الأب أندريه كوراييف و«سرّ إسرائيل»… بين الاختيار الإلهي والدولة الحديثة


يُمثّل كتاب اللاهوتي والفيلسوف الأرثوذكسي الروسي الأب أندريه كوراييف، المعنون بـ«كيف يصنعون معادياً للسامية» والمتضمن للفصل الشهير «سرّ إسرائيل»، محاولةً فريدة لتفكيك واحدة من أكثر العقد التاريخية تعقيداً ودراماتيكية في العالم. يتجاوز هذا العمل – الذي يجمع بين الرؤية المسيحية والتحليل التاريخي والأسلوب الصحافي- حدود النقاشات السياسية التقليدية؛ فهو يقدم للقراء الباحثين عن فهم موضوعي لجذور الصراع في الشرق الأوسط، وطبيعة التوترات العرقية الممتدة عبر القرون، رؤيةً مسيحية عميقة لفلسفة التاريخ. ومن خلال رسم حدود فاصلة بين النصوص المقدسة والواقع الجيوسياسي المعاصر، يُجرد المؤلف المؤسسات السياسية الحديثة من أي قداسة لاهوتية، محتفظاً في الوقت ذاته بمهابة دينية تجاه سرّ المصائر البشرية.
ويبدأ كوراييف (الذي أدرجته الحكومة الروسية في قائمة وكيل أجنبي فهاجر للإقامة في براغ) أطروحته من نقطة يصفها بالميتافيزيقية، حيث يرى أن بقاء الشعب اليهودي محتفظاً بهويته وثقافته ولغته ودينه، عبر ألفي عام من الشتات من دون أن يذوب في الإمبراطوريات والشعوب الكبرى التي عاش في كنفها ـ كما ذاب الفينيقيون والبابليون والأشوريون ـ هو ظاهرة فريدة لا تفسرها قوانين التاريخ العادية، بل يراها كمسيحي «سراً إلهياً». ويستند في ذلك إلى رسالة القديس بولس إلى أهل رومية، ليؤكد أن الله لم يرفض هذا الشعب نهائياً، لكنه يعيد تعريف مفهوم الاختيار الإلهي؛ فهو ليس امتيازاً عنصرياً أو تفويضاً بالتفوق على الشعوب والأمم، بل كان مهمة شاقة لحفظ التوحيد، أي الاعتقاد بوجود إله واحد أحد في عالم وثني والتمهيد لظهور المسيح، وبالتالي فإن هذا الاختيار تترتب عليه مسؤولية أخلاقية وعقاب أشد عند الخطأ، وليس صكاً مفتوحاً للسيطرة الأرضية.

وفي تحليله لظاهرة معاداة السامية، يرفض كوراييف التبسيط الذي يرى أن الاضطهاد كان شراً مجرداً من الأمم، أو مجرد مؤامرة خفية، بل يقدم رؤية تشير إلى أن القيادات الروحية والاجتماعية لليهود عبر التاريخ ساهمت في صناعة هذا العداء من خلال عدة عوامل، أبرزها الانعزالية الصارمة ورفض الاندماج الثقافي داخل المجتمعات المضيفة والاستئثار بمؤسسات المال واحتكارها، وهو ما قرأته تلك المجتمعات كنوع من الرفض والاستعلاء. وينتقد الكاتب كذلك بعض الكتب التشريعية التي صيغت في عصور الشتات مثل كتاب «شولخان عاروخ»، «المائدة المنضودة» أو «المائدة المُعدّة»، ويرى أنها خلقت هوة أخلاقية أباحت ممارسات مالية واجتماعية مع الآخرين، فيما تُحظر مع اليهودي، ما جعل الأمم الأخرى تشعر بأنها تُعامل كبشر من درجة ثانية واستدعى ردود فعل عدائية، بالإضافة إلى التنافس اللاهوتي على شرعية تمثيل العهد الإلهي بين اليهودية والمسيحية، وانخراط أعداد كبيرة من النخب اليهودية العلمانية لاحقاً في الحركات الشيوعية واليسارية الجذريّة، التي فككت البنى التقليدية للمجتمعات المضيفة.

وفي تناوله لظاهرة معاداة السامية، يطرح كوراييف قراءة مثيرة للجدل لأسباب التوتر التاريخي بين الجماعات اليهودية والمجتمعات التي عاشت فيها، متوقفاً عند بعض مظاهر الانعزال الديني والاجتماعي، والتنافس اللاهوتي بين اليهودية والمسيحية، فضلاً عن قراءته لبعض النصوص التشريعية اليهودية، ومنها كتاب «شولحان عاروخ». كما يتناول مشاركة شخصيات يهودية في الحركات السياسية والفكرية الحديثة. غير أن هذه التفسيرات تثير إشكالات تاريخية وأخلاقية، خصوصاً حين تنطوي على تعميمات بشأن سلوك جماعة دينية بأكملها، أو توحي بتحميل ضحايا الاضطهاد مسؤولية العداء الذي تعرضوا له. ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين تحليل العلاقات التاريخية المعقدة وبين إعادة إنتاج الصور النمطية التي غذّت معاداة اليهود عبر العصور.
والنقطة الأكثر أهمية في فكر كوراييف هي التفكيك الكامل للروابط بين إسرائيل التاريخية وإسرائيل المعاصرة، إذ يرى «أن مفهوم شعب الله بعد المسيح تسامى ليصبح مفهوماً إيمانياً لا عِرقياً يضم كل مؤمن من أي قومية، وأن دولة إسرائيل التي تأسست عام 1948 هي كيان سياسي، عسكري، وعلماني حديث، نبت من أيديولوجية قومية صهيونية تشبه القوميات الأوروبية، ولم تتأسس بناءً على نبوءة دينية، أو توبة روحية»، وقادتها الأوائل كانوا علمانيين، رافضاً تماماً الطروحات البروتستانتية الغربية المعروفة بالصهيونية المسيحية، التي تمنح الدولة الحديثة صكاً إلهياً للممارسات السياسية. وبذلك يخلص إلى أن دولة إسرائيل الحديثة لا تتمتع بأي قداسة لاهوتية، ولا يجوز استخدام النصوص الدينية القديمة لتبرير أفعالها السياسية أو العسكرية، بل هي كيان دنيوي يخضع للمحاكمة الأخلاقية الإنسانية وللقانون الدولي كسائر دول العالم.

وأحدث صدور كتاب «كيف يصنعون معادياً للسامية» موجة عاصفة وردود فعل متباينة في الأوساط الثقافية والفكرية الروسية والعالمية، ما كشف عن انقسامات أيديولوجية عميقة. فقد وجه ممثلو النخبة المثقفة الليبرالية وبعض المنظمات اليهودية انتقادات حادة للمؤلف، متهمين إياه بمحاولة إلقاء مسؤولية العداء التاريخي للسامية على الضحية نفسها وبتبرير كراهية الأجانب. ومن ناحية أخرى، انتقد التيار المحافظ المتشدد والقوى القومية الراديكالية كوراييف على ما وصفوه بالإغراق في الأكاديمية وعدم رغبته في تبني شعاراتهم بالكامل. ومع ذلك، فقد حظي الكتاب في الأوساط الأكاديمية واللاهوتية المتزنة بقبول باعتباره محاولة جريئة، وإن كانت مثيرة للجدل، لكسر محرمات فكرية دامت لسنوات طويلة، ولنقل نقاش هذا السؤال الحساس من مساحة الكراهية العمياء إلى ميدان التحليل العقلاني الصارم، والتذكير بأن السياسة الدنيوية للدول، ينبغي أن لا تحل محل المعاني الدينية الحقيقية.
كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *