اقتصاد “سوريا الجديدة” بعد عام ونصف.. بين ضغط شعبي وحكومة مأزومة


د. نوعام بنشتوك وكارميت فالنسي

بعد عام ونصف من سقوط نظام الأسد، تواجه سوريا تناقضات عميقة: فعلى الصعيد الخارجي، حققت حكومة أحمد الشرع إنجازات دبلوماسية هامة، تمثلت في تزايد الاعتراف الإقليمي والدولي، وموجة من التزامات الاستثمار من دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة وأوروبا. أما على الصعيد الداخلي، فالوضع أكثر قتامة: إذ تعاني سوريا من توترات عرقية، وتهديدات أمنية، وانقسامات أيديولوجية، وأزمة اقتصادية حادة باتت تشكل مصدراً رئيسياً للضغط الاجتماعي والسياسي على الحكومة الجديدة. يتجلى هذا التناقض أيضاً في كل ما يتعلق بعملية إعادة الإعمار؛ فمن جهة، تقف سوريا عند نقطة انطلاق فريدة: فقد أعادت تموضعها في المنطقة، ومن منظور جيوسياسي، بدأت في تعزيز مبادرات لتحويلها إلى محور لوجستي استراتيجي لعبور البضائع والطاقة، في ظل التهديدات على الممرات البحرية في منطقة الخليج. ومن جهة أخرى، تواجه سوريا العديد من الصعوبات، بما في ذلك اقتصاد منهار ومؤسسات معطلة. وستحدد قدرة سوريا على بناء بنية تحتية متينة للنمو الاقتصادي، وليس فقط لاستيعاب الاستثمارات، مصير اقتصاد البلاد، وإلى حد كبير استقرارها في السنوات القادمة.

الأزمة الاقتصادية وتداعياتها – لمحة سريعة

يعاني الشعب السوري، الذي صمد نحو 13 عامًا من الحرب الأهلية، من ضغوط اقتصادية هائلة. ينبع السخط الشعبي بشكل رئيسي من ارتفاع أسعار الكهرباء، وضعف الليرة السورية (التي تُقدّر بنحو 14.000 ليرة سورية للدولار)، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة حصول الأسر على الغذاء.

وتُظهر البيانات المتعلقة بسوريا حجم الأزمة الناجمة عن الحرب الأهلية. فقد انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الذي قُدّر بنحو 1.550 دولارًا أمريكيًا في عام 2011، إلى 670 دولارًا أمريكيًا في عام 2022، وهو آخر عام تم فيه قياسه، أي بانخفاض يزيد عن 50 في المئة. كما انخفض معدل من أنهوا المرحلة الابتدائية من حوالي 100 في المئة في عام 2011 إلى حوالي 62 في المئة في عام 2023. وفي حين أن معدل البطالة الرسمي في سوريا 13 في المئة “فقط”، صرّح وزير الاقتصاد والصناعة السوري، نضال الشعار، في عام 2025 بأن الرقم الحقيقي أقرب إلى 60 في المئة.

تُظهر البيانات المتعلقة بسوريا حجم الأزمة الناجمة عن الحرب الأهلية. فقد انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الذي قُدّر بنحو 1.550 دولارًا أمريكيًا في عام 2011، إلى 670 دولارًا أمريكيًا في عام 2022

وفي تقرير نُشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار أمريكي. للمقارنة، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لسوريا في عام 2011، أي قبل الحرب بعام، 67 مليار دولار. بعبارة أخرى، حتى في ظل اقتصاد ما قبل الحرب، ولو استُثمرت كل ليرة سورية بالكامل في إعادة الإعمار (وليس، على سبيل المثال، في الغذاء أو الاستهلاك)، لاستغرق الأمر أكثر من ثلاث سنوات لإصلاح الأضرار الناجمة عن الحرب. تُظهر استطلاعات الرأي العام لعام 2026 تأثير الوضع الاقتصادي على الدعم الشعبي للحكومة. ففي شباط، اعتقد 63 في المئة من السوريين المستطلعة آراؤهم أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح. ولكن بحلول نيسان، انخفضت هذه النسبة إلى 13 في المئة فقط ممن يعتقدون أن الحكومة تبذل ما يكفي لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. وخلال الفترة نفسها، تراجعت أيضاً نسبة الشعور بالأمن الشخصي من 67 في المئة إلى 38 في المئة. وأصبحت الصعوبات الاقتصادية، وليس الأيديولوجية أو الأمن فقط، هي المعيار الأساسي الذي يُقيّم السوريون من خلاله حكومتهم.

