان التقليدية، بل يتشكل عبر استراتيجيّات بديلة نصيّة؛ هي في جوهرِها من صنع اللغة نفسِها.
من خلال قراءة نصوص الشاعر توصّلت الناقدة إلى أنّ جماليّات إيقاع قصائد الشاعر الحداد، ارتبطت بالتكرار الذي شكّل جوهر هويّة قصيدة النثر، فضلا عن مقوّمات أخرى تخصّ التركيب، والبصر، فالإيقاع في قصائد الحدّاد ارتبط بمظاهر التكرار الصوتي: وهو من أبرز الظواهر الفنيّة في قصيدة النثر بشكل عام، وفيه يتضافر صوت الحرف، ومستويات التركيب مع العناصر المعجميّة؛ تلك التي تثري الملفوظ الشعري، الذي يسهم في إيجاد شعرية إيقاعية، وله صلة بمشاعر الشاعر، من خلال تكرار الحروف الذي يحيل على قلق الشاعر وضجره، وقد وجدتِ الناقدةُ أن الشاعر من حيث لا يدري يعوّل في مقامات كثيرة على إيقاع صوت المدّ المؤثّر في المسار الإيقاعي، لتقدم لنا إحصائية أرادت من خلالها أن تثبت مصداقية إجراءاتها.
وقدمت الناقدةُ تصوراتها عن تكرار اللفظ، الذي يمتلك قيمة في تحريك الخطاب الشعري وشحنه بشحنات الذات الشاعرة، من خلال تكرار الأفعال التي تنشئ صلة بين الحركة وصوت الحدث، وهذا بدوره يشكّل صورة واضحة في ذهن المتلقي ذات إيقاع، وفي هذا المجال قدّمت الناقدة جهدا واضحا لا يمكن عبوره بيسر، ثم وقفت عند إيقاع التراكيب التي لها صلة بتوليد المعنى ومقدرة الشاعر على إنتاج الدلالة بأثر إيقاعي واضح يزيد من جمالية النصّ الشعري، ثمّ هُيّئ للناقدة مباركي، أن تقف عند إيقاع تركيب حرف الجر الذي يسهم في حضور إيقاع خفيّ إلى جانب الإيقاع المعلن، ثم قدمت تصوراتها عن إيقاع المركّب الفعليّ في إنجاز جديد يحسب لها حقا، فضلا عن حديثها عن إيقاع الحذف في الجمل الشعرية، ولها أن تقف مليّا عند إيقاع جملة النداء، وإيقاع جمل الاستفهام، وإيقاع التشكيل البصري الذي يستثمر طاقات الطباعة وتوزيع الجمل والعلامات، والتنقيطات، والبياضات، وما تترك من تأويلات تشغل ذاكرة المتلقي، وتسهم في خلق إيقاع خاص جديد عنده.
وقدّمت الناقدة تصوّرات تخص إيقاع الدلالة المرتبط بالتكثيف، وبروز المعنى فيكون للإيقاع أثرٌ عند المتلقي، فضلا عن حضور التخيل المعنيّ بإنتاج الخطاب، على فرض أنّ تخيّل الشاعر يدخل منطقة الإبداع من باب واسعة، فيكون نتاجه مهمّا في تحديد طبيعة الإيقاع، ولفهم هذا التضافر الفنيّ، لا بد من التركيز على الخيال، والتخيّل، ونتاجهما الذي يتّسع لأنواع أدبيّة، وفنيّة تنقسم بدورها إلى أنماط، وأشكال، فالخيال على الرغم من حداثة تعريف اصطلاحه في النقد العربي فإنّ العناية به، وبأثره قديم يرجع إلى بدايات الوعي بالخصائص الفنيّة للإبداع.
وقدّمت الناقدة تصوّرا آخر يخصّ إيقاع اللغة الشعريّة عند الشاعر من خلال الانحرافات التي تشكّل جوهر الشعريّة، فهي خرق لقانون اللغة الاعتياديّة وتعال عليها، وللناقدة أن تقف عند إيقاع الرمز الأنثوي والتاريخي، فكلاهما يسهمان في خلق إيقاع تصويريّ يأخذ التعبير نحو شعرية تكمن فيها إيقاعات جديدة ومعاصرة، و في نهاية الفصل وقفت الناقدةُ عند إيقاع التقابل الذي شكّل في المجموعة الشعرية «غرانيق الأمس» إيقاعا ذا دلالة خاصّة، ورؤية متميّزة أعطت فكرة عن هيمنة التصوير التقابلي، الذي عادة ما يتيح للمتلقي تحفيزا مركّزا للقراءة، والتأمل، وسبر ما وراء المفارقات الشعرية القائمة على وجود المعنى وضده.
في نهاية الكتاب قدّمت الناقدة خاتمة عامّة لجهدها النقدي المتميّز، حاولت من خلالها أن تجمل ما توصلت إليه من نتائج يمكن الإفادة منها، وقد سعت إلى تحديد طبيعة الإيقاع في قصيدة النثر ذلك الذي يمكن الإفادة منه في دراسات نقديّة مقبلة تخصّ نقادا، وباحثين، وطلاب دراسات جامعيّة، فالإيقاع – حسب نتيجة الناقدة- ظاهرة عصيّة على التمثّل، زئبقية لا يمكن حصرها، أو الإمساك بتلابيبها، ولعل تلك النتيجة مسوّغ آخر لحضور دراسات مستقبلية أخرى تأخذ على عاتقها النظر إلى إيقاع قصيدة النثر بوصفه حقيقة ماثلة في النصوص الشعرية، وليس شكلا هلاميا مقبلا من نبت الشيطان.
وبعدُ: فقد كُتب «الإيقاع في قصيدة النثر» بلغة واصفة اتسمت بالدقة، والتحليل المنفتح على جهاز مصطلحي عربي وغربي، قديم وحديث بهدف وضع النصوص الشعرية في سياقها، وتقييمها، وبناء تصورات تتعلّق بما فيها من استجابات لها صلة بالرؤى النقدية، فضلا عن أن لغة الناقدة اتسمت في أحايين كثيرة بشعرية مائزة، مصدرها أنّ الناقدة شاعرة‘ وفنّانة تشكيليّة مغرمة بالجمال؛ تلك هي شعريّة اللغة النقدية التي ارتبطت بمضامين ثقافية، ودلالات فكرية واعية أكدت فرضية عامة مؤدّاها، أنّ لغة النقد إبداعٌ خاصٌّ له خصائصه ومزاياه شأنه شأن لغة الشعر، والنثر، وهذا يعني ضرورة أنّ يُكتب النقدُ الخلّاقُ، بوصفه عملا فنيّا لا يخلو من العاطفة، والشعور، والأفكار الجميلة، وللمتلقي أن يقرأ النص الآتي كي يتأكد من شعريّة لغة الناقدة التي كتبت تقول: (تغدو القصيدةُ فراشَ هوى على أديمِها يصلّي لرضابها القدوسُ، ويمهرُ الوردُ شفاعةً لسندسِ حلمِها الوارفِ، بوقعِ الصوتِ تدركُه نغما).
*أكاديمي وناقد من العراق