بعد أن حظي، في ختام عرضه خلال مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، برقم قياسي في التصفيق وقوفاً دام أكثر من 24 دقيقة، فاز شريط «نازا» الوثائقي بجائزة لجنة التحكيم، وانقلب سريعاً إلى كابوس أطاش صواب ساسة دولة الاحتلال وجنرالات الجيش الإسرائيلي، حتى قبل عرضه عالمياً أو في صالات السينما الإسرائيلية. ورغم أن صحيفة «الغارديان» البريطانية هي جهة إنتاج الشريط، فإن سعار الاحتلال ضده انطلق أولاً من حقيقة أن مخرجَيه يوفال أبراهام وراشيل زور يحملان الجنسية الإسرائيلية.
رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تصدر جوقة تأثيم الشريط بتصريح جاء فيه: «إنه أمر صادم. نحن نحارب التحريض العالمي المعادي للسامية، وعندما يأتي من داخلنا يصبح أمراً لا يمكن احتماله»، عازفاً على النغم المستهلك حول معاداة السامية حتى إذا كان المعني بالاتهام يهودياً، وغامزاً أيضاً من خصومه السياسيين الإسرائيليين منتقدي سياساته.
وزير ثقافته، اللاهث أبداً إلى وظيفة صوت سيده نتنياهو، ذهب إلى درجة المطالبة بسحب جنسية صانعَيْ الشريط بتهمة لا تقل عن «خيانة الدولة» حسب تعبيره. وأما أفيغدور ليبرمان، وزير الأمن الأسبق وأحد ممثلي ما يسمى «المعارضة» في دولة الاحتلال، فقد انخرط في الجوقة وساق الاتهامات والمطالب ذاتها، معتبراً أن أفراهام وزور يزودان العالم بـ»مادة مفخخة» تعمق عزلة الكيان.
وكان طبيعياً أن يصدر السلوك الأكثر سعاراً عن رئيس أركان جيش الاحتلال، الذي سارع إلى عقد اجتماعات طارئة مع نائبه ورئيس شعبة العمليات والمدعي العسكري العام وقائد سلاح الجو، بالإضافة إلى قائد الوحدة 8200 التي اقتبس الشريط اعترافات عناصرها ممن شاركوا تخطيط وتنفيذ أعمال القصف العشوائي ضد المدنيين الفلسطينيين. فلم يتأخر من جانبه في إضافة تهمتين إلى صانعي الشريط: الترويج لـ»روايات أعداء» دولة الاحتلال، و»محاولة خطيرة لنزع الشرعية» عن الجيش الإسرائيلي.
وإلى جانب أن الشريط شهادة من قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، على ألسنة 24 من كوادرها القتالية والعملياتية والاستخباراتية، فإن أقوى الرسائل التي تتعاقب على امتداد 80 دقيقة هي التالية، بأقصى ما يمكن أن تعكس جرائم حرب الاحتلال من همجية في التخطيط ولامبالاة باردة بتنفيذ الشرور واعتبار حرب الإبادة مجرد ألعوبة ضرر مجاور: إذا كان استهداف كادر لحركة «حماس» يستوجب إفناء 500 مدني فلسطيني، بينهم بالضرورة شيوخ وأطفال ونساء، فلا بأس، من جانب أول. ولا ضرر، من جانب ثان، في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أياً كانت نواقص معطياته المستمدة أصلاً من هواتف نقالة جرت قرصنتها.
ذلك لأن مفهوم «الضرر المجاور»، وهو معنى مختصرات عنوان الفيلم حسب التعبير العبري «نيزك أغافي»، لم يكن في أيّ يوم عامل ردع أو تأخير أو تعديل في أي خطط عسكرية، ليس ضد المدنيين في فلسطين ولبنان وحروب دولة الاحتلال كافة، بل كذلك على صعيد القاعدة الإسرائيلية العسكرية السرية المعروفة باسم «بروتوكول هانيبال» والتي تبيح قتل أسرى جيش الاحتلال أنفسهم بدل السماح بوقوعهم في الأسر.
والأرجح أن طرائق التنكيل التي سيتعرض لها صانعا «نازا» من جانب سلطات الاحتلال سوف تتكفل بافتضاح مستوى آخر من خرافة «واحة الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط، وأكذوبة الجيش الإسرائيلي «الأكثر أخلاقية» في العالم.