وفي نيسان، صرّح المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، لمجلس الأمن بأن تدهور الأوضاع الاقتصادية يُؤجّج الاضطرابات الاجتماعية، وأكّد أنّه دون حكم شامل للجميع، وعدالة انتقالية ذات مصداقية، ودعم دولي، سيظلّ الاستقرار هشّاً.

لقد اتخذ النظام السوري، الذي يخشى تقويض استقراره في هذا السياق، سلسلة من الخطوات الرامية إلى تخفيف الضغط الشعبي. ففي كانون الثاني، تقرّر تسريع تغيير العملة وحذف صفرين من الليرة لتسهيل المعاملات وإرساء عملية إصلاح اقتصادي من شأنها تعزيز ثقة الشعب. وفي وقت لاحق، وقّع الشرع مراسيم رئاسية بزيادات كبيرة في الأجور في القطاع العام، بما في ذلك الصحة والتعليم والدين والمالية، بهدف تحسين الظروف المعيشية. في الوقت نفسه، قدّم وزير المالية محمد برنية إصلاحًا ضريبيًا شاملًا، يتضمن إعفاءً كاملًا من ضريبة الدخل لذوي الدخل المنخفض (الذين يقل دخلهم عن 640 ألف ليرة سورية سنويًا، أي ما يعادل 4600 دولار أمريكي تقريبًا)، وفرض ضريبة شراء بنسبة 5 في المئة، باستثناء السلع الأساسية كالغذاء والدواء والخدمات التعليمية، وذلك لمنع استمرار تآكل القدرة الشرائية للفئات الأقل حظًا. كما تقرر زيادة المعاشات التقاعدية في القطاع العام بنسبة 30 في المئة. وأفاد برنية بأن المعاشات التقاعدية في سوريا ارتفعت بمعدل 56 في المئة تقريبًا خلال العام الماضي، وهي خطوة تعكس رغبة الحكومة في زيادة الإنفاق العام لدعم الفئات الأقل حظا.

وأشار اقتصاديون علّقوا على هذه الخطوة، التي تهدف أساساً إلى تخفيف أعباء المعيشة وتحسين القدرة الشرائية، إلى ضرورة أن تترافق زيادات الأجور مع إصلاح حقيقي في القطاع العام، وذلك من خلال تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، ومعالجة المشكلات الإدارية، ورفع الكفاءة. فزيادة الأجور وحدها لا تكفي، بل يتطلب الأمر رصدًا ومتابعةً لأداء موظفي القطاع العام لضمان تحقيق نتائج ملموسة.

ومن النقاط الأخرى التي تثير قلق الاقتصاديين، تدخل الحكومة في دعم السلع الأساسية وشراء المنتجات. فالحكومة السورية في مأزق: فمن جهة، يتزايد الضغط الشعبي للمطالبة بالدعم والمساعدات لتخفيف معاناة المواطنين. ومن جهة أخرى، قد يُوقع التدخل الحكومي المفرط في الاقتصاد سوريا في فخ الحكومات التي تراكمت عليها الديون بسبب دعم السلع الأساسية، لكنها عاجزة عن التوقف خوفًا من رد فعل شعبي، كما حدث في مصر.

لقد تجلّى هذا التوتر في موجة الاحتجاجات التي اندلعت في أيار 2026 في المناطق الزراعية الوسطى بسوريا (الحسكة، والرقة، ودير الزور، وريف حماة) احتجاجًا على تحديد الحكومة سعر شراء القمح بـ 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن (حوالي 330 دولارًا أمريكيًا). عارض المزارعون ورؤساء نقاباتهم السعر الرسمي، واصفين إياه بالقمع الذي لا يتناسب مع الجهد المبذول في أهم محصول في البلاد. وأشار المحتجون إلى سخافة اختيار الحكومة طباعة صورة سنبلة القمح على فئة 500 ليرة الجديدة كرمز للثروة الوطنية، بينما هي في الواقع تُرسّخ سياسة خانقة لا تُمكّن المزارعين من تحقيق الاكتفاء الاقتصادي.

استجابةً لهذه القضية، واستجابةً لغضب المزارعين، قرر الرئيس السوري، بموجب مرسوم رئاسي، منح الحكومة 9000 ليرة سورية إضافية (حوالي 80 دولارًا أمريكيًا) عن كل طن من القمح تشتريه من المزارعين (ليصبح سعره 420 دولارًا أمريكيًا). ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا السعر مرتفع مقارنةً بالقمح الروسي أو الأوكراني الذي تشتريه دمشق، ويُظهر استعداد الحكومة للاستجابة للضغط الشعبي حتى على حساب المصالح الاقتصادية طويلة الأجل. ومن التحديات التي ستواجهها الحكومة السورية محاولة الموازنة بين مطالب المزارعين والمصلحة العامة في النمو المستدام. وفي حزيران 2026، انضمت الشركات التجارية أيضاً إلى الاحتجاجات، مطالبةً بتحسين الأجور والظروف الاجتماعية.

المشاركة الخارجية في إعادة الإعمار

منذ بداياتها، عملت الحكومة السورية بجدٍّ على حشد المستثمرين الخارجيين لإعادة الإعمار الاقتصادي. في 18 أيار، شارك وزير المالية برنية في جلسة مغلقة لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع في باريس. وتركزت المناقشات على التعافي الاقتصادي لسوريا وإعادة دمجها في النظام المالي العالمي. وتُمثل هذه المشاركة خطوةً هامةً أخرى في جهود حكومة الشرع للتواصل مع الاقتصادات الكبرى وحشد الدعم الدولي لإعادة إعمار البلاد قبل قمة مجموعة السبع في حزيران.

وفي أيار، شهد مسار إعادة إعمار الاقتصاد السوري تطورين مهمين: قرار الاتحاد الأوروبي باستئناف العلاقات التجارية مع سوريا، وقرار شركتي فيزا وماستركارد، وهما من عمالقة القطاع المالي، بالسماح باستخدام بطاقات الائتمان الدولية في البلاد. ولا يقتصر السؤال المحوري على من سيمول إعادة إعمار سوريا، بل يتعداه إلى تحديد نوع الاقتصاد الذي سيُبنى هناك: اقتصاد مفتوح وتنافسي، أم إعادة بناء “اقتصاد المحسوبية” تحت قيادة جديدة.

مع ذلك، تتعارض الرغبة الدولية في إعادة الإعمار أحيانًا مع حالة عدم الاستقرار السائدة في سوريا. ففي السابع من تموز، وبينما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول زعيم غربي يزور البلاد منذ سقوط نظام الأسد، وقعت عدة انفجارات بالقرب من مقر إقامته في العاصمة دمشق. يُظهر هذا الواقع صعوبة أخرى تواجه سوريا، إذ يتطلب اقتصادها المزدهر بيئة آمنة لممارسة الأعمال.

تخوض سوريا حاليًا سباقًا محمومًا لإعادة الإعمار، إلى جانب دول أخرى في المنطقة تعاني من دمار هائل وتحتاج إلى مساعدات دولية، من بينها لبنان واليمن وليبيا وإيران والصومال، ومناطق مثل قطاع غزة

وتخوض سوريا حاليًا سباقًا محمومًا لإعادة الإعمار، إلى جانب دول أخرى في المنطقة تعاني من دمار هائل وتحتاج إلى مساعدات دولية، من بينها لبنان واليمن وليبيا وإيران والصومال، ومناطق مثل قطاع غزة. وفي هذا السباق، تتمتع سوريا بعدة مزايا: أولا، الحرب التي انتهت وبرزت فيها قيادة جديدة حظيت باعتراف دولي، على عكس غزة أو ليبيا، على سبيل المثال، حيث لم يستقر الوضع بعد. إضافةً إلى ذلك، تقع سوريا عند مفترق طرق جيوسياسي فريد، ما يُثير اهتمام العديد من الدول بإعادة إعمارها. تُبدي تركيا، حليفة سوريا، اهتمامًا بإعادة إعمارها بهدف تحقيق الاستقرار على حدودها وتعزيز نفوذها في البلاد والمنطقة. وبدعم من تركيا ودول الخليج، تُعيد سوريا تموضعها كنقطة التقاء بين الشرق الأوسط وأوروبا، مما يُتيح إمكانية إنشاء بديل لمضيق هرمز وباب المندب. ويهتم الأوروبيون باستقرار سوريا لحل الأزمة وإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. كما يُعد استقرار سوريا مصلحة واضحة في السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.

ورغم هذه المزايا، قد يُصعّب عدم الاستقرار العالمي على سوريا توفير رأس المال اللازم. وتواجه دول الخليج أزمة اقتصادية ناجمة عن الحرب مع إيران. وتحتل تركيا، الحليف الأهم للنظام السوري الجديد، المرتبة الحادية عشرة عالميًا من حيث الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب الأسعار، إلا أنها تُعاني من تضخم مستمر ومشاكل هيكلية. تنشغل أوروبا بالتضخم وأسعار الكهرباء والحاجة إلى التسلح، بينما تبدو الولايات المتحدة -رغم تحركات الرئيس ترامب الأخيرة – أكثر تركيزًا على الشؤون الداخلية.

ورغم أهمية التدخل الدولي، فإن حجم الاستثمار وحده لا يضمن النجاح. تُظهر تجارب دول أخرى أن ضخ رؤوس الأموال الخارجية يُمكن أن يُسرّع التعافي، ولكنه غير كافٍ لتحقيق نمو مستدام. لذا، فإن السؤال الأساسي ليس فقط حجم الأموال التي ستتدفق إلى سوريا، بل ما إذا كانت البلاد ستنجح في بناء مؤسسات اقتصادية قادرة على استغلال هذه الموارد بكفاءة. هذه المسألة جوهرية في بعض المناهج الرئيسية لدراسة النمو الاقتصادي. علاوة على ذلك، لا تزال هناك عوائق قانونية ومالية تحول دون اندماج سوريا في النظام العالمي، على عكس الانطباع المتفائل الذي يُعطيه الأمريكيون. وما دام تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب ساريًا، فإن الشركات الأجنبية المستثمرة في البلاد مُعرّضة للاستيلاء الفوري على أصولها وأموالها من قِبل الدائنين، مما يُحيد فعليًا قدرة سوريا على جذب رؤوس الأموال المؤسسية الغربية.

الاقتصاد السوري في ضوء النظريات الاقتصادية

تشير النماذج الكلاسيكية للنمو الاقتصادي، بقيادة روبرت سولو، إلى أن الدول الخارجة من الحروب قد تشهد معدل نمو سريعًا نسبيًا في السنوات الأولى، نظرًا لحجم الدمار الهائل والحاجة الماسة لإعادة بناء البنية التحتية. وفي هذا السياق، يُشكل الدمار الواسع الذي لحق بسوريا أيضاً فرصةً سانحةً للنمو السريع، شريطة ضخ موارد كافية في البلاد.

مع ذلك، تُؤكد دراسات أحدث، ترتبط بشكل رئيسي بأعمال الفائزين بجائزة نوبل لعام 2024، دارون أسيموغلو، وسيمون جونسون، وجيمس روبنسون، أن الاستثمار ورأس المال وحدهما لا يضمنان النجاح. فجودة المؤسسات، وسيادة القانون، وحماية حقوق الملكية، ومستوى الفساد، والقدرة على تشجيع المنافسة وريادة الأعمال، كلها عوامل أساسية تُؤثر في نجاح الدول في عمليات إعادة الإعمار والتنمية.

وفي السياق السوري، لا يقتصر التحدي على إعادة بناء البنية التحتية وضخ الأموال. فقد خلّف نظام الأسد وراءه ليس فقط الدمار المادي، بل أيضاً نظامًا اقتصاديًا مركزيًا فاسدًا يعتمد على مراكز القوى السياسية. وبهذا المعنى، لم يُخلِّف نظام الأسد وراءه دمارًا ماديًا واسع النطاق فحسب، بل خلَّف أيضاً بنية تحتية مؤسسية واقتصادية مُدمَّرة. لسنوات، عمل الاقتصاد السوري بطريقة مركزية تعتمد على الحكومة، حيث سيطرت الدولة أو جهات مُقرَّبة من النظام على مراكز القوة الاقتصادية الرئيسية. وكان القطاع المصرفي السوري ضعيفًا للغاية: فقد تم تأميم معظم البنوك وبقيت تحت سيطرة الدولة، ولم يتطور النظام المالي ليصبح آلية فعّالة للائتمان والاستثمار ودعم ريادة الأعمال.

وتُجسِّد زيارة صندوق النقد الدولي إلى دمشق في حزيران 2025 هذه النقطة بوضوح. فخلال زيارتهم الأولى لسوريا منذ عام 2009، أكد ممثلو صندوق النقد الدولي أن إعادة بناء الاقتصاد لا تتطلب المساعدات ورأس المال فحسب، بل تتطلب أيضاً استعادة ثقة الجمهور، وتعزيز البنك المركزي، وإصلاح أنظمة الدفع والمصارف، وتشديد الرقابة المالية، وتحسين آليات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وخلال زيارة أخرى في شباط 2026، أشار الصندوق إلى أن البنك المركزي حافظ على سياسة نقدية متشددة، وأن تجنب تمويل الميزانية من خلاله ساهم في كبح التضخم وتحقيق بعض التحسن في سعر الصرف. وفي الوقت نفسه، شدد الصندوق على أن المرحلة التالية تتطلب تعزيز استقلالية البنك المركزي، ووضع إطار عمل لسياسة نقدية حديثة، وتقييم وضع البنوك، وإصلاح نظام المصارف والمدفوعات. كما أن تعيين عبد القادر حصرية، الشريك السابق في شركة إرنست ويونغ العملاقة في سوريا، محافظاً للبنك المركزي، يؤكد على السعي لتقديم إعادة الإعمار المالي كمشروع تكنوقراطي مؤسسي وليس مجرد مشروع سياسي.

في ضوء كل هذا، بات وضع البنك المركزي السوري أحد أهمّ الاختبارات لإعادة إعمار البلاد. فوجود بنك مركزي مهني ومستقل، قادر على الحفاظ على استقرار الأسعار، وتعزيز الثقة بالعملة، والإشراف على القطاع المصرفي، والربط بالنظام المالي الدولي، يُعدّ مؤشراً على بناء مؤسسات اقتصادية حقيقية. من جهة أخرى، إذا استمرّت الأموال والائتمان والبنوك خاضعةً لاحتياجات الحكومة وحاشيتها، فقد ينتهي المطاف حتى بالاستثمارات الضخمة والبنية التحتية الجديدة إلى إعادة بناء اقتصاد المحسوبية تحت مسمّى آخر.

وتسعى سوريا أيضاً إلى بناء قطاع خاص قوي. ففي حزيران، افتُتح “المؤتمر الأول للحوار مع القطاع الخاص”، حيث أكّد وزير الاقتصاد شعار أن هدف النظام ليس خصخصة القطاع العام برمّته، بل بناء اقتصاد يجمع بين قطاعات قوية. كما شدّد على رغبة النظام في دمج المرأة في الاقتصاد.

على الرغم من هذه التصريحات، فإن صعوبة سوريا في إنشاء قطاع خاص مستقل تتجلى بوضوح في بيانات عدد الشركات التي تم افتتاحها في سوريا عام 2025. تشير البيانات الرسمية المنشورة في البلاد بنهاية عام 2025 إلى وجود حوالي 30 ألف شركة فقط، وهو عدد ضئيل للغاية مقارنة بدول المنطقة. في ذلك العام، أفادت الحكومة السورية بافتتاح حوالي 18 ألف شركة جديدة، وهو رقم من شأنه أن يضع سوريا ظاهريًا في مصاف دول المنطقة. مع ذلك، يُظهر فحص أدق للبيانات أن 4425 شركة فقط منها كانت مسجلة رسميًا، بينما سُجلت البقية بوضع مشابه لوضع “تاجر مرخص” أو “تاجر معفى”. عند التركيز على الشركات المسجلة فقط ومقارنة عددها بحجم السكان البالغين، يتضح أن عدد الشركات التي تم افتتاحها في سوريا عام 2025 أقل بكثير من عددها في دول المنطقة.

وهكذا، حتى بعد التغيير السياسي الجذري، لا تزال سوريا بعيدة كل البعد عن امتلاك قطاع خاص كبير، تنافسي، ومبتكر. فعدد الشركات الجديدة المسجلة منخفض، ليس فقط من حيث العدد المطلق، بل وبالأخص قياساً بحجم السكان.

إضافةً إلى ذلك، لا تعمل المؤسسات الاقتصادية بمعزل عن الواقع. فالاقتصاد المبتكر والتنافسي يحتاج أيضاً إلى بيئة اجتماعية وثقافية تُتيح المعرفة، والتعليم، ومشاركة المرأة في المجال العام، وحقوق الأقليات، والتفكير النقدي. ورغم أن سوريا في عهد أسرة الأسد اتسمت بضعف المؤسسات، والمركزية الشديدة، والاعتماد العميق على آليات الحكم والسلطة، إلا أن المرأة كان لها حضور في المجال العام، وحُفظت حقوق الأقليات إلى حد ما. ونظراً للطابع الإسلامي المتشدد لنظام الشرع، يبرز التساؤل حول ما إذا كان سيُسمح للمرأة بالمشاركة في “اللعبة الاقتصادية”، أم أن سوريا ستُجبر على التخلي عن نصف قوتها العاملة.

التداعيات على إسرائيل

سيُحدد الانتعاش الاقتصادي في سوريا إلى حد كبير نوع الدولة السورية التي ستواجهها إسرائيل في السنوات والعقود القادمة. سوريا، التي تعاني من أزمة اقتصادية حادة، قد تستمر في كونها ساحة نفوذ لجهات أجنبية، وميليشيات، وشبكات تهريب، وآليات تمويل غير رسمية، وقد تسمح أيضاً لجهات مثل إيران أو حزب الله باستغلال الصعوبات الاقتصادية لتعزيز نفوذها وحضورها، كما حدث خلال عهد الأسد. في مثل هذه الحالة، لا يُقلل ضعف الدولة بالضرورة من التهديد لإسرائيل، بل قد يُعمّق عدم الاستقرار على الحدود الشمالية، ويُتيح لجهات خارجية وداخلية استغلال الفراغ الاقتصادي والحكومي. من جهة أخرى، لا يُبشّر تعافي سوريا اقتصادياً بالضرورة بخير لإسرائيل أيضاً. فسوريا الأقوى اقتصادياً، ولكنها ذات توجهات سياسية أو عسكرية فاشية، من المرجح أن تُوجّه بعض مواردها لإعادة بناء الجيش، وتعزيز آليات الأمن، وبناء قدرات جديدة لمواجهة إسرائيل. أما العامل الأكثر تأثيراً من وجهة نظر إسرائيل فهو طبيعة النظام، الذي يتراوح بين التطرف الإسلامي والاعتدال، وموقفه من إسرائيل. فبعيداً عن الديناميات الداخلية، لا يعمل النظام بمعزل عن الواقع، بل يتأثر بشكل كبير بالسياسة الإسرائيلية تجاهه.

في الوقت نفسه، لا يزال المسؤولون الإسرائيليون متشككين في النظام السوري ونواياه. فإلى جانب قلق واضح في ضوء الخلفية الأيديولوجية التي نشأ منها، ثمة علامات استفهام كثيرة تُحيط باستقرار سوريا ومستقبلها. ويُعدّ وضعها الاقتصادي عنصرًا حاسمًا في تقييمها، ولذا فمن حق إسرائيل مراقبة مؤشرات مؤسسية واضحة: مدى استقلالية وكفاءة البنك المركزي، وجودة الرقابة على النظام المصرفي، وعودة البنوك إلى النظام المالي الدولي، ومعدل تسجيل الشركات الجديدة، ومستوى المنافسة في القطاعات الرئيسية، وهوية الجهات المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار. علاوة على ذلك، ينبغي لإسرائيل ضمان ألا تأتي المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية في سباق إعادة إعمار سوريا على النفوذ والمكانة والأصول ومحاور النفوذ الإقليمية على حسابها. تُبيّن هذه المؤشرات ما إذا كانت سوريا تتجه نحو دولة مستقرة ومنفتحة ذات اقتصاد فاعل، أم أنها تُعيد بناء نظام مركزي ضعيف يعتمد على مراكز القوى السياسية. على المدى البعيد، قد تكون جودة المؤسسات الاقتصادية أهم من حجم الاستثمار نفسه في تحديد طبيعة سوريا والتحدي الذي ستُمثله لإسرائيل.

معهد بحوث الأمن القومي INSS 22/7/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *